"أرجوكم.. لا تنسوا زوجي"
بهذه الكلمات تختصر زوجة الطبيب الفلسطيني الدكتور حسام أبو صفية مأساة أسرة تعيش منذ نحو عامين على وقع الانتظار والخوف، بعدما غاب الطبيب الذي كرّس سنوات من حياته لعلاج المرضى والأطفال والجرحى، خلف القضبان، ولم يعد إلى منزله منذ اعتقاله في ديسمبر 2024.
لا تطلب زوجته الكثير؛ فقط أن تبقى قضيته حاضرة، وألا يتحول اسمه إلى مجرد خبر قديم في زحام الحرب، وأن يستمر الحديث عنه حتى يعود إلى عائلته وأبنائه.
وتقول زوجته، في مناشدتها الأخيرة: "إن زوجها أفنى حياته في إنقاذ المرضى والوقوف إلى جانب الجرحى، وإن الرجل الذي اعتاد أن يكون هو من يمد يده للمحتاجين، أصبح اليوم بحاجة إلى من يمد له يدًا من أجل حريته وسلامته، مضيفة أن الصمت على قضيته يعني أن يواجه مصيره بعيدًا عن أعين العالم، مطالبة بمواصلة الضغط والنشر والتذكير بقضيته، حتى يظل صوته حاضرًا ولا تتحول محنته إلى صفحة منسية".
طبيب بقي إلى جوار مرضاه
قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بالاعتقال، كان حسام أبو صفية طبيب أطفال ومديرًا لمستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة، وبرز خلال الحرب باعتباره أحد الأصوات الطبية التي واصلت العمل في ظروف شديدة القسوة.
كان المستشفى يستقبل المرضى والجرحى، بينما كانت الإمكانات الطبية تتراجع، وكانت الطواقم تعمل وسط نقص الأدوية والوقود والاحتياجات الأساسية.
وفي تلك الظروف، ظل أبو صفية يؤدي عمله الطبي، قبل أن تقتحم القوات الإسرائيلية مستشفى كمال عدوان في 27 ديسمبر 2024 وتعتقله.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت مرحلة أخرى من معاناة أسرته؛ فبدلًا من انتظار عودته من المستشفى بعد انتهاء نوبته، أصبحت الأسرة تنتظر أخبارًا عنه من خلف جدران السجن.
وتقول منظمة العفو الدولية: "إن أبو صفية محتجز منذ اعتقاله دون توجيه تهمة أو محاكمة، وإن أمر احتجازه جرى تمديده بصورة متكررة بموجب قانون المقاتلين غير الشرعيين، وفي 16 يونيو 2026، أيدت المحكمة العليا الإسرائيلية آخر أمر باحتجازه، بما يسمح باستمرار اعتقاله حتى أكتوبر على الأقل".
كما قالت المنظمة: "إنه وُضع في الحبس الانفرادي منذ 3 يونيو، وإنه لا يحصل على الرعاية الصحية الكافية".
من يعالج المرضى.. من يعالج ألمه؟
المفارقة التي تؤلم عائلته أن الطبيب الذي أمضى سنوات في علاج الأطفال والمرضى، أصبح هو نفسه بحاجة إلى رعاية وحماية.
وقد أثارت قضية أبو صفية اهتمام خبراء أمميين، إذ وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان معلومات بشأن اعتقاله وحرمانه من الوصول إلى محاميه وأسرته بعد توقيفه. كما أُثيرت أمام الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة مخاوف بشأن ظروف احتجازه ووضعه الصحي.
وفي أحدث تحرك لها، قالت منظمة العفو الدولية: "أبو صفية ظل محتجزًا بمعزل عن العالم الخارجي لفترات، وطالبت السلطات الإسرائيلية بالإفراج عنه وضمان حمايته من التعذيب وسوء المعاملة وتوفير الرعاية الصحية اللازمة له".
"لا تتركوه يواجه الموت بصمت"
لكن خلف البيانات الحقوقية والأرقام والمواعيد القضائية، تقف زوجة تنتظر زوجها.
هي لا تتحدث عن طبيب مشهور فحسب، ولا عن قضية تتداولها المنظمات الحقوقية، وإنما عن إنسان له بيت وأسرة وأبناء ينتظرون عودته.
وفي رسالتها، تحاول أن تبقي اسمه حيًا في الذاكرة، وتخشى أن يطول الغياب حتى يصبح الصمت جزءًا من محنته.
"لا تنسوا زوجي" ليست بالنسبة إليها مجرد عبارة؛ إنها محاولة للوصول إلى كل من يستطيع أن يتحدث عنه، أو يكتب عن قضيته، أو يطالب بحريته، حتى لا يبقى وحيدًا خلف القضبان.
وتؤكد زوجته أن حسام لم يكن يحمل طوال سنوات عمله سوى أدوات مهنته، وأن المكان الذي اعتاد الوقوف فيه كان إلى جوار المرضى والجرحى والأطفال.
واليوم، بينما يستمر احتجازه، تبدلت الأدوار؛ الطبيب الذي اعتاد أن ينقذ الآخرين أصبح هو من تنتظر أسرته أن يجد من ينقذه.
وتبقى رسالتها معلقة في فضاء واسع من الانتظار: لا تنسوا حسام أبو صفية.. لا تجعلوا قضيته خبرًا عابرًا، ولا تتركوا عائلته وحدها أمام هذا الغياب الطويل.