الغاز وأزمات الكهرباء.. لماذا يفضّل السيسي أوروبا على المصريين؟

- ‎فيتقارير

تعيش مصر واحدة من أسوأ لحظاتها حساسية في ملف الطاقة منذ عقود، مع تزايد انقطاعات الكهرباء، وتراجع إنتاج الغاز المحلي، وارتفاع الاعتماد على الاستيراد في ظل أزمة عملة خانقة. وبينما تتعمّق معاناة المواطنين في الظلام، تتجه حكومة السيسي إلى تعزيز صادرات الغاز إلى أوروبا، في مشهد يثير تساؤلات واسعة حول أولويات الحكومة، وحدود قدرتها على إدارة أزمة الطاقة المتفاقمة.

وتشير شهادات عديدة من داخل قطاع الطاقة إلى أن احتياطي الغاز المصري تراجع بشكل كبير، وأن الإنتاج المحلي لم يعد يكفي احتياجات السوق الداخلية. ومع غياب الدولار اللازم لاستيراد شحنات غاز مسال من الخارج، أصبحت مصر تعتمد بشكل شبه كامل على حصتها من حقول الغاز المشتركة، إضافة إلى الغاز المستورد من الكيان المحتل.

ورغم أن هذه الحصة لا تكفي لتغطية الطلب المحلي، فإن الدولة تواصل تصدير الغاز المسال إلى أوروبا عبر محطتي إدكو ودمياط، في وقت تعيش فيه البلاد موجة غير مسبوقة من انقطاع الكهرباء. هذا التناقض بين الواقع الداخلي والسياسات التصديرية يثير غضباً شعبياً واسعاً، خصوصاً مع شعور المواطنين بأنهم يدفعون ثمن التزامات خارجية لا علاقة لهم بها.

ومنذ اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، أصبحت أوروبا في سباق محموم لتعويض الغاز الروسي. وهنا وجدت مصر فرصة لزيادة صادراتها، مستفيدة من امتلاكها أكبر طاقة إسالة في شرق المتوسط. لكن هذه الفرصة تحوّلت إلى عبء داخلي، إذ باتت الدولة تفضّل الوفاء بعقود التصدير على تلبية احتياجات السوق المحلي.

وتشير بيانات رسمية إلى أن مصر صدّرت نحو 11 مليار متر مكعب من الغاز المسال، ذهب 80% منها إلى أوروبا. ورغم أن هذه الكمية تمثل نسبة صغيرة من إجمالي استهلاك أوروبا، فإنها تمثل نسبة كبيرة من فائض مصر القابل للتصدير، ما يجعل تأثيرها على السوق المحلي كبيراً.

خدمات جليلة للاحتلال

الأكاديمي د.إبراهيم نوار وعبر حسابه على فيسبوك نشر مقالا أشار إلى أن صفقة استيراد الغاز من "إسرائيل"، التي قُدّرت بـ35 مليار دولار، قامت أساساً على مزايا تجارية، لكن هذه المزايا انهارت عندما استخدمت تل ابيب الغاز كسلاح سياسي. فمع ارتفاع اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي —الذي يغطي 15% من الاستهلاك المحلي وأكثر من نصف فجوة الطاقة— أصبح هذا الاعتماد نقطة ضعف استراتيجية.

وأضاف أن تل أبيب تعتمد على مصر والأردن لتصريف نحو نصف إنتاجها من الغاز، كما تعتمد على منشآت الإسالة المصرية لتصدير الغاز إلى أوروبا، ما يجعل العلاقة تجارياً متبادلة. لكن سياسياً، يختلف الوضع تماماً: فمصر لم تهدد بوقف الاستيراد، بينما استخدمت تل أبيب ورقة الغاز للضغط على القاهرة بشأن ترتيبات سيناء، وفق ما نشرته “إسرائيل اليوم”.

يشير نوار إلى أن تهديد نتنياهو بتجميد الاتفاق كشف هشاشة الموقف المصري، لأن القاهرة لم تطوّر بدائل حقيقية، ولم تضع استراتيجية تقلل الاعتماد على الغاز الإسرائيلي. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، تبحث مصر الآن عن موردين آخرين، لكن ذلك لا يعالج المشكلة الأساسية: تحوّل الغاز إلى أداة ابتزاز سياسي، في وقت تحتاج فيه أوروبا بشدة إلى الغاز المسال المصري لتعويض النقص الناتج عن الحرب في الشرق الأوسط.

الحرب الإقليمية واتساعها نحو أوروبا

الصحفي باراك رافيد مراسل (Axios)  أشار إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة والكيان من جهة، وإيران من جهة أخرى، اتسعت خلال 72 ساعة فقط لتشمل 11 دولة، وتهدد تدفق النفط والغاز العالمي، وتصل آثارها إلى أبواب أوروبا.

وردت إيران على الهجمات بقصف صاروخي وطائرات مسيّرة استهدفت الكيان، والإمارات، والبحرين، والكويت، وقطر، والسعودية، إضافة إلى قواعد أمريكية في العراق. كما دخل حزب الله على خط المواجهة، وامتدت الضربات إلى قبرص بعد سقوط مسيّرات على قاعدة بريطانية هناك، ما دفع اليونان لإرسال فرقاطات ومقاتلات للدفاع عن الجزيرة.

وأشار إلى أن تعطّل إنتاج الغاز القطري —أكبر مصدر للغاز المسال في العالم— أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، ما يهدد أوروبا التي تعتمد على الغاز المسال لتعويض نقص الإمدادات الروسية. كما وضعت الولايات المتحدة أجهزة الأمن في حالة تأهب قصوى خشية هجمات داخلية مرتبطة بالصراع.

ويبدو الشرق الأوسط دخل مرحلة حرب واسعة قد تمتد لأسابيع، وأن أسواق الطاقة الأوروبية ستكون من أكبر المتضررين، خصوصاً مع تهديد منشآت النفط والغاز في الخليج، وتعطّل خطوط الإمداد، وتوسع رقعة المواجهة لتشمل أطرافاً إقليمية ودولية.
 

مصر مركز إسالة لا مركز إنتاج

الاستراتيجية التي روّجت لها الحكومة لسنوات، والقائمة على تحويل مصر إلى “مركز إقليمي للطاقة”، كانت تعتمد على استيراد الغاز من الكيان الصهيوني وقبرص واليونان ثم إعادة تصديره بعد إسالته. لكن هذه الاستراتيجية تعثرت لأسباب منها:

اليونان أنشأت محطاتها الخاصة وتصدّر مباشرة إلى أوروبا.

قبرص لم تبدأ التصدير بعد، لكنها وقّعت اتفاقيات جديدة مع مصر لبدء بيع الغاز عبرها بحلول 2027–2028.

"إسرائيل" أصبحت المورد الرئيسي لمصر، ما خلق اعتماداً خطيراً كشفته تهديدات تل أبيب الأخيرة بتجميد الإمدادات.

هذا الوضع جعل مصر في موقع هشّ، فهي لا تمتلك فائضاً حقيقياً من الغاز، لكنها مضطرة للاستمرار في التصدير للحفاظ على تدفقات الدولار.

وزادت التطورات الإقليمية الأخيرة المشهد تعقيداً. فالهجمات التي طالت منشآت الطاقة في الخليج، وتوقف قطر عن إنتاج الغاز المسال مؤقتاً، أدّيا إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 50%. ومع تهديدات أمريكية بقطع الغاز الروسي المتبقي، أصبحت أوروبا في حاجة أكبر لأي مصدر بديل، بما في ذلك الغاز الذي يمر عبر مصر.

 

هذا الضغط الأوروبي يتزامن مع ضغوط سياسية أخرى، إذ تشير تقارير إلى أن مصر وقّعت اتفاقيات لتعويض أوروبا عن نقص الغاز الروسي، وأنها دفعت تكاليف إصلاحات طارئة في خطوط الغاز لضمان استمرار التصدير.

 

المواطن المصري… آخر من يشعر بالطاقة

في الوقت الذي تُطفأ فيه أنوار الشوارع، وتُغلق المحال مبكراً، ويُطلب من المواطنين “الصبر”، يعيش كبار المسئولين في قصور مضاءة بالكامل. هذا التناقض أصبح مادة يومية للغضب الشعبي، حيث يرى كثيرون أن الدولة اختارت أوروبا على حساب المصريين، وأنها تفضّل الوفاء بالتزاماتها الخارجية على توفير الكهرباء لمواطنيها.

 

وتتزايد المخاوف من أن الأزمة ليست مؤقتة، بل جزء من انهيار أوسع في منظومة الطاقة، خاصة مع تحذيرات خبراء من أن مصر “عادت إلى ما قبل مرحلة الاكتفاء الذاتي”، وأنها تواجه فجوة طاقة حقيقية قد تستمر لسنوات.

 

أزمة طاقة أم أزمة إدارة؟

تظهر الأزمة الحالية أن المشكلة ليست فقط في نقص الغاز، بل في غياب رؤية واضحة لإدارة ملف الطاقة. فبينما تتجه دول العالم إلى حماية أسواقها الداخلية أولاً، تواصل مصر تصدير الغاز رغم العجز المحلي، وتفرض إجراءات تقشفية على المواطنين دون أن تمسّ امتيازات كبار المسؤولين أو مشروعات الدولة غير الضرورية.

وفي ظل حرب طاقة عالمية تتسع يوماً بعد يوم، تبدو مصر في موقع المتلقي لا الفاعل، محاصرة بين التزاماتها الخارجية، واعتمادها على الغاز من الكيان، وتراجع إنتاجها المحلي، وغضب شعبي يتصاعد مع كل ساعة ظلام.