أحمدي البنهاوي
قال الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي، نائب وزير المالية الأسبق في حكومة د. هشام قنديل: إنه "لا يعتقد أن توجه السعودية نحو الاقتراض الخارجي أو الداخلي مؤشر إيجابي، بل هو مؤشر سلبي ومزعج".
وحذر "الصاوي"- في مقال له بعنوان "السندات الدولية للسعودية والفرص الضائعة" المنشور على موقع المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية- من أن "المالية السعودية تتبنى برنامجًا للتوسع في المديونية، وسط حزمة من الإجراءات والسياسات الاقتصادية التي تدفع بالاقتصاد السعودي لهوة المقامرة في الاقتصاد الرأسمالي"، مشيرا إلى أن "الدين العام في السعودية في أغسطس 2016 بلغ 73 مليار دولار".
ونبه إلى أن التعويل على ارتفاع أسعار النفط مستقبلًا، وأن الزيادة المرتقبة كفيلة بسداد هذه الديون، كما حدث من قبل، هو دلالة على أن السعودية والدول النفطية العربية جميعًا لم تع الدرس بعد. وأنه قد تسمح عوائد النفط مستقبلًا بسداد الديون، ولكن بعد توريط الاقتصاد السعودي في شبكة من الاحتكار والتبعية للقطاع الخاص الأجنبي.
أزمة طويلة
وألمح عبد الحافظ الصاوي إلى أن القراءة الأولية لمدد توظيف السندات السعودية تعكس أن خطة صانع السياسة المالية السعودية للاعتماد على الديون الخارجية لتمويل الموازنة لفترة طويلة، والثاني أن الموازنة السعودية ستعاني أوضاعا اقتصادية صعبة قد تطول مدتها.
وأشار إلى أن السعودية تروج من خلال "حملة إعلامية" تبرر للمشترين المنتظرين لهذه السندات، إمكانيات الاقتصاد السعودي، واعتماده على احتياطي نفطي كبير، يسمح بسداد ديونهم، أو ما اتخذته الحكومة السعودية من إجراءات لتقليص الإنفاق العام، بما يسمح لها بملاءة مالية قادرة على خفض عجز الموازنة.
في الوقت الذي رأى فيه "قلة أرقام السندات حيث تتراوح ما بين 10-15 مليار دولار"، وأن "الرقم سيمثل البداية"، وأن الأرقام المعتبرة ستأتي خلال الفترات القادمة، كما أن النشرة الخاصة بإصدار السندات، والتي يتناقش حولها مسؤولون سعوديون مع خبراء أسواق المال بإحدى العواصم الأوروبية، تتضمن شرائح لهذه السندات، تشمل مددا تتراوح ما بين 5، و10، و30 عامًا.
شفافية للتساؤلات
وأشار عبد الحافظ الصاوي إلى أن السعودية ليست أول دولة تطرح سندات في السوق الدولية للاقتراض، فهناك دول كثيرة نامية ومتقدمة، تلجأ لإصدار السندات، ولكن ثمة مجموعة من التساؤلات تطرح نفسها حول مبررات قيام السعودية بهذه الخطوة، منها:
1ـ تمتلك السعودية صندوقًا سياديا تبلغ أصوله الرأسمالية 757 مليار دولار في نهاية 2015، فهل هذه الاستثمارات لا توفر للسعودية عوائد تمكن من الاستغناء عن إصدار هذه السندات؟ وإذا ما افترضنا أن عائد تلك الأصول الرأسمالية بحدود 3% سنويًا، فإن معنى ذلك أن تحصل الموازنة السعودية على أرباح لا تقل عن 22.7 مليار دولار كعائد على استثمارات الصندوق السيادي.
واعتبر أن ذلك يقتضي الشفافية لطمأنة المواطن، ليتقبل الإجراءات التقشفية، وأوضح أن الشفافية في ظل وجود مجلس للشورى في السعودية- والمفترض أنه جهة رقابية على الموازنة- من حقه أن يعلم بنود الإنفاق، والعوائد الاقتصادية المنتظرة منها، وكذلك كيفية الوفاء بهذه الالتزامات في المستقبل.
ورأى أن طرح السندات من المالية السعودية يشير إلى أن الأصول المالية للصندوق السيادي مني بخسائر كبيرة عبر الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وما تبعها من الأزمة المالية في أوروبا، ومؤخرًا التراجع الحاد في قيمة الجنيه الإسترليني، والمقومة به الاستثمارات السعودية في إنجلترا.
أم أن "استثمارات الصندوق السيادي السعودي تدار بشكل جيد، وفق قواعد اقتصادية مالية سليمة، تحقق أرباح ونتائج إيجابية؟"، وأنه "تم اختيار أداة السندات باعتبارها أقل تكلفة مالية؟".
جدوى الديون
وبناء على مسلمة اقتصادية تقول إن "الديون أيًا كان مصدرها بالنسبة للدولة، إذا وجهت إلى بنود الإنفاق الجاري مثل سد عجز الموازنة، فهي عديمة الجدوى وعبء على الأجيال القادمة، وترحيل لمشكلات اقتصادية حقيقية، بينما إذا وجهت الديون إلى بنود إنتاجية، ومشروعات تلتزم بسداد أعباء الدين من فوائد وأقساط فهي ديون مقبولة ولها عائد اقتصادي واجتماعي".
وألمح إلى أن نشرة اكتتاب السندات التي تسوقها السعودية، تذكر أنها تتوقع تراجع الإنفاق الاستثماري في موازنة 2016 ليصل إلى 20.2 مليار دولار، بدلًا من 70.3 مليار دولار في 2015.
وحذر من أن "تحويل عبء الإنفاق الاستثماري من الحكومة أو الدولة إلى القطاع الخاص، للخروج من بعض مساوئ القطاع العام أو الإدارة الحكومية، بصورة تصل فيها نسبة التخفيض نحو 70%، فهذا لا يعني شيئا سوى مزيد من البطالة وتراجع معدلات النمو".
وتحت عنوان "الفرص الضائعة"، لام الباحث الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي على السعودية واقتصاديات الخليج القائمة على النفط، عدم التخطيط لتغيير وضعها التنموي لتنتقل من مصاف الدول النامية للدول المتقدمة، ولا أن تنتقل باقتصاداتها من الاقتصاديات الريعية إلى الاقتصاديات الإنتاجية. مضيفا أنه "لم تغير ثروة السعودية وغيرها من الدول النفطية، خريطة المنطقة العربية اقتصاديًا، فلا يزال الاقتصاد العربي اقتصادًا تابعًا، ويفتقد الكثير من أدوات الاستقلال الاقتصادي، مما جعل المنطقة مطمعًا للمشروعات الإقليمية الأخرى كالمشروع الإيراني، أو الشرق أوسطي، أو الأورومتوسطي".