لا تنظر القاهرة إلى تجدد القتال في إقليم تيجراي شمالي إثيوبيا باعتباره تطورًا يمكن اختزاله في فكرة استفادة مصر من انشغال أديس أبابا بصراعاتها الداخلية؛ بل ترى أن عودة المواجهات تحمل مخاطر مباشرة على ملف سد النهضة، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب التكهن بمآلاتها.
وتزامن التصعيد في تيجراي مع تشكيل تحالف يضم سبع جماعات مسلحة إثيوبية، بينها جبهة تحرير شعب تيجراي وقوات فانو الأمهرية وجيش تحرير أورومو، أعلنت هدفها إزاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية. ويجمع التحالف مكونات كانت في أوقات سابقة على طرفي الصراع، ما يزيد تعقيد المشهد الداخلي الإثيوبي.
ومع عودة المعارك في شمال البلاد، تصاعد أيضًا التوتر الإقليمي، بعدما اتهم قائد الجيش الإثيوبي، المشير بيرهانو جولا، إريتريا والسودان ومصر بدعم جماعات مسلحة تقاتل القوات الحكومية، من دون تقديم أدلة علنية على هذه الاتهامات.
في المقابل، نفت القاهرة الاتهامات، وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، نادر نبيل زكي مرقص، تمسك بلاده باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شئونها الداخلية، والتزامها بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
تيجراي يعيد خلط أوراق سد النهضة
وفق الرؤية التي يعكسها مصدر مصري مطلع، فإن عدم وضوح مآلات الصراع الإثيوبي والتحولات السياسية والأمنية التي قد تنتج عنه لا يمنح القاهرة فرصة سهلة للضغط على أديس أبابا، بل يجعل أزمة سد النهضة أكثر تعقيدًا.
فالقيادة الإثيوبية المقبلة، إذا تغيرت موازين القوى، قد تتبنى مواقف مختلفة، لكن ليس بالضرورة أن تكون أكثر مرونة تجاه مصر والسودان.
وفي المقابل، فإن استمرار الحكومة الحالية تحت ضغط الصراع الداخلي قد يدفعها إلى التشدد في ملف السد باعتباره أحد الملفات التي ارتبطت لسنوات بالخطاب الوطني الإثيوبي.
وتشير تحليلات منشورة بالتزامن مع تجدد القتال إلى أن التحالف المسلح الجديد يضم قوى ذات أجندات ومصالح مختلفة، وأن خلافاتها بشأن الأراضي والسلطة قد تجعل الحفاظ على تماسكه تحديًا قائمًا، رغم اتفاق أعضائه على معارضة حكومة آبي أحمد.
هل يصبح السد جزءًا من الصراع الداخلي؟
تتمثل إحدى المخاوف الرئيسية التي تطرحها التطورات الجديدة في احتمال دخول سد النهضة نفسه ضمن حسابات الصراع الداخلي.
ففي حال اتسعت المواجهات وأصبحت الحكومة المركزية أمام تهديدات متعددة، يمكن أن يتحول المشروع إلى ورقة سياسية وأمنية في مواجهة الخصوم، سواء عبر توظيفه لتعزيز الخطاب القومي أو استخدامه في تعبئة الداخل.
ومن هذه الزاوية، لا يعني انشغال أديس أبابا بالحرب بالضرورة تراجع قدرتها أو رغبتها في التشدد بشأن السد.
بل قد يحدث العكس، إذا رأت الحكومة الفيدرالية أن التمسك بالمشروع يمثل وسيلة لحشد التأييد الداخلي في مواجهة خصومها.
ولهذا، فإن أي مكاسب محتملة لمصر من انشغال إثيوبيا بصراعاتها الداخلية تظل مرتبطة بمدى استمرار الأزمة وطبيعتها، بينما تحمل الفوضى الممتدة مخاطر أكبر على إدارة ملف المياه والتواصل السياسي بين البلدين.
تحالف من سبع جماعات يوسع نطاق المواجهة
في 21 سبتمبر، أعلنت سبع جماعات مسلحة إثيوبية تشكيل «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء»، بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية.
وضم التحالف جبهة تحرير شعب تيجراي، وحركة فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب جماعات من مناطق أخرى، بينها عفر وبني شنقول- قمز ومنطقة الصومال، بحسب تقارير عن الإعلان.
وتكمن أهمية التحالف في أنه يجمع أطرافًا كانت في السابق في مواقع متعارضة.
فخلال الحرب التي اندلعت في تيجراي عام 2020، كانت قوات أمهرة وإريتريا إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية، بينما خاضت قوات تيجراي الحرب ضد الحكومة المركزية.
أما الآن، فقد أصبح بعض الخصوم السابقين جزءًا من جبهة واحدة ضد حكومة آبي أحمد، في تحول يعكس تغير خريطة التحالفات داخل إثيوبيا.
ومع اتساع نطاق المواجهات، تحدثت تقارير عن سيطرة قوات تيجراي وحلفائها على مواقع استراتيجية، فيما تتواصل المعارك بين القوات الفيدرالية والمجموعات المسلحة في شمال البلاد.
اتهامات مصرية.. أم محاولة لتفسير الأزمة؟
جاءت اتهامات قائد الجيش الإثيوبي لمصر والسودان في هذا السياق المتوتر.
وقال المشير بيرهانو جولا إن الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة لا تستطيع تنفيذ عملياتها من دون دعم خارجي، واتهم إريتريا بالعمل كحلقة وصل بين قوى خارجية وهذه الجماعات، في إشارة إلى مصر والسودان أيضًا.
لكن التقارير التي نقلت الاتهامات أشارت إلى عدم تقديم أدلة علنية تثبتها.
وردت القاهرة عبر وزارة الخارجية بتأكيد أن سياستها تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية، وأنها ترفض الممارسات التي تقوض الأمن والاستقرار الإقليمي.
وبذلك يبقى الحديث عن دعم مصري مباشر للتحالف المسلح في إطار الاتهام الإثيوبي، لا باعتباره واقعة مثبتة بالأدلة العلنية المتاحة.
من حرب 2020 إلى اتفاق بريتوريا
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى الحرب التي اندلعت في تيجراي في نوفمبر 2020 بين الحكومة الفيدرالية وقوات جبهة تحرير شعب تيجراي.
وانضمت إريتريا وقوات من إقليم أمهرة إلى جانب القوات الحكومية، بينما خاضت قوات تيجراي الحرب بدعم حلفاء محليين.
وبعد نحو عامين من القتال، توصلت الحكومة الإثيوبية والجبهة إلى اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، أنهى الحرب رسميًا وأوقف المواجهات الرئيسية.
لكن الاتفاق لم ينهِ جميع الخلافات السياسية والأمنية، وظلت ملفات عديدة عالقة، بما في ذلك قضايا الأراضي والترتيبات السياسية والأمنية.
ومع تجدد القتال خلال سبتمبر 2026، أصبحت التسوية التي أوقفت الحرب السابقة أمام اختبار جديد، وسط تحذيرات من تحول المواجهات إلى حرب أوسع.
سد النهضة.. الخلاف الذي لم تحسمه المفاوضات
وسط هذه التطورات، يبقى سد النهضة نقطة الخلاف الرئيسية بين القاهرة وأديس أبابا.
وتطالب مصر والسودان باتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، بينما تؤكد إثيوبيا أن المشروع حق سيادي مرتبط بالتنمية وإنتاج الكهرباء.
ويعود الإطار التفاوضي الرئيسي بين الدول الثلاث إلى إعلان المبادئ الموقع عام 2015، لكن المفاوضات لم تنتهِ إلى اتفاق شامل يحسم قواعد التشغيل والتعامل مع فترات الجفاف والسنوات التي تشهد تدفقات مائية منخفضة.
وتزداد حساسية الملف بالنسبة لمصر بسبب اعتمادها الكبير على مياه النيل، وهو ما يفسر اعتبار القاهرة الأمن المائي قضية مرتبطة بأمنها القومي.
القاهرة ترفع سقف خطابها بشأن المياه
وتزامن تجدد القتال في إثيوبيا مع تشدد في الخطاب المصري بشأن قضية المياه.
وفي 26 سبتمبر، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في كلمة مصر أمام الدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، أن الأمن المائي لمصر «قضية وجودية لا تحتمل المساومة»، مشددًا على احتفاظ القاهرة بحقها، وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، في حماية أمنها المائي.
كما أكد أن مصر لا تعارض حق الدول في التنمية، لكنها تتمسك بألا تكون التنمية على حساب الإضرار بالدول الأخرى.
ويأتي هذا الموقف في وقت تصاعدت فيه الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا بشأن تشغيل سد النهضة، بالتزامن مع اتساع نطاق التوتر في القرن الأفريقي.
هل تعرقل الفوضى فرص التفاوض؟
من الناحية السياسية، فإن انشغال الحكومة الإثيوبية بصراع داخلي واسع قد يحد من قدرتها على الدخول في مفاوضات طويلة ومعقدة بشأن سد النهضة.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة تغير موقفها من المشروع. فالسد تحول خلال السنوات الماضية إلى ملف شديد الحساسية داخل السياسة الإثيوبية، وأصبح مرتبطًا بخطاب السيادة والتنمية والموارد الوطنية.
وبالتالي، قد يكون من الصعب على أي حكومة إثيوبية، سواء استمرت الحكومة الحالية أو تغيرت، تقديم تنازلات كبيرة في ملف السد دون حساب ردود الفعل الداخلية.
وفي الوقت نفسه، فإن تحول السد إلى عنصر في صراع داخلي مسلح سيكون أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى دولتي المصب، لأن أي اضطراب في الدولة التي يوجد بها المشروع قد يضيف بعدًا أمنيًا جديدًا إلى خلاف مائي قائم أصلًا.
المخاوف تتجاوز حدود إثيوبيا
ولا تقف تداعيات تجدد القتال عند الحدود الإثيوبية. فإثيوبيا تقع في منطقة شديدة الحساسية تتقاطع فيها ملفات البحر الأحمر والسودان وإريتريا والصومال، ما يجعل أي صراع داخلي واسع قابلًا للتأثير في توازنات دول الجوار.
وتشير التطورات الأخيرة بالفعل إلى اتساع دائرة الاتهامات المتبادلة بين أديس أبابا وجيرانها، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الصراع الداخلي إلى أزمة إقليمية أوسع.
ومع استمرار القتال، تصبح حسابات القاهرة أكثر تعقيدًا، فاستقرار إثيوبيا يمثل مصلحة في حد ذاته، بينما قد يؤدي ضعف الحكومة المركزية أو تفكك مؤسسات الدولة إلى نتائج يصعب التنبؤ بتأثيرها على ملف المياه.
معادلة القاهرة الصعبة
بين الرهان على استقرار دولة المنبع، والتمسك بحقوقها المائية، تجد القاهرة نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية.
فانشغال إثيوبيا بصراعاتها الداخلية قد يحد مؤقتًا من قدرتها على فتح ملفات إقليمية جديدة، لكنه في الوقت نفسه قد يضعف فرص التفاوض المنظم بشأن سد النهضة.
أما اتساع الحرب وتحولها إلى صراع طويل أو إقليمي، فقد يضيف إلى أزمة السد طبقات جديدة من المخاطر السياسية والأمنية.
ولهذا، فإن تجدد حرب تيجراي لا يقدم للقاهرة مكسبًا مباشرًا وواضحًا بقدر ما يفتح أمامها سلسلة من السيناريوهات المتشابكة، في مقدمتها مستقبل الحكومة الإثيوبية، ومصير التحالف المسلح الجديد، ومدى قدرة اتفاق بريتوريا على الصمود، والأهم: ما إذا كان ملف سد النهضة سيظل قضية تفاوض بين دولتين، أم يصبح جزءًا من صراع إثيوبي داخلي وإقليمي أوسع.