تتزايد في مصر مؤشرات الصراع المكتوم بين السلطة من جهة، وبعض مراكز القوى الاقتصادية والسياسية والأمنية التقليدية من جهة أخرى، وسط تساؤلات متصاعدة حول طبيعة النظام الذي يسعى الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ترسيخه في السنوات المقبلة، وما إذا كانت الرغبة في البقاء في الحكم إلى ما بعد عام 2030 تدفع نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ داخل الدولة، بما يضمن استمرار السلطة حتى لو كان الثمن إضعاف المؤسسات التقليدية وفتح المجال أمام مراكز قوى جديدة.
وتطرح التطورات الأخيرة سؤالًا أكثر خطورة: هل يؤدي هذا المسار، في حال استمر، إلى خلق واقع يشبه بدرجات مختلفة تجارب دول عربية أخرى انهارت فيها الدولة المركزية لصالح مراكز نفوذ اقتصادية وعسكرية وأمنية متنافسة؟ وهل يمكن أن تتحول مصر، التي حافظت تاريخيًا على مركزية الدولة واحتكار المؤسسة العسكرية للسلاح، إلى ساحة تتعايش فيها مؤسسات رسمية مع قوى مسلحة أو شبه مسلحة تتمتع بنفوذ مستقل؟
ورغم أن المقارنة مع السودان تظل افتراضية ولا تعني تطابق الظروف بين البلدين، فإن ظهور تقارير وتسجيلات تتحدث عن جماعات مسلحة في سيناء، من بينها ما يُشار إليه باسم «فرسان الهيثم»، يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى قدرة الدولة المصرية على ضبط المجال الأمني والعسكري، وما إذا كانت هناك قوى محلية يجري توظيفها أو غض الطرف عنها في إطار ترتيبات أمنية خاصة.
من حلفاء النظام إلى منافسين محتملين
التقرير الذي نشرته «عربي21» حول تنامي التوتر بين السيسي وبعض الأثرياء ورجال الأعمال يسلط الضوء على جانب آخر من الأزمة، يتعلق بإعادة توزيع الثروة والنفوذ داخل النخبة المصرية.
فالنظام، وفق هذا الطرح، لم يعد يعتمد فقط على رجال الأعمال التقليديين الذين كانوا جزءًا من منظومة الحكم خلال عهد حسني مبارك، وإنما أعاد تشكيل شبكة المصالح الاقتصادية عبر تحالفات جديدة، كان من أبرز المستفيدين منها مستثمرون خليجيون، خصوصًا في قطاعات العقارات والسياحة والأراضي.
ومع اتساع نفوذ هذه الاستثمارات، بدأت تظهر اعتراضات من بعض الملاك ورجال الأعمال المصريين، خاصة في مناطق الساحل الشمالي والمنتجعات السياحية، على ما يعتبرونه امتيازات استثنائية ممنوحة لشركات ومستثمرين أجانب، في مقابل تراجع نفوذ النخب الاقتصادية القديمة.
وهنا تتجاوز الأزمة حدود الخلافات العقارية أو التجارية؛ إذ إن إعادة توزيع الثروة تعني بالضرورة إعادة توزيع النفوذ السياسي والاجتماعي، وهو ما قد يفسر ظهور انتقادات كانت في السابق نادرة من داخل دوائر قريبة من السلطة أو من طبقات اجتماعية استفادت تاريخيًا من النظام.
هل يبني السيسي شبكة نفوذ تتجاوز المؤسسات؟
القراءة الأكثر إثارة للجدل ترى أن السيسي، مع اقتراب موعد الاستحقاقات السياسية المقبلة، يسعى إلى بناء منظومة نفوذ لا تعتمد بالكامل على مراكز القوى التقليدية، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو مجتمع رجال الأعمال أو مؤسسات الدولة.
وبحسب هذا التحليل، فإن نقل أو إعادة ترتيب تبعية بعض الكيانات الاقتصادية، وتوسيع دور الأجهزة والهيئات الجديدة، وفتح المجال أمام استثمارات خليجية ضخمة، كلها حلقات في عملية إعادة توزيع لمصادر القوة الاقتصادية.
لكن الخطر، وفق هذا الطرح، لا يكمن في إعادة توزيع النفوذ بحد ذاته، وإنما في احتمال أن يؤدي إضعاف مراكز القوى التقليدية إلى ظهور مراكز بديلة لا تخضع بالكامل للقواعد المؤسسية للدولة.
فحين تصبح السلطة السياسية بحاجة إلى شبكات اقتصادية وأمنية محلية لحماية نفوذها، فإنها قد تجد نفسها مضطرة إلى الاعتماد على قوى يصعب التخلص منها لاحقًا، خصوصًا إذا امتلكت مصادر تمويل مستقلة أو نفوذًا اجتماعيًا أو قدرات مسلحة.
سيناء.. السؤال الأكثر حساسية
تظل سيناء الحلقة الأكثر حساسية في هذا المشهد.
فمنذ سنوات، واجهت الدولة المصرية تحديات أمنية معقدة في شبه الجزيرة، وتداخلت في إدارة الملف أطراف متعددة، من الجيش والأجهزة الأمنية إلى مجموعات قبلية ومحلية شاركت في مواجهة التنظيمات المسلحة.
لكن أي انتقال من التعاون الأمني المؤقت إلى بناء قوى محلية مسلحة ذات نفوذ مستقل سيكون تحولًا بالغ الخطورة، لأنه قد يخلق مع الوقت واقعًا يشبه تجارب دول أخرى في المنطقة، حيث بدأت الجماعات المسلحة باعتبارها أدوات مساعدة للدولة، ثم تحولت تدريجيًا إلى أطراف تملك قرارها ومصالحها الخاصة.
وفي هذا السياق، تثير المزاعم المتداولة حول ظهور مجموعات تحمل اسم «فرسان الهيثم» أسئلة تحتاج إلى إجابات رسمية واضحة: هل هذه المجموعة موجودة بالفعل؟ وما طبيعة نشاطها؟ وهل تمتلك أسلحة ثقيلة أو طائرات مسيرة كما تزعم بعض التسريبات؟ وهل تعمل تحت مظلة رسمية أم خارجها؟
وحتى الآن، فإن هذه الادعاءات تحتاج إلى تحقق مستقل، لكن مجرد تداولها على نطاق واسع يكشف حجم القلق من احتمال نشوء قوى مسلحة خارج الإطار المؤسسي التقليدي.
هل يمكن أن تتكرر تجربة السودان؟
المقارنة مع السودان تفرض نفسها هنا، ليس لأن مصر تسير بالضرورة في الاتجاه ذاته، وإنما لأن التجربة السودانية تقدم نموذجًا لما يمكن أن يحدث عندما تتعدد مراكز القوة المسلحة والاقتصادية داخل الدولة.
في السودان، أدى تراكم النفوذ العسكري والاقتصادي للقوى المختلفة إلى نشوء بنية شديدة التعقيد، انتهت إلى صراع مسلح مفتوح بين الجيش وقوات الدعم السريع، مع تراجع قدرة الدولة المركزية على فرض سلطتها على كامل الأراضي.
أما مصر، فما زالت تمتلك مؤسسات دولة أكثر تماسكًا، وجيشًا مركزيًا قويًا، وأجهزة أمنية واسعة النفوذ، ولا توجد مؤشرات مؤكدة على أنها وصلت إلى مرحلة مشابهة.
لكن الخطر الذي يحذر منه بعض المحللين يتمثل في أن استمرار بناء مراكز نفوذ اقتصادية وأمنية خارج الأطر المؤسسية، أو السماح بتكوين قوى مسلحة محلية ذات مصالح مستقلة، قد يخلق على المدى الطويل بيئة يصعب التحكم فيها.
وبمعنى آخر، فإن السؤال ليس: هل مصر ذاهبة الآن إلى النموذج السوداني؟ وإنما: هل يمكن أن تؤدي سياسات تركيز السلطة وإعادة توزيع النفوذ إلى خلق شروط مستقبلية تجعل الدولة أكثر عرضة لهذا النوع من التفكك إذا تعرض النظام لأزمة سياسية أو اقتصادية حادة؟
معركة ما بعد 2030
في قلب هذه التطورات يبرز سؤال مستقبل الحكم بعد عام 2030.
فإذا كانت السلطة تسعى إلى تعديل قواعد اللعبة السياسية بما يسمح باستمرار السيسي في الحكم أو بقاء منظومته السياسية، فإن إعادة ترتيب مراكز القوة داخل الدولة تصبح جزءًا من معركة ضمان الاستمرارية.
لكن المفارقة أن السعي إلى إحكام السيطرة قد يؤدي، في الوقت نفسه، إلى إضعاف المؤسسات التي كانت تمثل توازنًا بين مراكز النفوذ المختلفة.
فالنظام القائم على توزيع القوة بين مؤسسات متعددة قد يكون أكثر قدرة على امتصاص الأزمات، بينما يؤدي تركيز السلطة والثروة في دائرة ضيقة إلى جعل أي أزمة مستقبلية أكثر خطورة، لأنها قد تتحول من خلاف بين مؤسسات إلى صراع على وجود النظام نفسه.
ومن هنا، فإن ملف «مستقبل مصر» الاقتصادي، والاستثمارات الخليجية، وصراع رجال الأعمال، وإعادة تشكيل النخبة، وصولًا إلى ما يثار عن قوى مسلحة في سيناء، قد تبدو ظاهريًا ملفات منفصلة، لكنها في القراءة الأوسع ترتبط بسؤال واحد: من يملك القوة في مصر، ومن يملك قرار توزيعها؟
دولة واحدة أم مراكز قوى متعددة؟
المخاوف الحقيقية لا تبدأ من وجود خلافات بين الأثرياء والسلطة، ولا من إعادة ترتيب الاستثمارات، وإنما من احتمال انتقال الصراع إلى مستويات أعمق، بحيث يصبح لكل مركز نفوذ أدواته الاقتصادية والأمنية الخاصة.
وفي هذه الحالة، قد تجد الدولة نفسها أمام معادلة خطيرة: سلطة سياسية تريد ضمان استمرارها، ومراكز اقتصادية تسعى لحماية مصالحها، ومؤسسات عسكرية وأمنية تحاول الحفاظ على نفوذها، وقوى محلية قد تمتلك أدوات مسلحة أو شبه مسلحة.
وهنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يؤدي سعي السيسي إلى تأمين بقائه السياسي لما بعد 2030 إلى تقوية الدولة المصرية، أم إلى بناء شبكة من مراكز القوى قد يصعب تفكيكها مستقبلًا؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على قدرة مؤسسات الدولة على الحفاظ على احتكارها للسلاح، وعلى وجود رقابة حقيقية على النشاط الاقتصادي، وعلى وضوح العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية، وعلى منع أي قوى محلية من التحول إلى كيانات مسلحة مستقلة.
فالتجارب الإقليمية، وعلى رأسها السودان، تقول إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس مجرد الصراع السياسي، وإنما تعدد مراكز القوة حين تمتلك هذه المراكز المال والسلاح والنفوذ المستقل.
وبينما لا توجد حتى الآن أدلة كافية للقول إن مصر تسير حتمًا نحو هذا السيناريو، فإن الجدل المتصاعد حول مراكز القوى الجديدة في الاقتصاد والأمن، وما يثار عن مجموعات مسلحة في سيناء، يجعل من المشروع طرح السؤال والتحذير من مخاطره: هل تؤدي معركة البقاء في السلطة إلى إعادة بناء الدولة، أم إلى تفكيك مراكزها التقليدية وخلق مراكز جديدة قد تصبح، في لحظة أزمة، أقوى من قدرة السلطة على احتوائها؟
إذا أردت، أستطيع أيضًا تحويله إلى تقرير صحفي أكثر حدة ومباشرة بعنوان رئيسي جذاب، مع عنوان شارح ومقدمة صادمة تركز تحديدًا على فرضية: "السيسي بعد 2030.. هل يصنع في مصر مراكز قوى قد تنقلب عليه؟".