بعد أكثر من 13 عامًا على فض اعتصام ميدان رابعة العدوية في القاهرة في 14 أغسطس 2013، عادت أحداث الفض إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي في مصر، عقب تداول ناشطين صورًا ومواد قالوا إنها تتضمن مشاهد لجثامين متفحمة، إلى جانب وثائق وتقارير طبية مرتبطة بالضحايا.
وتثير هذه المواد، في حال ثبوت أصالتها ومصدرها وتاريخ التقاطها، أسئلة جديدة بشأن ما جرى خلال عملية فض الاعتصام، وكيف تعاملت السلطات مع الشهداء والمصابين والجثامين، وما إذا كانت هناك أدلة لم تُكشف من قبل يمكن أن تسهم في إعادة بناء الوقائع وتحديد المسؤوليات.
غير أن باحثين وحقوقيين شددوا على أن تداول الصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا يكفي وحده لإثبات صحتها أو تحديد المسؤولية الجنائية عن الوقائع الظاهرة فيها، مؤكدين أهمية إخضاع المواد لفحص مستقل والتحقق من البيانات التقنية الخاصة بها ومقارنتها بالشهادات والسجلات الطبية والحقوقية المتاحة.
صور جديدة تثير الجدل
بدأت موجة التسريبات الأخيرة، بحسب ما تداولته مصادر إعلامية وناشطون، بعد نشر الباحث والناشط مؤمن أشرف مواد قال إنها تتعلق بملفات فساد مالي وإداري داخل وزارة النقل، قبل أن ينشر لاحقًا مجموعة من الصور التي وصفها بأنها صور مسربة لجثامين متفحمة من أحداث فض رابعة.
وقال أشرف: "إن الصور التُقطت بواسطة مصور عسكري تابع للقوات المسلحة، وإنها وصلت إليه من هاتف مساعد للواء كامل الوزير، الذي كان وقت فض الاعتصام يتولى رئاسة الهيئة الهندسية للقوات المسلحة".
كما تحدث عن وجود تقارير طبية رسمية قال: "إنها توثق إصابات وعمليات حرق تعرضت لها جثامين بعض الضحايا عقب عملية الفض".
ولم يتسنَّ، من خلال المعلومات المتداولة، التحقق بصورة مستقلة من مصدر الصور أو تاريخ التقاطها أو هوية الأشخاص الظاهرين فيها، وهو ما يجعل التحقق الجنائي والرقمي من المواد خطوة أساسية قبل استخدامها كأدلة في أي مسار قانوني.
هل تعيد التسريبات فتح ملف رابعة؟
أعادت المواد المتداولة النقاش بشأن إمكانية إعادة فتح ملف أحداث رابعة على المستوى الحقوقي والقانوني، خصوصًا مع استمرار الجدل حول أعداد القتلى والظروف التي أحاطت بعملية الفض.
وتقول منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن عملية فض اعتصامي رابعة والنهضة أسفرت عن مقتل أعداد كبيرة من المتظاهرين، ووصفت في تقرير سابق عملية الفض بأنها قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
في المقابل، تختلف تقديرات أعداد الضحايا بين الجهات الرسمية والمنظمات الحقوقية وجماعة الإخوان المسلمين، التي كانت القوة السياسية الرئيسية المشاركة في الاعتصام، فيما ظل مصير بعض الجثامين والضحايا محل جدل وشهادات متباينة.
وتكمن أهمية أي مواد جديدة، وفق باحثين وحقوقيين، في قدرتها على سد فجوات في السجل المتعلق بالأحداث، وليس فقط في إعادة نشر صور صادمة بعد سنوات طويلة.
التحقق قبل الاتهام
ويرى الناشط الحقوقي والباحث السياسي إسلام سماحة أن إعادة تداول صور يُقال إنها لجثامين محترقة من أحداث فض رابعة تفتح سؤالًا حقوقيًا وسياسيًا بالغ الحساسية، لكنه شدد على ضرورة تجاوز "منطق الصدمة الإعلامية" إلى التحقق والتوثيق والمساءلة القانونية.
وقال: "إن ثبوت أصالة المواد وتحديد تاريخها ومكان التقاطها وسياقها يمكن أن يمنحها قيمة إضافية ضمن الأدلة المتعلقة بأحداث رابعة، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن مجرد تداول الصور على مواقع التواصل لا يكفي لإثبات المسؤولية الجنائية أو تحديد الجهة التي ارتكبت الأفعال الظاهرة فيها, مضيفا أن القيمة الحقيقية لأي تسريب جديد ستكون في إمكانية ربطه بشهادات الناجين، وسجلات الضحايا والمفقودين، وتقارير الطب الشرعي، والصور ومقاطع الفيديو التي جرى توثيقها خلال الأحداث".
أسئلة المسؤولية
وبحسب سماحة، فإن أي مسار قانوني دولي جاد لا يتوقف عند إثبات وقوع الوفيات أو الحرائق، وإنما يحتاج إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة، بينها: من أصدر الأوامر؟ ومن نفذها؟ وما القواعد التي استخدمت خلال عملية الفض؟ وهل جرى التحقيق بصورة مستقلة في الوفيات والحرائق؟ وهل اتُخذت إجراءات للحفاظ على الأدلة؟
ويرى أن السؤال الأهم ليس فقط "من سرّب الصور ولماذا الآن؟"، وإنما ما إذا كان بالإمكان تحويل المواد المتداولة إلى ملف أدلة موثق وقابل للفحص المستقل, مشددا في على ضرورة الحفاظ على النسخ الأصلية للملفات، وفحص بياناتها التقنية، وتحديد أماكن وتواريخ التصوير، وعدم تداول صور الضحايا بطريقة تمس كرامتهم أو خصوصية أسرهم.
شهادات جديدة وقديمة تعود إلى الواجهة
بالتزامن مع تداول الصور، أعاد ناشطون وشخصيات سياسية نشر شهادات قال أصحابها إنها توثق ما جرى داخل ميدان رابعة ومحيطه، بما في ذلك شهادات عن سقوط مصابين وشهداء واحتراق منشآت وجثامين.
ومن بين الشهادات التي أعيد تداولها رواية للسياسي محمد سودان، تحدث فيها عن طبيبة كانت تعمل داخل مستشفى رابعة أثناء عملية الفض، وقال إنها شاهدت إطلاق النار على مصابين داخل المستشفى واحتراق المنشأة لاحقًا.
كما تحدث سودان عن تقديرات مختلفة لأعداد القتلى، مشيرًا إلى أن بعض الجثامين اختفت أو لم يُعرف مصيرها، وهي روايات تحتاج، شأنها شأن بقية الشهادات، إلى توثيق مستقل ومقارنتها بالسجلات الرسمية وتقارير الطب الشرعي.
وفي شهادة أخرى، تحدث المهندس عاصم الشافعي، بحسب ما أعيد نشره، عن مشاهد قال إنه رآها من شرفة منزله أثناء عملية الفض، من بينها إطلاق النار على أشخاص في محيط الميدان.
كما روى الحقوقي أحمد العطار شهادته عن وجوده في مسجد الإيمان بمدينة نصر بعد انتهاء عملية الفض، متحدثًا عن وجود أعداد كبيرة من الجثامين، وعن تعرض بعضها للحريق والتفحم.
وتبقى هذه الشهادات، رغم أهميتها بالنسبة إلى روايات المشاركين والشهود، بحاجة إلى التحقق والمقارنة مع مصادر مستقلة حتى يمكن استخدامها ضمن ملف إثبات قانوني متكامل.
خلاف مستمر حول أعداد الضحايا
وقع فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2013، بعد أسابيع من عزل الرئيس الراحل الشهيد محمد مرسي في الثالث من يوليو من العام نفسه.
وتتباين أعداد الضحايا بشكل كبير بين الرواية الرسمية والتقديرات الحقوقية، وأعلنت السلطات في حينه أعدادًا للقتلى أقل من تلك التي وثقتها منظمات حقوقية، بينما قدرت "هيومن رايتس ووتش" عدد القتلى في رابعة وحدها بأكثر من 800 شخص، وفق منهجية توثيق اعتمدتها المنظمة.
وفي تقريرها حول عملية الفض، قالت المنظمة إن عملية تفريق الاعتصام شهدت استخدامًا مفرطًا للقوة، واعتبرت أن حجم وطريقة القتل قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
في المقابل، ظلت جماعة الإخوان المسلمين ومؤيدو الرئيس الشهيد محمد مرسي يقدمون تقديرات أعلى لعدد الضحايا، ويتهمون قوات الأمن والجيش بارتكاب انتهاكات واسعة خلال عملية الفض.
من الذاكرة السياسية إلى ملف الأدلة
بعد مرور أكثر من عقد على الأحداث، لا تبدو أهمية المواد الجديدة في حجم الصور أو قسوة المشاهد وحدها، وإنما في إمكانية تحويلها إلى أدلة قابلة للفحص والتدقيق.
ويشير الباحثون إلى أن أي ملف جديد يحتاج إلى سلسلة متكاملة من الأدلة، تبدأ من إثبات أصالة الصور والوثائق، مرورًا بتحديد المكان والزمان والأشخاص، وصولًا إلى مطابقة المواد مع سجلات المستشفيات والطب الشرعي وشهادات الشهود.
كما أن تحديد المسؤولية الجنائية يتطلب أكثر من إثبات وقوع الانتهاكات؛ إذ ينبغي تحديد التسلسل القيادي، والأوامر الصادرة، والأشخاص الذين نفذوا تلك الأوامر، ومدى علم المسؤولين بالانتهاكات أو مشاركتهم فيها.
هل تتحول التسريبات إلى مسار للمساءلة؟
عودة ملف رابعة إلى الواجهة بعد 13 عامًا تطرح سؤالًا يتجاوز الجدل السياسي والإعلامي حول الصور المسربة: هل يمكن أن تتحول هذه المواد إلى جزء من ملف حقوقي وقانوني يخضع لفحص مستقل؟
فإذا ثبتت أصالتها، وتمكنت جهات مستقلة من تحديد سياقها ومصدرها وربطها بالوقائع التي شهدها ميدان رابعة، فإنها قد تضيف عناصر جديدة إلى السجل الموجود بالفعل حول الأحداث.
أما إذا بقيت المواد في إطار التداول عبر مواقع التواصل من دون توثيق تقني وقانوني، فإن قيمتها ستظل محدودة، رغم تأثيرها الكبير على الذاكرة العامة وإعادة فتح النقاش حول واحدة من أكثر وقائع السنوات التي أعقبت ثورة يناير إثارة للجدل.
وبين رواية رسمية لم تُغلق كل الأسئلة التي أثارتها الأحداث، وروايات الضحايا والشهود والمعارضين، تظل الحاجة قائمة إلى تحقيق مستقل وشفاف يحدد الوقائع والمسؤوليات، ويجيب عن الأسئلة المتعلقة بالشهداء والمصابين والمفقودين والجثامين، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي.
فبعد 13 عامًا، قد تكون الصور قادرة على إعادة فتح الذاكرة، لكن تحويل الذاكرة إلى عدالة يحتاج إلى دليل موثق، وتحقيق مستقل، ومسار قانوني قادر على تحديد المسؤولية.