بينما كانت شوارع الإسكندرية لا تزال صدىً لقصائد الغزل التي نظمها رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور في عشق "عروس البحر"، وتصريحاته المثيرة للجدل حول رغبته في شراء "قلعة قايتباي" التاريخية وتحويلها إلى واجهة استثمارية، صدم الملياردير الإماراتي الشارع المصري بـ "طعنة" معنوية لم تكن في الحسبان. ففي تناقض يثير الريبة، لم يجد الحبتور غضاضة في تكريم الكاتب الكويتي فؤاد الهاشم قبل أسبوعين فقط، وهو الكاتب الذي لم يجف حبر مقاله المشين "كلب إلا ربع" الذي وجه فيه أبشع الإهانات للدولة المصرية وكرامة شعبها.
هذه "التشيزوفرينيا" في المواقف تضع الحبتور في مرمى الانتقادات اللاذعة؛ فكيف يستقيم التغني بتاريخ الإسكندرية وطلب الاستحواذ على رموزها الأثرية، مع الاحتفاء الرسمي بمن وصف المصريين بأوصاف لا تليق؟ إن هذا التكريم لم يكن مجرد لفتة عابرة، بل جاء بمثابة "مكافأة" على المقال اللاذع، مما يكشف أن "الغرام" الإماراتي بمصر ليس سوى ستار لمصالح استثمارية جافة، لا تعترف بكرامة "البلد الذي يحبونه" حين تتعارض مع حسابات النفوذ والتحالفات المشبوهة.
لقد وضع الحبتور نفسه في مأزق أخلاقي أمام الملايين الذين تساءلوا: هل هي محاولة "شراء" للتاريخ بالجغرافيا؟ أم أن تكريم من أهان مصر هو الرسالة الحقيقية التي تكمن خلف ابتسامات "الساحل الشمالي"؟ الثابت أن "شعرة معاوية" التي يحاول الحبتور الحفاظ عليها، قد انقطعت تحت وطأة "درع التكريم" الذي منحه لمن استباح كرامة المصريين، ليؤكد أن الودّ المزعوم لا يتجاوز حدود الصفقات والمصالح الضيقة.
وتعد شخصية رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور نموذجاً مثيراً للجدل في المشهد الاقتصادي والسياسي العربي، ليس فقط لثقله المالي، بل لكونه مرآة تعكس تقلبات العلاقات "المصرية الإماراتية". فبين المدح المفرط في "أرض الكنانة" والهجوم اللاذع على إدارة أزماتها الاقتصادية، يرسم الحبتور مساراً متناقضاً يمزج فيه بين طموح المستثمر وأجندات النفوذ الإقليمي.
وفي سنوات ما بعد 2013، ظهر الحبتور كأحد أبرز الوجوه الإماراتية الداعمة للنظام المصري الجديد، حيث اتسمت تصريحاته بالعاطفة القومية والتبشير بمستقبل واعد للاستثمار في مصر. كان الحبتور يحرص دائماً على إبراز حبه لمصر وشعبها، واصفاً إياها بـ "أم الدنيا"، ومؤكداً أن زيارة الساحل الشمالي تقليد صيفي لا يتنازل عنه. هذا الخطاب الودود كان يتماشى مع شهر العسل الدبلوماسي بين القاهرة وأبو ظبي، حيث كان المال الإماراتي يتدفق كظهير سياسي واقتصادي لمصر في مرحلة انتقالية حرجة.
تكريم "المسيئين"
رغم خطابات الود، بدأت ملامح التناقض تظهر بوضوح في مواقف الحبتور تجاه الكرامة الوطنية المصرية. فقد أثار تكريمه للكاتب الكويتي فؤاد الهاشم موجة غضب عارمة في الأوساط المصرية؛ نظراً لتاريخ الهاشم الطويل في توجيه إهانات لاذعة لنساء مصر وسب المصريين ووصفهم بأوصاف مهينة. هذا التكريم وضع علامات استفهام كبرى حول ازدواجية المعايير لدى الحبتور؛ فكيف لمحب للأرض وأهلها أن يحتفي بمن أهان كرامتهم؟ والمفارقة هنا تكمن في رد الفعل الرسمي، فبينما كان الشارع يغلي، كانت الحكومة المصرية تفتح أبواب الإسكندرية والساحل الشمالي للحبتور، مما عزز الشعور الشعبي بأن "كل شيء في مصر قابل للبيع" تحت وطأة الحاجة للاستثمار الأجنبي وهي مقولة للحبتور نفسه.
وقال الحبتور في 2025 أنه نصح السيسي في عام 2017 بعدم الاقتراض من المؤسسات الدولية، قائلاً له بلهجة حادة: "متى ما تأخذ القروض من البنوك يستعبدوك". هذه التصريحات، التي خرجت إلى العلن في وقت متأخر، كشفت عن تآكل الثقة خلف الكواليس. فالحبتور لم يعد يرى في مصر مجرد ساحة للاستثمار العاطفي، بل بدأ ينظر إليها كدولة تغرق في ديون قد تهدد مصالح المستثمرين الخليجيين أنفسهم، وهو ما يفسر تحوله التدريجي من "المادح" إلى "الناقد العلني".
ووصل التوتر إلى ذروته في منتصف عام 2025، عندما خرج الحبتور ليفضح علناً ما وصفه بـ "عقبات الاستثمار" في مصر. كشف الملياردير الإماراتي عن كواليس عرض شراء فندق "ريغال هايتس" بمدينة العلمين، مشيراً إلى "أسعار خيالية" تتخطى الواقع، ومتهماً رئيس حكومة السيسي بالتدخل لرفع سعر قطعة أرض من 10 ملايين إلى 30 مليون دولار. هذه التصريحات لم تكن مجرد شكوى مستثمر، بل كانت "رصاصة دبلوماسية" أصابت كبد الفاسدين، وصورت النظام كمن يبحث عن "هبرة كبيرة" (بتعبير النشطاء) دون مراعاة لأسس السوق العالمية.
ذراع استثمارية أم "مسبار" سياسي؟
يرى مراقبون أن الحبتور ليس مجرد رجل أعمال ثري، بل هو أحد الأذرع الاقتصادية للنفوذ الإماراتي المرتبط بجهاز الدولة في أبو ظبي. الاشتباك العلني بينه وبين المسئولين المصريين، واضطرار الحكومة للرد عليه، يعكس أزمة عميقة وسوء ظن متبادل بين أجهزة الدولة في البلدين. فالإمارات، التي تريد قيادة منفردة لمشروع الهيمنة الإقليمي عبر المال، بدأت تشعر بالتململ من طريقة إدارة القاهرة لملفاتها الاقتصادية، وبات الحبتور هو "اللسان" الذي ينطق بما لا تستطيع القنوات الدبلوماسية الرسمية قوله صراحة.
ويعتبر تدرج مواقف خلف الحبتور من "عاشق مصر" إلى "فاضح نظامها" يعكس تحول التحالف (المصري الإماراتي) من تقارب تكتيكي إلى صراع نفوذ مفتوح. لم يعد الخلاف مجرد تباين على سعر أرض أو قيمة فندق، بل أصبح صراعاً على الأجندات في ملفات السودان وليبيا والاستثمارات السيادية. ومع كل زيادة في حدة تصريحات الحبتور.