حينما قال المنقلب السفاح السيسي لحوارييه من إعلاميي الحظيرة، ومن أساطين إعلام البغال “متقلقوش”، كان هو الأشد قلقًا والأكثر اضطرابًا، وهو ما جرى ترجمته من قبل أجهزة الأمن بتصعيد الحالة الأمنية إلى درجة الاستعداد الكامل إلى الحالة “ج”، بانتشار أمني مكثف في شوارع القاهرة وميادينها وأغلب ميادين المحافظات والشوارع الرئيسية.
ووفق شهود عيان، تشهد شوارع القاهرة وعواصم المحافظات استنفارًا أمنيًا مكثفًا، خصوصًا في الميادين والشوارع الرئيسية مثل ميدان التحرير ومحيط وسط القاهرة، وسط حملة اعتقالات وملاحقات أمنية لكل من سبق اعتقاله وشباب الجامعات.
كما لا تكاد تخطئ العين انتشار مدرعات وعربات أمن مركزي، بالإضافة إلى جنود مدججين بالسلاح في هذه المناطق. ويقول شهود عيان إن أشخاصًا بزيّ مدني، يُعتقد أنهم ينتمون إلى أجهزة الأمن السرية، فتشوا مواطنين وفحصوا هواتفهم المحمولة. وتُعد هذه الممارسات جزءًا من تكتيكات الأمن الموسمية التي تتكرر في أوقات معينة من كل عام، بما فيها ذكرى الثورة والاحتفالات الدينية.
ذكرى 25 يناير
ووفق مراقبين، فإن ما يجري من استنفار أمني في محافظات مصرية يعكس رسالة مزدوجة؛ إذ إنه داخليًا يهدف إلى تأكيد سيطرة النظام على الأوضاع الأمنية مع اقتراب ذكرى ثورة 25 يناير، وهي ذكرى ذات دلالات رمزية كبيرة للنظام والمواطنين على حد سواء.
سوريا
أما إقليميًا، فيأتي الاستنفار في ظل توترات مستجدة على الساحة العربية، لا سيما في سوريا، ما يعكس رغبة الحكومة المصرية في إظهار استقرارها الداخلي وسط التحديات الإقليمية المتزايدة.
وعلى الصعيد الإقليمي، يُقرأ وجود استنفار أمني في محافظات مصرية وفي القاهرة ضمن سياق أوسع يشمل تصاعد التوترات في سوريا وتأثيرها على المنطقة. فمع تزايد التحركات الدولية والإقليمية بشأن الحل السياسي في سوريا، تسعى مصر إلى تأكيد ثباتها واستقرارها الداخلي باعتبار ذلك جزءًا من معادلة التوازن الإقليمي.
تقفيل السنة
ولكن البعض يرى أن الأمر متعلق بـ”تقفيل السنة”، حيث ترغب الأجهزة الأمنية في تقفيل أكبر عدد من القضايا في نهاية العام.
ومن ضمن المتضررين من تلك الحملات الأمنية، الباعة الجائلون، إذ إن هذه الإجراءات تؤدي إلى تضييق الخناق على الباعة الجائلين، الذين يعانون سنويًا من ممارسات أمنية تستهدف “تقفيل السنة” من خلال زيادة عدد القضايا والمحاضر المسجلة، إذ تتصاعد هذه الحملة خلال الأيام المقبلة مع مداهمات تستهدف مصادرة بضائع الباعة غير المرخصين.
ووفق باعة جائلين، فإن الاستنفار الحالي يبدو أشد من أي وقت مضى، خصوصًا مع اقتراب احتفالات أعياد الميلاد وذكرى الثورة، مشيرين إلى تنبيهات متكررة تلقاها العاملون في المحال التجارية بوسط القاهرة، بضرورة التعاون مع أجهزة الأمن والإبلاغ عن أي نشاط مريب.
ولعل الأوضاع الاقتصادية الحالية والضغوط المعيشية التي يحياها المصريون، علاوة على التطورات الإقليمية، تُضيف قلقًا للنظام المأزوم سياسيًا واقتصاديًا.
إذ إن الوضع الاقتصادي الحالي، بما في ذلك التضخم وهبوط قيمة العملة الوطنية، بالتزامن مع التطورات الإقليمية، مثل سقوط الرئيس السوري بشار الأسد وظهور أزمات كأزمة توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، يُضيف قلقًا للنظام، خصوصًا مع اقتراب ذكرى ثورة 25 يناير، خاصة أن النظام يعتمد على الدعم الخارجي بشكل مشابه لما كان عليه نظام الأسد، رغم اختلاف الظروف الداخلية وطبيعة المعارضة في البلدين.
وبحسب خبراء الاجتماع السياسي، فإن سقوط النظام السوري أعطى زخماً وحماسة للمعارضة الإلكترونية، ورفع مستوى التذمر بين المواطنين في الداخل، خصوصًا مع انتشار صور قصر الرئاسة في العاصمة الإدارية الجديدة. لذا، يكرر النظام إجراءات أمنية مكثفة باعتبارها وسيلة للردع، إذ يعتبر نظام السيسي أن هذه الإجراءات “هي احتياطات مألوفة تحدث عادة قبل ذكرى يناير، لكنها هذا العام تلفت الأنظار أكثر بسبب الظروف الاقتصادية الداخلية والتوترات الإقليمية”.
فيما يرى المستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، في تصريحات صحفية، أن “حالة الاستنفار الأمني في الشارع لم تشهد زيادة كبيرة، وهي موجودة بالفعل بكثافة منذ فترة. ومع ذلك، قد تزيد قليلاً باعتبارها إجراءات احترازية بالتزامن مع بعض الذكريات المرتبطة بثورة 25 يناير”.
ومع استمرار نهج القمع الذي يتبعه السيسي، والذي يؤجج الغضب بين المصريين، خاصة مع اشتداد الأزمة الاقتصادية التي يعانونها وانغلاق أفق المستقبل، فإن الانفجار الشعبي بات قريبًا ولن تمنعه جحافل الأمن المنتشرة بالشارع، خاصة وأن السيسي قد استنفد كل وعوده للمصريين بتحسن الأوضاع، خلال عشرية سوداء عاشها الشعب المصري.