تدريب في القاهرة وتكريم.. تلميع صدام أم إعداد لمرحلة ما بعد حفتر؟

- ‎فيتقارير

المؤكد أن صدام حفتر صعد داخل المنظومة العسكرية في الشرق، وأصبح نائبًا للقائد العام، وبدأ يتحرك خارجيًا في ملفات عسكرية وسياسية، والتقى مسؤولين كبارًا في مصر وروسيا.

وتزامن اللقاءات المصرية والروسية مع التدريب والتكريم، واتساع حضور صدام في ملفات الأمن والإعمار والعلاقات الخارجية، يمنح المشهد دلالة تتجاوز ظهوره باعتباره «ابن خليفة حفتر».

 

وهنا يبرز الدور المصري بصورة خاصة؛ فالقاهرة لا تتعامل مع حفتر باعتباره الطرف الوحيد في المعادلة، بل تبني قنوات مع الأب والابن وطرابلس في الوقت نفسه، وتستخدم أدوات سياسية وأمنية واقتصادية متوازية.

 

وفي 19 أغسطس 2026 استقبل عبد الفتاح السيسي خليفة حفتر في مدينة العلمين، بحضور نجليه خالد حفتر وصدام حفتر، ورئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد. وتناول اللقاء دعم أمن ليبيا واستقرارها ووحدتها وتوحيد مؤسساتها وإجراء الانتخابات.

 

وفي 22 أغسطس، التقى رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد صدام حفتر في العلمين، في لقاء قالت القاهرة "إنه تناول تطورات الوضع الليبي والجهود الرامية إلى دفع العملية السياسية وتوحيد السلطة التنفيذية تمهيدًا للانتخابات".

 

وهنا تبرز دلالة سياسية مهمة: القاهرة لا تكتفي بالتواصل مع خليفة حفتر، بل تتعامل مباشرة مع نجله صدام، الذي أصبح نائبًا للقائد العام للقوات التابعة لمعسكر الشرق، بما يمنحه حضورًا متزايدًا في الملفات العسكرية والسياسية والأمنية.

من نجل "القائد" إلى لاعب محتمل

تأتي هذه التحركات بالتزامن مع صعود صدام حفتر كأحد أبرز الوجوه داخل معسكر الشرق، وسط قراءات ترى أن حضوره الخارجي المتزايد قد يكون جزءًا من إعداده لدور أكبر في مرحلة ما بعد والده، خصوصًا بعد انتقاله إلى موقع نائب القائد العام وظهوره في لقاءات مع عواصم مؤثرة.

 

لكن هذه القراءة تظل تحليلًا وليست حقيقة محسومة؛ فتعدد اللقاءات لا يكفي وحده للجزم بأن خلافة خليفة حفتر قد حُسمت.

 

وهنا تأتي أهمية الرأي المخالف الذي طرحه صاحب الحساب @Waradaquu، إذ حذر من القفز من تعدد اللقاءات إلى القول إن صدام أصبح قاب قوسين من خلافة والده، معتبرًا أن الأهم هو طبيعة الرسائل الصادرة عن هذه اللقاءات والأطراف التي تستقبل الرجل.

 

وبحسب هذه القراءة، فإن اللقاء المصري يعكس تعامل القاهرة مع صدام باعتباره شخصية ذات وزن في الأمن الليبي والإقليمي، بينما تكشف تحركاته الروسية عن قناة اتصال مع شخصية قد تكون مؤثرة في مستقبل ليبيا، لكن ذلك لا يثبت وحده انتقال القيادة.

 

تدريب في مصر وتكريم

وتزداد دلالة المشهد مع ما نشرته صفحات محسوبة على معسكر حفتر بشأن دورة عسكرية حملت عنوان: «مراحل تأسيس الجيش الليبي من أبو رواش إلى ثورة الكرامة بالرجمة»، وانتهت بتكريم صدام حفتر تقديرًا لدوره في قيادة ما تسميه تلك الصفحات «ثورة الكرامة».

 

وتكتسب تسمية الدورة أهمية خاصة؛ فأبو رواش في مصر ارتبط تاريخيًا بتدريب متطوعين ليبيين شكلوا نواة جيش التحرير الليبي في أربعينيات القرن الماضي، قبل أن تتحول المناسبة إلى سردية تربط ذلك التاريخ بمشروع «ثورة الكرامة» في شرق ليبيا.

 

وبذلك لا يتعلق الأمر بالتدريب وحده، وإنما بصورة رمزية يجري تقديمها لصدام، باعتباره ضابطًا يحمل إرث المؤسسة العسكرية الليبية، وصولًا إلى المرحلة التي يقدم فيها معسكر حفتر نفسه باعتباره صاحب مشروع «الكرامة».

 

ويضيف التكريم بعدًا آخر، إذ يتحول صدام من مجرد نجل لخليفة حفتر إلى شخصية يجري الاحتفاء بها باعتبارها صاحبة دور في مسيرة عسكرية وسياسية.

 

سرت والجفرة.. «الخط الأحمر» والحسابات المصرية

 

ولا يمكن قراءة الموقف المصري الحالي بمعزل عن موقف القاهرة من الحرب الليبية خلال السنوات السابقة، خصوصًا إعلان السيسي في يونيو 2020 أن تجاوز سرت والجفرة يمثل «خطًا أحمر» بالنسبة إلى مصر.

 

وقال السيسي آنذاك إن أي تدخل مصري مباشر في ليبيا تتوافر له، بحسب تعبيره، الشرعية الدولية، كما أعلن استعداد مصر لتدريب وتسليح أبناء القبائل الليبية، مؤكدًا ارتباط أمن ليبيا واستقرارها بالأمن القومي المصري.

 

وكانت أهمية سرت والجفرة بالنسبة إلى القاهرة مرتبطة بموقعهما الاستراتيجي في وسط ليبيا، وقربهما من مناطق النفط التي يسيطر عليها حفتر، والطرق التي تربط شرق البلاد بغربها وجنوبها، إلى جانب البعد المرتبط بالأمن الحدودي المصري.

 

وأثار الإعلان المصري في حينه اعتراضات من معسكر حكومة الوفاق، حيث قال الناطق باسم غرفة عمليات سرت والجفرة عبد الهادي دراه إن «ليبيا بالكامل خط أحمر»، في مواجهة التصريح المصري.

 

ومن ثم، فإن الحديث المصري عن وحدة ليبيا واستقرارها لا ينفصل عن تصور أمني تعتبر فيه القاهرة أن التطورات في الشرق والوسط والجنوب الليبي لها انعكاسات مباشرة على أمنها القومي.

 

طرابلس  مفتوحة ضمن حسابات القاهرة

 

وفي الوقت الذي تستقبل فيه القاهرة خليفة حفتر وصدام، لم تغلق قنواتها مع طرابلس.

 

وفي يونيو 2026 زار رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد طرابلس، حيث التقى عبد الحميد الدبيبة وعددًا من المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين الليبيين، في تحرك قالت القاهرة إنه جاء في إطار دعم مسار التسوية السياسية.

 

ومن منظور القاهرة، يمكن قراءة ذلك باعتباره محاولة للتعامل مع طرفي الانقسام والحفاظ على دور قادر على التواصل مع مراكز القوة المختلفة، أما منتقدو هذا النهج فيرون أن استقبال حفتر وأبنائه بهذا المستوى، بالتوازي مع التواصل مع طرابلس، يعكس سياسة براجماتية تهدف إلى الحفاظ على النفوذ المصري في مختلف السيناريوهات، أكثر من كونها انحيازًا كاملًا لمسار سياسي بعينه.

 

الاقتصاد يوسّع نطاق النفوذ

 

ولا يتوقف الحضور المصري في شرق ليبيا عند السياسة والأمن، إذ امتد إلى قطاع الإعمار، خصوصًا بعد كارثة درنة.

 

ففي يوليو 2025 وقع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يديره بالقاسم حفتر، عقودًا مع مجموعة العرجاني برئاسة إبراهيم العرجاني لتنفيذ مشروعات طرق وجسور وكهرباء وصرف صحي في المنطقة الشرقية، شملت درنة وبنغازي ومدنًا أخرى.

 

كما ظهر العرجاني إلى جانب بالقاسم حفتر خلال جولات تفقدية لمشروعات في درنة، من بينها مشروع وادي درنة وكورنيش المدينة.

 

وبذلك يتداخل الحضور المصري في مناطق نفوذ حفتر عبر ثلاثة مسارات رئيسية: سياسي من خلال التواصل مع القيادة الشرقية، وأمني عبر لقاءات الأجهزة المصرية مع قياداتها، واقتصادي من خلال شركات مصرية تشارك في مشاريع إعادة الإعمار.

 

وهذا التنوع يجعل الدور المصري أوسع من مجرد دعم طرف ليبي؛ فالقاهرة تبني علاقات مع شخصيات ومؤسسات وشركات يمكن أن يكون لها تأثير في مستقبل شرق ليبيا.

 

موسكو تستقبل صدام

ولم يكن صدام حفتر يتحرك في القاهرة وحدها، ففي أغسطس 2026 وصل إلى موسكو بدعوة رسمية، والتقى وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف لبحث تعزيز التعاون العسكري بين ليبيا وروسيا.

 

ثم التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بحسب بيانات الجانب الليبي، حيث نقل تحيات خليفة حفتر، بينما أكد بوتين تقديره لدور قوات حفتر في الأمن والاستقرار ودعم الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية.

 

وهنا تزداد أهمية التحرك الخارجي لصدام؛ فهو لا يظهر فقط في لقاءات داخل معسكر الشرق، وإنما يتحرك في دوائر عواصم تمتلك نفوذًا مباشرًا في الملف الليبي.

 

والأهم ليس مجرد لقاء صدام بروسيا أو مصر، وإنما أن الرجل بدأ يتحرك كفاعل يمكن أن تتعامل معه قوى دولية، وهو ما قد يجعله أحد الأرقام الرئيسية في معادلة ما بعد خليفة حفتر، دون أن يعني ذلك أن خلافته أصبحت محسومة.

 

شرق ليبيا والحرب السودانية.. الجغرافيا تفتح ملفًا إقليميًا

 

وتزداد حساسية دور شرق ليبيا مع ارتباطه بالحرب السودانية وشبكات الإمداد العابرة للحدود.

 

فقد كشفت تحقيقات مشتركة أجرتها Lighthouse Reports وEvident وSudan War Monitor عن مواقع قالت إنها معسكرات لتدريب وتجهيز عناصر من قوات الدعم السريع داخل ليبيا، من بينها «المعسكر 17» قرب بنغازي، إضافة إلى مواقع أخرى في الجنوب الليبي.

 

واعتمد التحقيق على مقابلات مع منشقين عن الدعم السريع وتحليل صور الأقمار الصناعية ومئات المقاطع المنشورة على مواقع التواصل، وخلص إلى وجود شبكة من مواقع التدريب والتجهيز ومسارات نقل تمتد من شرق ليبيا باتجاه السودان.

 

وبحسب التحقيق، قال منشقون عن الدعم السريع "إن عناصر من القوة تلقوا تدريبات في ليبيا على يد عناصر من قوات شرق ليبيا ومتعاقدين كولومبيين، كما تحدث التحقيق عن أسلحة ومركبات ووقود تتحرك عبر الأراضي الليبية باتجاه السودان".

 

لكن هذه الاتهامات ليست محل إجماع؛ فالتحقيق أورد نفيًا من قوات شرق ليبيا، كما رفض الدعم السريع الاتهامات المتعلقة بالتدريب خارج السودان.

 

من درنة إلى السودان.. أهمية موقع حفتر في المعادلة الإقليمية

 

تمنح السيطرة العسكرية على شرق وجنوب ليبيا معسكر حفتر قدرة كبيرة على التأثير في مساحات صحراوية تمتد نحو الحدود السودانية والتشادية، وهو ما يجعل الملف الليبي متداخلًا بصورة متزايدة مع الحرب السودانية.

 

وقد شهد المثلث الحدودي بين ليبيا ومصر والسودان تطورات عسكرية مرتبطة بالحرب السودانية، فيما أشارت تقارير إلى اتهامات بوجود تنسيق أو سماح باستخدام مناطق تحت سيطرة قوات حفتر في عمليات نقل الإمدادات والمقاتلين، وهي اتهامات ينفيها حفتر.

 

وهكذا لم يعد نفوذ حفتر شأنًا ليبيًا خالصًا؛ فالشرق الليبي بات جزءًا من شبكة أمنية وجيوسياسية أوسع تمتد من البحر المتوسط إلى الساحل والقرن الأفريقي.

 

القاهرة بين حفتر والدبيبة.. نفوذ متعدد الأدوات

 

في الظاهر، تقول القاهرة إنها تريد وحدة ليبيا وتوحيد مؤسساتها وإجراء الانتخابات. وفي الوقت نفسه، تحافظ على علاقات مباشرة مع حفتر وأبنائه، وتفتح قنوات اتصال مع طرابلس، وتتحرك استخباراتيًا، فيما تتوسع الشركات المصرية في مشاريع الإعمار بالشرق.

 

يمكن قراءة هذه السياسة باعتبارها تعددًا في أدوات النفوذ لا تناقضًا بالضرورة؛ فمصر تحاول الحفاظ على مصالحها الأمنية والاقتصادية والسياسية في بلد مجاور يعيش انقسامًا طويلًا.

 

لكن منتقدي السياسة المصرية يطرحون سؤالًا أكثر حساسية: إذا كانت القاهرة تريد إنهاء الانقسام الليبي، فهل يؤدي التعامل المكثف مع عائلة حفتر وإبراز صدام كقائد صاعد إلى دعم توحيد المؤسسات، أم إلى تكريس مركز قوة عائلي جديد في شرق ليبيا؟