أعلن السيسي عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والتي تشتمل على أربعة محاور عمل رئيسة: محور الحقوق المدنية والسياسية، ومحور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومحور حقوق الإنسان للمرأة والطفل وذوي الإعاقة والشباب وكبار السن، ومحور التثقيف وبناء القدرات في حقوق الإنسان.

وقد جاء هذا الإعلان لمغازلة الغرب لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل الانتهاك الممنهج من قبل النظام المصري لحقوق الإنسان، والمحاكمات بالشبهة وترسيخ التعذيب ومصادرة الأملاك الخاصة. وما هي إلا أيام معدودات حتى أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن تعليق مبلغ 130 مليون دولار من المعونة العسكرية الأمريكية لمصر، رهناً باتخاذ خطوات لتحسين أوضاع حقوق الإنسان، فيما وافقت في الوقت نفسه على منح مصر 170 مليون دولار من المساعدات، من شريحة قيمتها 300 مليون دولار للسنة المالية 2020، حيث تتلقى مصر سنوياً 1.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية.

وعلى الرغم من الشروط المفروضة على شريحة الـ300 مليون دولار، تجاوزت الإدارات الأمريكية السابقة عن تلك الشروط وسمحت بإرسال المساعدات. وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن وزير الخارجية (أنتوني بلينكن) سيمضي قدما في الموافقة على تقديم 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية؛ إذا عالجت الحكومة المصرية بشكل حازم أوضاعا محددة تتعلق بحقوق الإنسان.

وفي خضم هذه الأحداث التي كاد أن يقول فيها المريب خذوني، نفى السيسي وجود انتهاكات لحقوق الإنسان في مصر، معلنا في الوقت نفسه أنه سيتم افتتاح أكبر مجمع للسجونقريبا، حيث قال في مداخلة هاتفية مع برنامج تلفزيوني مصري: "يجب أن يطمئن المصريون بعدم وجود انتهاك لحقوق الإنسان في بلادهم"، مضيفا: "لا شك في أن مظاهر الفقر والجهل وثقافتنا خلال سنوات ماضية أدت إلى وجود ممارسات خاطئة". وتابع بالقول: "مش من حق حد يسيء للآخرين سواء بالتنمر أو التحرش، لأنه يعد انتهاكا لحقوق الإنسان".

ثم أعلن السيسي أنه سيتم افتتاح أكبر مجمع سجون في مصر خلال أسابيع قليلة، قائلا: "إحنا هنفتتح أكبر مجمع سجون، واحد من 7 أو 8 هنعملهم في مصر، إحنا جايبين نسخة أمريكية كاملة، فيه كل شيء.. حتى لو إنسان أذنب وبنعاقبه، مش هنعاقبه مرتين هنعاقبه مرة واحدة بأنه يقضي عقوبة في السجن". وأضاف: "المسجون في المجمع هيقضي عقوبته بشكل آدمي وإنساني.. حركة وإعاشة ورعاية صحية ورعاية إنسانية وثقافية وإصلاحية". وتابع: "مفيش حركة كتير، ولا يتنقلوا بعربية الترحيلات.. لا، القضاء سيكون هناك.. عملية الإصلاح تتضمن إنشاء منظومة متكاملة".

وهكذا يبشر السيسي المصريين ليس ببناء المدارس التي يجلس تلاميذها على أراضي فصولها، أو المستشفيات التي تفتقد للأسرّة وأدنى احتياجات العلاج أو المصانع التي لها قدرة على تشغيل الشباب.. إنما يبشرهم بأكبر مجمع للسجون، ولن يتوقف الأمر على هذا، بل إن استثماره خلال المرحلة المقبلة متوجه نحو إنشاء سبعة أو ثمانية مجمعات؛ ليس لإسكان الشباب ليعيش حياة حرة كريمة، بل لسجنهم في سجن كبير داخل سجن أكبر اسمه مصر.. والعجيب أن المتهم سيجد قاضي النظام في نفس المجمع، فالداخل لهذا المجمع مفقود والخارج منه مولود، في حين سيعيش هو وأنصاره في ظل ما سماه العاصمة الإدارية الجديدة، والتي لن تختلف عن المنطقة الخضراء التي ابتدعها الأمريكان لحماية عملائهم في البلاد التي غزوها.

إن مصر فيها 42 سجنا، وقد اتخذ السيسي سياسة الاستثمار في السجون منهجا وجمّلها رغم قبحها بالطراز الأمريكي لمغازلة الولايات المتحدة الأمريكية، وياليته غازلها في رفع الدخل للمصريين، أو الاهتمام بالصحة، أو التعليم، أو التصنيع، أو حفظ الكرامة الإنسانية التي ليس لإهانتها في مصر نظير..

فما التوسع في بناء السجون إلا مؤشر واضح على غياب منظومة العدالة، فلو توفر العدل ما احتاج البلد لسجن واحد.. ولكنه الظلم الاقتصادي بمصادرة أموال الناس، وليس آخرها محلات التوحيد والنور التي سماها مول القاهرة، وهذا نتاج طبيعي لكرهه لكل اسم إسلامي وهجومه المغلف المتتالي على الدين عقيدة وشريعة، فضلا عن الظلم الاجتماعي بالقضاء على الطبقة المتوسطة وزيادة نسبة الفقر وتقسيم المجتمع إلى شيع: سادة من جيش فشرطة فقضاء فإعلام، وعبيد وهم جموع الشعب.. إضافة إلى الظلم السياسي برفع شعار: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد..

فهو الذي تغنى بأن الإيمان والكفر بالله مفتوح، ولكنه في الوقت نفسه جعل من يجرؤ على معارضته ليس له إلا السجون التي تعج الآن بأكثر من 60 ألف مسجون سياسي؛ انتقاما وظلما وعدوانا. 

إن سياسة السيسي بالاستثمار في السجون جنبا إلى جنب مع الاستثمار في الديون؛ نتيجتها حبس الناس داخل جدران السجون أو سجن مصر الكبير، بالغلاء والقهر والاستعباد. وهذه السياسة وإن استمرت وقتيا فهي تحمل معها عوامل الانفجار، ووقتها سيكون طف الصاع ولن تكون السجون إلا لبانيها، ولنا في التاريخ العظات والعبرات.

………………………….

*نقلا عن "عربي 21"

Facebook Comments