استشهاد الشاب محمد فهمي بشبهة تعذيب بسحن العاشر .. بالتزامن مع زيارات حقوقية لتجميل المأساة

- ‎فيحريات

في مفارقة صارخة تكشف الهوة السحيقة بين التقارير الرسمية المصطنعة والواقع المأساوي الدامي داخل سجون السيسي، تزامن إعلان المجلس القومي لحقوق الإنسان عن زيارة ميدانية استعراضية لمركز الإصلاح والتأهيل بالعاشر من رمضان، مع تقارير حقوقية صادمة ومؤلمة توثق وفاة المعتقل محمد فهمي محمد شرف الدين 37 عاما داخل نفس السجن، هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة ملف الانتهاكات المنهجية وسياسات الإهمال الطبي المتعمد التي تحصد أرواح المعتقلين، وسط تواطؤ وتجاهل مؤسسي رسمي يفرغ المؤسسات الحقوقية الرسمية من مضمونها الرقابي والإنساني.

الموت إهمالاً وتعذيباً

 

وكشفت منظمة نجدة لحقوق الإنسان (@Najda_H_R) عن تفاصيل بالغة القسوة والخطورة بشأن وفاة المعتقل محمد فهمي محمد شرف الدين، البالغ من العمر 37 عاماً، والمنحدر من قرية شبرا النخلة التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، كان الفقيد يقضي عقوبة سالبة للحرية لم يتبقَّ من مدتها سوى عام واحد فقط، ليكمل فيها رحلة قاسية من المعاناة داخل محبسه.

وعن ملابسات الجريمة وتفاصيل الاعتداء؛ أفادت إفادات الأسرة وشهادات متداولة من داخل محيط السجن بأن الوفاة لم تكن طبيعية؛ بل سبقتها وقائع اعتداء جسدي واضحة داخل مقر احتجازه، تلتها سياسة ممنهجة من حرمان المريض من العلاج وتعرضه لإهمال طبي جسيم يفوق كل وصف.

 

وعن الوضع الصحي، تفيد المعلومات المتاحة بأن شرف الدين دخل في نوبة غيبوبة سكر حادة داخل الزنزانة، مما أدى إلى سقوطه على الأرض وإصابته بكسر مضاعف في الأنف، ورغم خطورة حالته الحرجة، تشير شهادات متواترة إلى تعمد إدارة السجن تأخير نقله إلى المستشفى الخارجي لمدة يومين كاملين حتى فوات الأوان.

وحسم حقوقيون أن غموضا في التوقيت وتلاعب بالجثمان حيث تحيط الشبهات الكبيرة بالتوقيت الفعلي للوفاة؛ إذ أفادت شهادات إضافية بأن إدارة السجن قامت بتسليم جثمانه إلى أسرته في الحادي عشر من أغسطس 2026، مع وجود معلومات مؤكدة تشير إلى بقاء الجثمان داخل السجن مدة طويلة بعد وفاته وقبل نقله إلى المستشفى لاستخراج تصاريح الدفن، وهو ما يستدعي بشكل عاجل تحقيقاً مستقلاً ودقيقاً يحدد زمن الوفاة الحقيقي وملابساتها بدقة متناهية.

زيارة استعراضية في "الواجهة"

 

بينما كان الشارع الحقوقي وأهالي الضحايا يضجون بألم خبر وفاة شرف الدين، أعلن وفد رفيع المستوى من المجلس القومي لحقوق الإنسان عن تنظيم زيارة ميدانية لمركز الإصلاح والتأهيل بالعاشر من رمضان، اتسمت الزيارة بطابع استعراضي واضح يهدف إلى تجميل الواجهة الرسمية للمنظومة العقابية حيث لم تحقق في وفاة الشاب محمد فهمي ولا في ظروف احتجازه.

ووضم الوفد الزائر من أعضاء الأمانة الفنية للمجلس وركزت الزيارة بشكل مبالغ فيه على تفقد "المركز الطبي" وأقسامه المختلفة، إلى جانب عدد من المنشآت الإنتاجية والتدريبية مثل مصنع الملابس الجاهزة، مصنع تعبئة الزيوت، وأقسام الإنتاج الزراعي والحيواني، كما اطلع الوفد على برامج التدريب ومكتبات القراءة والمطبخ وأماكن تقديم الوجبات (بما فيها المخصصة للحالات المرضية)، فضلاً عن الملاعب الرياضية والأقسام المخصصة للتثقيف وتعزيز القيم!

وعقد الوفد لقاءات شكلية مع بعض النزلاء للاستماع إلى ملاحظاتهم، وأعلن المجلس أنه يعمل على إعداد تقرير تفصيلي يتضمن نتائج الزيارة وتوصياته، غير أن توقيت الزيارة وتجاهلها التام للجرائم والانتهاكات الجسيمة التي تحدث في نفس السجن جعلها تبدو وكأنها محاولة لتبرير وتبييض سجل الانتهاكات بدلاً من مساءلة المسؤولين عنها.

صرخات الاستغاثة من الزنازين المظلمة

 

لا تقتصر المأساة الإنسانية وحصاد الأرواح على سجن العاشر من رمضان، بل تمتد جذور القهر والانتهاكات لتشمل سجن المنيا شديد الحراسة، حيث تصر إدارة السجن على تنفيذ حكم "إعدام بطيء" وممنهج بحق المعتقلين المرضى من خلال المنع المتعمد لدخول الأدوية والمستلزمات الطبية وتجاهل الحالات الصحية الحرجة.

 

وفي هذا السياق، وجهت منظمات حقوقية ومصادر مطلعة أصابع الاتهام المباشر والمسؤولية الجنائية والأخلاقية الكاملة إلى رئيس مباحث سجن المنيا أحمد صدقي، ومعاونيه أحمد جمال وأحمد الكاشف، عن حياة أي معتقل يتعرض لمكروه جراء هذا الإهمال الطبي المتعمد، إن حرمان المريض من دوائه وحقه الأساسي في العلاج يعد سلاحاً قاتلاً ومجرداً من كل معايير الإنسانية، يستخدمه السجان لتصفية خصومه ومعارضيه بعيداً عن أعين الرقابة والقانون، متناسيًا أن الرعاية الصحية حق أصيل وليست منة من أحد، وأن كل صرخة ألم تصدر من زنزانة مظلمة هي شاهد عيان على وحشية نظام قمعي يستبيح أرواح الأبرياء بدم بارد.

مطالب حقوقية وتحقيق عاجل

 

أمام تصاعد وتيرة الانتهاكات وتعدد حالات الوفاة نتيجة الإهمال الطبي والتعذيب، أصدرت منظمة نجدة لحقوق الإنسان وغيرها من المنظمات الحقوقية حزمة من المطالب الملحة التي تستوجب تحركاً فورياً من الجهات القضائية:

وتطالب المنظمات النائب العام بفتح تحقيق قضائي عاجل ومستقل في ملابسات وفاة المعتقل محمد فهمي محمد شرف الدين، وشبهة تسبب الإهمال الطبي المتعمد والاعتداء الجسدي في وفاته.

كما دعت إلى تشريح الجثمان وندب لجنة طبية شرعية محايدة للإجراء وتحديد السبب المباشر للوفاة وتوقيتها بدقة، ومساءلة إدارة السجن والطاقم الطبي المتورط في التقصير.

وطالبت بتمكين أسرة الضحية من الاطلاع على كافة التقارير الطبية ونتائج التحقيقات ذات الصلة، وضمان محاسبة مرتكبي الانتهاكات بما يكفل حق الأسرة في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة الناجزة.

وعن     الالتزام بالمعايير الدولية، أكدت على ضرورة وقف التعذيب والإهمال الطبي في كافة السجون ومراكز الاحتجاز، والالتزام الصارم بقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا).

خلف الجدران

 

وإن التباين الصارخ بين جولات "المجلس القومي لحقوق الإنسان" الاستعراضية التي تحتفي بالمصانع والمطابخ، وبين التقارير الحقوقية الدامغة التي توثق جرائم القتل بالإهمال الطبي والتعذيب داخل الزنازين، يضع المؤسسات الوطنية أمام اختبار أخلاقي وقانوني مصيري.

فإما أن تنتصر للحقيقة والعدالة وتنقذ من تبقى من أرواح المعتقلين المرضى، أو تستمر في لعب دور الواجهة الشكلية لتبييض واقع مرير ومظلم يستبيح كرامة الإنسان المصري خلف الجدران.