فجّرت المراسلة الرسمية الموجهة من تسعة خبراء ومقررين أمميين في منتصف أبريل 2026 زلزالاً حقوقياً وقانونياً في وجه النظام المصري، كاشفةً عن الجانب الأكثر قتامة لحملات مكافحة الإرهاب في شمال سيناء. فوفقاً للبيانات الرسمية المنشورة عبر موقع الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة، وجه الخبراء الدوليون اتهامات شديدة اللهجة لسلطات الانقلاب بارتكاب انتهاكات جسيمة قد تترقى إلى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
واستندت هذه المراسلة الأممية الصادمة إلى تحقيق ميداني دقيق أجرته مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان بالتعاون مع مؤسسة "Forensic Architecture"، كشف النقاب عن مقبرة جماعية مغلقة ومحكمة تقع على بعد 20 كيلومتراً جنوبي العريش، وهي منطقة عسكرية محاصرة ومحظورة على المدنيين منذ عام 2014. التقرير يشير بصورة دقيقة إلى وجود حفرتين تضمان رفات وأشلاء بشرية لنحو 300 شخص، من بينهم جثامين بملابس مدنية بدت عليها آثار القيود وعصابات الأعين، مما يؤكد فرضية التصفية الجسدية لمدنيين كانوا قيد الاحتجاز لدى الأجهزة الأمنية المصرية.
هذه التطورات أعادت إلى الأذهان نقاشات واسعة على الفضاء الرقمي؛ حيث تفاعل حساب Watan TV-تلفزيون وطن ينشر مقطعا مصورا يعلق فيه عن: "..كيف رد الرئيس #محمد_مرسي على شائعة إمكانية قبوله بتهجير #الفلسطينيين وخاصة أهل #غزة من أراضيهم، وتوطينهم في #سيناء".
لم يكن ظهور المقابر الجماعية سوى حلقة من مسلسل طويل امتد لسنوات، تم فيه مسح مدن حدودية كاملة من الخريطة، وفي مقدمتها مدينة رفح والشيخ زويد. فبين عامي 2014 و2024، نفذت سلطات الانقلاب عمليات تهجير قسري واسعة النطاق طالت ما يزيد عن 150 ألف مواطن من أبناء سيناء، الذين دُمرت منازلهم ومزارعهم بذريعة إقامة مناطق عازلة. ومع نجاح الجيش في فرض السيطرة الأمنية وتراجع وتيرة العمليات الإرهابية، تحولت وعود الدولة بعودة السكان إلى سراب؛ حيث قوبلت احتجاجات الأهالي بمطالبة "حق العودة" بالقمع الشديد والاعتقالات والتحويل للمحاكم العسكرية، مما مزق العهد الاجتماعي بين الدولة وسكان سيناء الذين طالما مثلوا خط الدفاع البشري الأول عن حدود مصر الشرقية.
لكن الملمح الأكثر خطورة في سيناء اليوم هو تحلل دور مؤسسات الدولة الرسمية لصالح سلطة الميليشيات المسلحة والمجموعات القبلية التي حاربت إلى جوار الجيش، فقد أدى هذا التحالف إلى صعود نفوذ "اتحاد قبائل سيناء" بزعامة رجل الأعمال إبراهيم العرجاني، الذي تحول إلى ما يشبه الحاكم الفعلي للمنطقة برعاية أمنية مباشرة، وتمددت إمبراطورية العرجاني الاقتصادية لتسيطر على المحاجر، والمقاولات، وإعادة الإعمار، فضلاً عن الاحتكار المطلق لعمليات التنسيق الأمني والمالي للمسافرين عبر معبر رفح البري؛ مما يطرح علامات استفهام كبرى حول مستقبل السيادة الوطنية في ظل خصخصة الأمن وتسليم المنطقة لكيانات مسلحة موازية للدولة.
وهو ما دفع حساب "صدى مصر" عبر التدوين تحت هاشتاج #سيناء و#يوم_الكرامة بطرح التساؤل الملح: "سيناء بعد حكم #السيسي .. تفتكروا مصر بتخسر سيناء للمرة التانية؟ السيسي استلم سيناء كعمق استراتيجي لمصر، بس بدل ما يعمرها ويستوعب أهلها عشان يبقوا حائط صد للبلد في وش أعدائنا، حولها لساحة حرب وعزبة مقفولة بالحديد والنار."
من غارات "الدرونز" السرية إلى السقوط الاستراتيجي لمحور فيلادلفيا.
تتلاقى مأساة الداخل السيناوي مع انهيار تدريجي في ثوابت الأمن القومي على الشريط الحدودي مع قطاع غزة وإسرائيل. فالتنسيق الأمني الوثيق بين القاهرة وتل أبيب تجاوز حدود المعقول؛ فخلال سنوات العمليات العسكرية ضد تنظيم "ولاية سيناء" الإرهابي، سمح النظام المصري لسلاح الجو الإسرائيلي بتنفيذ أكثر من 100 ضربة جوية سرية داخل الأراضي المصرية بطائرات مسيرة ومن دون طيار منزوعة العلامات الوطنية لتفادي الغضب الشعبي. هذا الاختراق الملاحي لسيادة الأجواء تلاه تراجع استراتيجي غير مسبوق تمثل في صمت القاهرة المطبق وتواطؤها الرسمي أمام سيطرة الدبابات الإسرائيلية على "محور فيلادلفيا" (صلاح الدين) الحدودي العازل في خرق صريح لمعاهدة السلام والترتيبات الأمنية الملحقة بها، واكتفاء الدبلوماسية التابعة لعبد الفتاح السيسي بإصدار بيانات باهتة لا ترقى لحجم التهديد العسكري المباشر على الحدود الشرقية.
ولا يتوقف التراجع الاستراتيجي عند الحدود البرية، بل يمتد للممرات البحرية الحيوية؛ حيث شكل تنازل مصر عن جزيرتي "تيران وصنافير" لصالح المملكة العربية السعودية ضربة قاضية لسيادتها الاستراتيجية على مضيق تيران في عام 2016. وبموجب هذا التنازل، تحول المضيق من ممر بحري يخضع للسيادة الخالصة (والذي استخدم تاريخياً كأقوى كارت ضغط وخنق استراتيجي في وجه إسرائيل) إلى ممر مائي دولي مفتوح ومستباح قانونياً؛ مما جرد الدولة من مخالبها الجيوسياسية في البحر الأحمر وسلم مفاتيح الحركة الملاحية لترتيبات دولية تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية بالدرجة الأولى.
شبح "صفقة القرن": هل تخسر مصر سيناء دون حرب؟
إن الصورة الإجمالية لما يجري في سيناء اليوم تثير مخاوف حقيقية لدى خبراء الأمن القومي والاستراتيجيين من احتمالية خسارة مصر الفردوس السيناوي ديموغرافياً وجغرافياً لصالح مخططات إقليمية عابرة للحدود، إن سياسة "تفريغ الأرض" وملاحقة السكان المحليين وحرمان القرى من سبل العيش الكريمة وتحويل الشمال إلى حقول ألغام ومخلفات حرب تحصد أرواح الأطفال يومياً، كلها عوامل تسهم في تغيير الطبيعة الديموغرافية والاجتماعية للمنطقة وطمس هويتها البدوية التاريخية.
هذا الفراغ السكاني المصطنع يثير التساؤلات والشكوك حول مدى ارتباطه بمشروعات التهجير القسري للفلسطينيين من قطاع غزة، وتمرير ما عُرف بـ "صفقة القرن" لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأراضي . إن إبقاء سيناء كمنطقة عازلة خالية من البشر، ومحكومة بالحديد والنار والميليشيات الخاصة، ومكشوفة أمام الطموحات الأمنية والعسكرية الصهيونية.
https://spcommreports.ohchr.org/TMResultsBase/DownLoadPublicCommunicationFile?gId=30776
https://sinaifhr.org/upload/x3f9j3nikeso0gkks8.pdf
https://x.com/watanegypt/status/2077060554087129515