أحمد (جاذب الستات)!

- ‎فييوميات الثورة

عامر شماخ

صدمنا قائد الانقلاب بهذه العبارة (الطرية!)، فى ثنايا حديثه ضمن الشريط المسرب الذى أشار فيه إلى (الأذرع) الإعلامية التى ينوى التوسع فيها لتخريب ما تبقى من البلد.. قالها تعقيبًا على كلام (عمر!)، أحد قادة الجيش الذى يرى (أحمد) دون المستوى المهنى المطلوب منه.. ومن ظن أن العبارة فى مقام الهزل فقد أخطأ، فإن المخارج والحركات والإيماءات تدل على أنها (جد الجد)، كما أنه -أى السيسى- قال لـ(عمر) ما معناه: إننا سوف نخسر لو استبدلناه بك يا عمر، باعتبار أن (عمر) شيخ كبير ليس فى وسامة و(خفة دم) أحمد، محطم قلوب العذارى!.

هذا والله إسفاف، بل خطر على أمننا القومى؛ إذ معلوم أن على العاملين فى الجيش أن يكونوا أكثر الناس انضباطًا، وأن يحترزوا من الاختلاط بالآخرين، حفاظًا على مظهرهم العام، ومنعًا لتسرب خططهم ومشروعاتهم إلى من لا ندرى أيهم الوطنى وأيهم الخائن العميل.. وإذا كان هذا الكلام ينطبق على عموم العاملين فى هذا الجهاز، فمن باب أولى تطبيقه بصرامة على قادته المكلفين بحفظ أسراره والقيام على فروعه، بله المتحدث باسمه الذى يجسد صورة هذا الجيش ويعد لسان حاله المعبر عن آرائه وأفكاره.

لقد أساءت هذه العبارة لجيش مصر الوطنى، وأساءت فى الوقت ذاته لنساء مصر الطاهرات العفيفات؛ لقد فهم الناس من تلك السقطة أن قادة جيشنا (أزيار نساء!) يجذبونهن لأغراض دنيئة، ويستخدمون لذلك (أحمد) لجاذبيته و(دنجوانيته).. ومن يطالع ما ينشر وما يكتب على صفحات مواقع التواصل الاجتماعى يأسف لهذه المهانة التى عليها صورة الجيش الآن، حتى قبل أن يطلق السيسى هذه العبارة، فنشطاء (فيس بوك) يتداولون صورًا لهاتين الشخصيتين البارزتين (السيسى، أحمد)، لا نقول إنها إباحية، لكن نعتبرها تجاوزًا فى حقهما وفى حق المؤسسة التى ينتميان إليها، والتى أشرنا إلى أنها كانت تتشدد بشكل كبير فى مثل هذه الأمور، فما بالك إذا كان الأمر متعلقًا بقائد الجيش ومتحدثه الرسمى؟!

والعبارة إساءة بالغة لحرائر مصر ذوات الدين والخلق، فمَن (الستات) اللاتى يقصدهن قائل العبارة سوى: بناتنا وزوجاتنا وأخواتنا وأمهاتنا؟ وهو أمر لا يقبله آدمى، بل دونه رقاب الأحرار، مهما كانت مكانة وسيادية القائم بهذا الدور القذر، بعدما خرج عن دوره المنوط به والواجب المطلوب منه إلى دور يأنفه الأسوياء وتأباه الرجولة وأخلاق الكرام.

يحدثنا التاريخ عن هزائم قاسية لحقت بنا جراء مثل هذه الأفكار والانحرافات الخلقية، ففى عام 1948 أصيب الجيش بنكبة فظيعة على أيدى عصابات اليهود، وأعاد البعض سبب ذلك إلى الأسلحة الفاسدة والخيانة السياسية من جانب الملوك والحكام العرب، لكن الأستاذ كامل الشريف، قائد قوات المتطوعين فى هذه الحرب وصاحب كتاب (الإخوان المسلمون فى حرب فلسطين) له رأى آخر؛ إذ أكد أن الفساد الخلقى لضباط وأفراد الجيش كان السبب الرئيس فى تلك الهزيمة القاسية، فالضباط -إلا من رحم ربى- كانوا يتعاطون الخمور علانية فى أنديتهم، وكانوا يرون العبقرية العسكرية فى التحلل ومخاصرة النساء كما يفعل قادة أوروبا العسكريين، حتى الجنود الذين لم يكونوا يستطيعون شراء الخمور لضعف رواتبهم كانوا يستبدلونها بالحشيش وغيره من المخدرات.

أما الهزيمة التاريخية الكبرى فى عام 1967، فلا يشكك أحد فى أن انحراف القادة وقتها هو ما أدى إلى هذه النتائج الكارثية، كان قائد الجيش يقضى سهراته اليومية مع الفنانات، ويشهد شارع الهرم على غزواته النسائية ومعه عدد كبير من الضباط الذين ارتبطوا بفنانات شهيرات، وكان هذا معلومًا للجميع، ولم نسمع أن (خالد الذِّكر) قد نهى عن ذلك أو أمر بمنع تلك المهازل؛ لقناعته أن أخلاق القادة يجب أن تكون على هذه الشاكلة، ولم ينس المصريون قطار الرحمة الذى أطلقه وكانت الفنانات يبعن القبلة الواحدة بخمسين جنيهًا على محطات سكك حديد مصر المحروسة.

ظننت أن جيشنا بعد انتصارات أكتوبر قد تغيرت أخلاق قادته، ولم تعد هناك حالة (الشبق!) التى لازمتهم قبل هذه الحرب حتى أوكستهم فى ثلاث هزائم متوالية، غير أنه قد خاننى التقدير، بعدما وضعت سلوكيات وتصرفات الانقلابيين سمعة جيشنا الوطنى فى الوحل، وأظهرت لنا هذا الجيش فى صورة جيش مُعادٍ لشعبه يحاول السطو على أعراضه، كما سطا منذ الثالث من يوليو على أمواله وأرواحه، وما أتوقعه فيما هو آت من أيام -إن لم يسرع الوطنيون الشرفاء بفض هذا الانقلاب- أن ينقلب الشعب على الجيش، وأن ينزع المواطنون المهابة والمحبة من قلوبهم لضباطه وأفراده، فيصير هذا الجيش أعزل لا سلاح له ولا ظهير يحميه، وتلك مصيبة تفتن الجميع ويصير من تسبب فيها هم أول ضحاياها.

عشت دومًا طامحًا إلى استقلال بلدى، وإلى صرامة وحزم جيشه الوطنى مع الأعداء، ولم أكن أتوقع أن ينحدر هذا البلد وقادة جيشه إلى هذا الوضع المشين.

نريد رجالا -كما قال الدكتور مرسى- يتحدث عنهم الأحفاد بأنهم كانوا لا يقبلون الضيم، لا رجالا يراودون نساء مصر عن أنفسهن ويأسون على حبهن ويقعون تحت أرجلهن ضحايا العشق والوله، وفى الوقت نفسه مطلوب منهم أن يحموا الثغور وأن يواجهوا جيش الصهاينة المدجج بالعقيدة والسلاح.. وأنى يجتمع النقيضان: الرجولة والخنوثة؟!