المنافقون يقودون “مستنقع وطن”.. أحمد عبد الجواد من الأمن الوطني إلى واجهة دعم استمرار المنقلب

- ‎فيتقارير

"أيوه إحنا كده منافقين، وهنفضل نمشي ورا قرارات السيسي"، لم تكن هذه مجرد عبارة عابرة في خطاب النائب أحمد عبد الجواد، الأمين العام لحزب مستقبل وطن، بل تصريح يفتح الباب أمام أسئلة سياسية شديدة الأهمية عن طبيعة الحزب الذي يقود الأغلبية البرلمانية، وعن حقيقة علاقته بالسلطة والأجهزة الأمنية، وعن الكيفية التي انتقل بها أحد ضباط الأمن الوطني السابقين إلى قمة هرم القيادة الحزبية والسياسية.

 

فبين خطاب الاصطفاف خلف المنقلب عبد الفتاح السيسي، والدفاع عن قراراته رغم الأعباء الاقتصادية التي يتحملها المواطنون، تبرز أسئلة أكبر عن حزب يبدو أن وظيفته الأساسية تتجاوز العمل السياسي التقليدي إلى حشد التأييد للسلطة وتوسيع شبكات النفوذ.

 

وتزداد أهمية هذه الأسئلة عند استعراض مسيرة أحمد عبد الجواد، من جهاز الأمن الوطني إلى قيادة مستقبل وطن، مرورًا بما أثير حول علاقاته الاستثمارية ومصادر ثروته، والاتهامات والتساؤلات التي نشرتها منصات إعلامية وحسابات على مواقع التواصل بشأن نفوذه الاقتصادي والسياسي.

 

فهل نحن أمام حزب سياسي يقوم على الاقتناع والاختيار الحر، أم أمام شبكة نفوذ تتداخل فيها الأجهزة الأمنية والسياسة والمال؟ وهل أصبح الانضمام إلى الحزب وسيلة للحصول على النفوذ والمصالح، أم أن هناك ممارسات ضغط وترهيب تستحق التحقيق والكشف؟

 

إن قصة أحمد عبد الجواد ليست مجرد سيرة قيادي حزبي صعد سريعًا، بل مدخل لفتح ملف مستقبل وطن، وعلاقته بالأجهزة الأمنية، ومصادر الثروة والنفوذ، ومدى احترامه لحق المواطنين في الاختلاف والمحاسبة والصحافة الحرة.

نفوذ الأمن والسياسة والمال

"لو دعم بلدنا والوقوف في ضهر رئيسنا بيسميه أهل الشر نفاق، يبقى إحنا منافقين ومكملين"، بهذه الكلمات اختار أحمد عبد الجواد، أن يصف موقفه السياسي خلال لقاء تنظيمي للحزب، مؤكدًا استمرار دعم الحزب للمنقلب عبد الفتاح السيسي وقراراته.

 

ولم يتوقف عبد الجواد عند هذا التصريح، بل قال إن الحزب سيواصل السير خلف قرارات السيسي، مستشهدًا بما وصفه بحالة الاصطفاف، رغم الضغوط الاقتصادية التي يتحملها المواطنون.

وهنا تبرز المفارقة السياسية: حين يختزل أحد أبرز قيادات حزب الأغلبية موقف الحزب في الاصطفاف خلف الحاكم، ويعتبر الانتقادات الموجهة إلى هذا الاصطفاف مجرد اتهامات من "أهل الشر"، فمن حق المواطنين أن يسألوا عن طبيعة هذا الحزب، ومصادر قوته، وآليات تجنيد أعضائه، وحدود استقلال قراره السياسي.

من الأمن للحزب

وفقًا لما نشرته منصة "الموقف المصري"، فإن أحمد عبد الجواد كان ضابطًا بجهاز الأمن الوطني برتبة عقيد، قبل انتقاله إلى المجال السياسي وظهوره في المشهد الحزبي خلال انتخابات مجلس الشيوخ عام 2020.

وفي الأول من مارس 2023، أعلن حزب مستقبل وطن تعيينه نائبًا لرئيس الحزب وأمينًا للتنظيم، وهو الموقع الذي يمنحه دورًا محوريًا في إدارة الهيكل التنظيمي للحزب، والتعامل مع أمنائه بالمحافظات والقيادات والقواعد الحزبية.

ثم تصاعد نفوذه داخل الحزب، حتى أصبح أمينًا عامًا، إلى جانب موقعه القيادي في الهيئة البرلمانية للحزب.

 

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد انتقال موظف سابق من مؤسسة حكومية إلى العمل السياسي، وإنما بطرح سؤال أوسع: ما طبيعة العلاقة بين جهاز الأمن الوطني وحزب مستقبل وطن؟ وهل هناك استقلال حقيقي بين العمل الأمني والعمل الحزبي، أم أن بعض شبكات النفوذ تنتقل من مواقعها داخل الأجهزة إلى مواقع القيادة السياسية والتنظيمية؟

والسؤال الأكثر أهمية: هل يُبنى الانضمام إلى الحزب على الاقتناع السياسي والعمل الجماهيري والاختيار الحر، أم أن النفوذ الأمني السابق وشبكات العلاقات والقدرة على ممارسة الضغط تفرض نفسها على عملية استقطاب الأعضاء والمرشحين؟

 

هذه أسئلة تستحق إجابات موثقة، خصوصًا أن أمين التنظيم السابق أصبح أحد أبرز صناع القرار داخل الحزب، وأن تجربته تفتح الباب لمناقشة حدود التداخل بين الأمن والسياسة.

 

الأمن والترهيب

المسألة الأهم ليست فقط انتقال أحمد عبد الجواد من جهاز الأمن الوطني إلى حزب مستقبل وطن، وإنما طبيعة الدور الذي يمكن أن يلعبه النفوذ الأمني في تشكيل الحياة الحزبية.

 

فإذا كان الحزب يقدم نفسه باعتباره كيانًا سياسيًا جماهيريًا يضم ملايين المواطنين، فمن حق المجتمع معرفة آليات ضم الأعضاء، وكيفية اختيار القيادات، وما إذا كانت هناك ممارسات ضغط أو ترهيب أو استخدام للنفوذ الأمني السابق في استقطاب المواطنين أو دفعهم إلى الانضمام.

واقعة هيثم خليفة

وفي سبتمبر 2023، أُلقي القبض على الباحث السياسي هيثم خليفة، صاحب قناة «التاريخ السياسي والاقتصادي» على يوتيوب. وكان الكاتب بلال فضل قد أشار في منشور عبر حسابه على منصة X إلى فيديو يتناول فيه خليفة تساؤلات بشأن ثروات ضباط الأجهزة السيادية، مع الإشارة إلى حالة أحمد عبد الجواد.

https://x.com/belalfadl/status/1704913629022216595

ووفقًا لقاعدة بيانات مؤسسة "عدالة"، فقد جرى القبض على هيثم خليفة في 13 سبتمبر 2023، واحتُجز على ذمة التحقيقات، بينما أشارت القاعدة إلى أن نشاطه المنشور شمل مقاطع تنتقد ترشح السيسي مجددًا للانتخابات الرئاسية.

وتثور تساؤلات بشأن انتقاله وغيره من الضباط ولعله أشهرهم، من العمل الأمني إلى السياسة وعالم الاستثمار والأعمال.

وأشارت تقارير أنه باتت له حص بقناة المحور، وإلى ما تردد عن ارتباط اسمه بشركة فيوتشر للاستثمار الرياضي، فضلًا عن مشروعات واستثمارات داخل مصر وخارجها.

 

كما أورد تقرير هيثم خليفة امتلاك عبد الجواد سيارات ومشروعات متعددة، وتداول عليه لقب "مولانا" في محافظة الشرقية.

حساب إسحاق @isaac30208171 علق على تعليقات عبدالجواد المنافق للسيسي، متسائلًا عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يتحدث عنها عبد الجواد، ومشيرًا إلى ما وصفه باستثماراته في قناة المحور وشركة فيوتشر للاستثمار الرياضي، ومقارنًا ذلك بخلفيته الوظيفية السابقة.

وأضاف أن  السؤال هنا ليس الاعتراض على نجاح أي شخص في الاستثمار أو تكوين ثروة، وإنما معرفة مصادر التمويل، وتوقيت تأسيس الشركات، وطبيعة الشراكات، وما إذا كانت هناك استفادة من النفوذ أو تضارب مصالح.

وتابع: "من حق أي مسؤول أو نائب أن يستثمر وفق القانون، ومن حق المواطنين في المقابل أن يعرفوا كيف تتكون الثروات عندما يتعلق الأمر بشخصيات عامة تجمع بين مواقع السلطة والسياسة والاقتصاد".

أركورب وأمان

 

وفي طرح آخر  للناشطة منى الشاذلي @MElshazly153322 للاتهامات وتساؤلات بشأن علاقة أحمد عبد الجواد بشركات «أركورب» و«أمان القابضة»، وبشأن منظومة خدمات المسافرين والتأمين المرتبطة برسوم قيل إنها تُحصّل عند استخراج جوازات السفر.

وكيف تم تحصيل 300 جنيه من المسافرين، وعن علاقات تجارية واحتكارية وتحويلات مالية خارج مصر.

ملاحقة الصحافة

وتتعلق القضية  ليس بأحمد عبد الجواد فقط، بل تفتح ملف علاقة حزب مستقبل وطن بالصحافة وحق المواطنين في معرفة ما يجري داخل الحزب.

ففي 31 أغسطس 2022، نشر موقع «مدى مصر» تقريرًا نقل عن مصادر داخل الحزب معلومات عن تحركات رقابية محتملة بشأن قيادات في مستقبل وطن، على خلفية شبهات فساد واستغلال نفوذ، وكان من بين الأسماء التي تناولها التقرير أشرف رشاد.

الحزب نفى هذه المعلومات في بيان رسمي بتاريخ الأول من سبتمبر 2022، واعتبرها أخبارًا زائفة تهدف إلى زعزعة ثقة المواطنين فيه.

لكن التطور الأبرز كان تقديم نواب وأعضاء بالحزب عشرات البلاغات ضد صحفيات «مدى مصر»، وهن لينا عطا الله ورنا ممدوح وبيسان كساب وسارة سيف الدين.

وفي 7 سبتمبر 2022، خضعت الصحفيات للتحقيق أمام النيابة، وجرى إخلاء سبيلهن بكفالات مالية.

وأثارت الواقعة انتقادات من منظمات حقوقية وصحفية، من بينها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومنظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش.

وهنا تظهر مشكلة جوهرية: كيف يتعامل حزب يعلن أن الحياة السياسية يجب أن تتسع للجميع مع الصحافة التي تنشر معلومات تتعلق بقياداته؟

ازدواجية الخطاب

في الوقت الذي يتحدث فيه أحمد عبد الجواد عن دعم الدولة ومؤسساتها، ويؤكد أن الحزب يقف خلف المنقلب وقراراته، تبرز تصريحات أخرى له تستحق المناقشة.

فقد قال: "إن مصر ليست شركة تُدار بمنظّر يتحدث عن الديمقراطية، وإن كل شبر من الأرض أهم من الديمقراطية، وإن الجيش والشرطة أهم من أي كلام".

كما استدعى أحداث 2011، قائلًا "إن من كان يحصل على أموال من دول أجنبية وُصف بالثوري، بينما وُصف من دافع عن بلده بالمنافق، مضيفًا أن الحقيقة ظهرت وأنهم بقوا في بلدهم بينما هرب الآخرون".

وكان التساؤل هو عن حماية الدولة ومؤسساتها وهل تتعارض أصلًا مع حرية التعبير والمحاسبة والرقابة الشعبية؟ وهل الدفاع عن الدولة يعني أن تكون الأحزاب مجرد منصات لتأييد السلطة، بدلًا من أن تكون مؤسسات مستقلة تمثل المواطنين وتراقب أداء الحكومة؟

خدمات وغياب المحاسبة

ومن بين الرسائل التي روج لها الحزب على لسان أمينه العام، إعلانه التكفل بمصاريف المدارس بالكامل لأبناء الأسر غير القادرة في المنيا وذكره متابعون بأزمة مدرستي القليوبية، تكفله بإصلاح وصيانة المقاعد المدرسية والأثاث، واستعداده للتدخل في مدارس حكومية أخرى.

مواكب البذخ

وفي سياق متصل، نشر سعيد عبد المنعم انتقادات لمواكب سيارات قيادات مستقبل وطن في بنها، متسائلًا عن حجم الإنفاق على السيارات الفارهة في وقت يعاني فيه المواطنون من ارتفاع الأسعار والضغوط الاقتصادية.

كما انتقد ما وصفه بالتناقض بين خطاب التقشف الذي يُطلب من المواطنين الالتزام به وبين مظاهر الثراء والبذخ في مواكب بعض الشخصيات العامة.

وتتجاوز أهمية هذه الانتقادات مسألة السيارات نفسها؛ فهي تطرح سؤالًا عن المسافة بين الخطاب السياسي الذي يطالب المواطن بالصبر وتحمل الأعباء، وبين المظاهر المعيشية لقيادات

حزبية وشخصيات عامة.

 

ومن حق الجمهور أن يسأل عن مصادر تمويل هذه المواكب، وما إذا كانت السيارات مملوكة للأفراد أو للشركات أو للحزب، دون افتراض مصدر تمويل لم تثبته المستندات.

إن الحزب الذي يعلن أنه يمثل الشعب مطالب بأن يثبت أن عضويته تقوم على الاختيار الحر، وأن قياداته تخضع للمساءلة، وأن ثروات شاغلي المناصب العامة قابلة للفحص والشفافية.

أما أن تتحول السياسة إلى امتداد للنفوذ الأمني، وتصبح العضوية الحزبية طريقًا للمصالح، وتُواجه الأسئلة بالملاحقات والبلاغات، فذلك تصور خطير يستوجب التحقيق والتوثيق والمحاسبة، لا الاكتفاء بالشعارات.

تقرير الموقف المصري: رحلة أحمد عبد الجواد من الأمن الوطني إلى السياسة 

مدى مصر: تقرير التغييرات المرتقبة في قيادات مستقبل وطن – 31 أغسطس 2022 

مدى مصر: بلاغات نواب مستقبل وطن ضد الصحفيات 

بيانات هيثم خليفة – أرشيف عدالة