ضرب.. عنف.. إهمال.. أطفال التوحد سقطوا من حسابات السيسي

- ‎فيتقارير

مراكز تأهيل أطفال التوحد ليست مجرد أماكن لحصول الطفل على جلسات تأهيل بدنى أو سلوكى أو لغوى، بل تعتبر مساحة تضع الأسر فيها ثقتها الكاملة أملًا فى مساعدة أبنائهم على التواصل والاندماج، وعلاجهم من المرض الذى يحول بينهم وبين ممارسة حياتهم بشكل طبيعى.

لكن هذه الثقة اهتزت، وبات التفكير فى ترك الأبناء والأطفال لدى الغير، خاصة فى الحضانات أو مراكز التأهيل والعلاج، مصدر إزعاج نفسى وفكرى، بعدما تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعى.

كان مقطع فيديو قد انتشر على مواقع التواصل يوثق واقعة اعتداء إخصائية تخاطب بالضرب والتعنيف القاسى على طفل مصاب بمرض التوحد من ذوى الهمم أثناء جلسة تأهيلية.

هذه الواقعة سبقتها وقائع أخرى أكدت أن مراكز التأهيل فى حاجة لرقابة صارمة، حيث تعرض طفل للتعنيف الشديد داخل أحد المراكز، وأكدت والدته أنها لاحظت وجود كدمات وآثار إصابات على جسد طفلها، بينما كانت تحصل فى كل مرة على تفسيرات مختلفة من المسئولين بالمركز.

وبحسب رواية الأم، تطورت شكوكها بعدما عاد طفلها فى إحدى المرات وهو يعانى من ألم فى ذراعه، قبل أن تكشف مراجعة كاميرات المراقبة، أن الطفل تعرض للضرب بعنف داخل المركز.

 

مراكز بيزنس

حول هذه الأزمة قالت إحدى الأمهات إن بعض الأسر تشعر بحيرة شديدة عند اختيار المركز المناسب، فى ظل كثرة المراكز والإعلانات المنتشرة .

وأعربت عن أسفها لأن بعض الأماكن تتعامل مع الموضوع كمجرد بيزنس، رغم إن الأطفال يحتاجون تعامل خاص وصبر وتأهيل حقيقى .

وقالت منى: اضطررت لاستقدام إخصائى لتعديل سلوك ابنى المصاب بالتوحد فى المنزل، نظراً لصعوبة الانتقال به من منزلى فى الفيوم إلى القاهرة، مؤكدة أنها تتكلف 5 آلاف جنيه شهريًا مقابل ذهاب الإخصائى إليها مرتين أسبوعيًا، ومع ذلك لم تجد نتيجة حقيقية، وهو ما دفعها إلى التخلى عن الفكرة.

وأضافت مراكز التأهيل فى المحافظات قليلة جدًا، ولا توجد عليها أى رقابة، مطالبة بأن تكون هناك مراكز تابعة للدولة بأسعار معقولة، نظرًا لحاجة أطفال التوحد للعلاج لفترة طويلة، وقد تجد آلاف الأسر نفسها عاجزة عن توفير هذه المبالغ .

 

طفل مختلف

من جانبه قال استشارى الصحة النفسية الدكتور وليد هندى، إن طفل التوحد يختلف فى طبيعته النفسية والسلوكية عن غيره من الأطفال، موضحًا أنه يرتبط بشكل كبير بالروتين والأماكن المألوفة بالنسبة له، لذلك فإن أى تغيير مفاجئ فى البيئة المحيطة قد يسبب له حالة من التوتر والارتباك.

وأشار هندى فى تصريحات صحفية إلى أن الطفل قد يتعلق بتفاصيل ثابتة داخل المكان الذى اعتاد عليه، مثل شكل الغرفة أو الألوان أو ترتيب الأشياء، وهو ما يجعله أكثر احتياجًا لبيئة منظمة ومستقرة تساعده على الشعور بالأمان.  

وأضاف أن انتقال الطفل إلى مكان جديد، سواء مركز تأهيل أو مدرسة، يجب أن يتم بشكل تدريجى ومدروس، مع تهيئة نفسية مناسبة حتى لا يشعر بالخوف أو الرفض.

وأكد هندى أن التعامل مع أطفال التوحد لا يقتصر فقط على الجلسات العلاجية، وإنما يعتمد أيضًا على طريقة إعداد البيئة المحيطة بهم، موضحًا أن بعض الأطفال يعانون من حساسية شديدة تجاه الضوضاء أو الإضاءة أو التغيرات المفاجئة، لذلك يجب أن تكون الأماكن المخصصة لهم هادئة ومنظمة وخالية من المثيرات المزعجة.

وطالب باستخدام الوسائل البصرية والرموز داخل المراكز لمساعدة الطفل على فهم المكان والشعور بالألفة، مشيرًا إلى وجود برامج وأساليب متخصصة تعتمد على الجداول والوسائل المرئية لتعريف الطفل بالأماكن والأنشطة المختلفة بطريقة تقلل من التوتر وتساعده على التكيف.

وشدد هندى على أن تهيئة الطفل قبل نقله إلى أى مكان جديد تعتبر خطوة ضرورية، من خلال اصطحابه تدريجيًا للمكان الجديد وتعريفه بالأشخاص والبيئة المحيطة، مؤكدًا أن الشعور بالأمان والثقة يعد من أهم العوامل التى تساعد طفل التوحد على التفاعل والتطور بشكل صحى.

 

مشاركة الانتباه

قال استشارى أمراض التخاطب الدكتور عمرو عنتر، إن عملية تطور اللغة لدى الطفل من ذوى اضطراب طيف التوحد غير الناطق لا تتم بشكل مباشر، وإنما تمر بمراحل تدريجية داخل جلسات التخاطب لبناء أساس قوى من مهارات التواصل الأولية قبل الوصول إلى الكلام.

وأوضح عنتر فى تصريحات صحفية أن الجلسات العلاجية تركز على مجموعة من الأهداف الأساسية من بينها تنمية التواصل البصرى وزيادة قدرة الطفل على الانتباه للآخرين إلى جانب تدريبه على الاستجابة عند مناداة اسمه، كما يتم العمل على تعليم الطفل التعبير عن احتياجاته بطرق غير لفظية مثل الإشارة أو جذب الشخص نحو الشىء المطلوب، وهو ما يُعد خطوة مهمة فى بناء التواصل غير اللفظى .

وأشار إلى أن التدخل العلاجى يستهدف تنمية مهارات التقليد، سواء للحركات أو الأصوات البسيطة، بالإضافة إلى تعزيز قدرة الطفل على الاستجابة للأوامر البسيطة، واستخدام وسائل تواصل بديلة مثل الصور أو الإشارات.

وأضاف عنتر: من أهم الجوانب التى يتم التركيز عليها أيضًا تعزيز مفهوم «مشاركة الانتباه»، أى قدرة الطفل على مشاركة الآخرين الاهتمام بنفس النشاط أو اللعبة، باعتبارها من المهارات الأساسية للتواصل الاجتماعى.

وشدد على أن بناء الثقة بين الإخصائى والطفل يمثل عنصرًا محوريًا فى نجاح العملية العلاجية، موضحًا أن أى شعور بالخوف أو الضغط قد ينعكس سلبًا على استجابة الطفل وتقدمه.

وأوضح عنتر أن الأساليب القائمة على الضغط أو الإجبار قد تؤدى إلى نتائج عكسية، مثل زيادة السلوكيات العدوانية أو الانسحاب الاجتماعى، أو الخوف المستمر من التفاعل مع الآخرين، وقد يصل الأمر فى بعض الحالات إلى فقدان بعض المهارات المكتسبة بالفعل.

 

بكاء مستمر

وقال إن هناك علامات يمكن أن تدل على عدم ارتياح الطفل داخل الجلسات، من بينها البكاء المستمر دون سبب واضح، والخوف الزائد، واضطرابات النوم، ورفض التواصل، بالإضافة إلى الإرهاق الشديد بعد الجلسة، أو رفض الدخول إلى المركز أو التعامل مع إخصائى التأهيل، وفى بعض الحالات فقدان الشهية أو ظهور سلوكيات انفعالية واضحة، كما قد يظهر على بعض الأطفال تجنب التواصل البصرى أو التوتر عند دخول المكان.  

وأكد عنتر أن من الطبيعى أن يشعر الطفل ببعض القلق أو البكاء فى بداية الجلسات نتيجة التواجد فى بيئة جديدة، إلا أن استمرار هذه الأعراض لفترة طويلة قد يكون مؤشرًا على وجود خلل فى أسلوب التعامل أو البيئة العلاجية، ويستوجب إعادة التقييم.

وكشف أن الأساليب العلاجية السليمة تعتمد على خلق بيئة آمنة وداعمة، واستخدام اللعب والتعزيز الإيجابى والوسائل البصرية، مع مراعاة الفروق الفردية واحتياجات الطفل الحسية، وتجنب أى أساليب تعتمد على الضغط أو العقاب، مشددًا على أهمية تدرج الأهداف العلاجية، بحانب متابعة الأهل لتطور الطفل بشكل مستمر، وملاحظة أى تغيرات فى السلوك أو التواصل، باعتبارهم جزءًا أساسيًا من نجاح خطة التأهيل..