19 مقعدًا بلا شراكة سياسية.. محللون: الكتلة العربية في الكنيست ديكور صنعه الاحتلال لتجميل صورته

- ‎فيعربي ودولي

تثير نتائج انتخابات الكنيست الصهيوني الأخيرة، التي حصلت فيها القوائم العربية على 19 مقعدًا في الكنيست، نقاشًا واسعًا حول حقيقة المكاسب السياسية التي حققتها هذه الكتلة، ومدى قدرتها على التأثير في تشكيل الحكومة أو تغيير السياسات الصهيونية تجاه الفلسطينيين، في ظل رفض قوى المعارضة الصهيونية الاستعانة بها لتشكيل ائتلاف حكومي، رغم حاجتها إلى الأصوات اللازمة للوصول إلى أغلبية 61 مقعدًا.
وتطرح قراءات سياسية وإعلامية تساؤلات بشأن جدوى المشاركة العربية في انتخابات الكنيست، خصوصًا مع استمرار التعامل مع القوائم العربية باعتبارها قوة انتخابية يمكن الاستفادة من أصواتها، دون الاعتراف بها شريكًا سياسيًا كاملًا في الحكم. وفي هذا السياق، برزت انتقادات ترى أن ارتفاع عدد المقاعد العربية تحول إلى مادة دعائية لتقديم الكيان باعتبارها نموذجًا للتعددية والديمقراطية، بينما تظل حدود المشاركة العربية محكومة باعتبارات النظام السياسي الصهيوني. 

وفي مقابل الرهان على زيادة التمثيل البرلماني، يعود موقف الشيخ رائد صلاح، شيخ الأقصى، والشيخ كمال الخطيب، نائبه السابق في الحركة الإسلامية، إلى واجهة النقاش، باعتبارهما من أبرز الأصوات التي تمسكت برفض المشاركة في انتخابات الكنيست انطلاقًا من موقف مبدئي من المؤسسة الصهيونية وطبيعة المشروع الذي تمثله.

.. 19 مقعدًا عربيًا مقابل 53 لكتلة نتنياهو و48 للمعارضة

أظهرت النتائج المكتملة للانتخابات الصهيونية حصول القوائم العربية على 19 مقعدًا من إجمالي 120 مقعدًا في الكنيست، موزعة بين القائمة المشتركة التي حصلت على 11 مقعدًا، والقائمة العربية الموحدة «رعام» التي حصلت على 8 مقاعد.

وحصل معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعارضة التي يقودها غادي آيزنكوت، فيما لم يتمكن أي من المعسكرين من الوصول إلى الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والمحددة بـ61 مقعدًا.

وبحسب وكالة الأناضول في تقريرها بتاريخ 30 أكتوبر 2026، بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 77.9%، وهي الأعلى منذ عام 1999، فيما تضاعف تقريبًا عدد المقاعد العربية مقارنة بالتمثيل السابق الذي بلغ عشرة مقاعد.

وتشير النتائج إلى أن المقاعد العربية تمثل كتلة حسابية مؤثرة في معادلة تشكيل الحكومة، لكن تحويل هذا الوزن العددي إلى شراكة سياسية يواجه رفضًا من أحزاب الكيانية معارضة لنتنياهو، سبق أن استبعدت التحالف مع القوائم العربية.

القوائم العربية ديكور لتجميل وجه الاحتلال

وقدم الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة @YZaatreh قراءة نقدية لنتائج الانتخابات ومشاركة القوائم العربية، معتبرًا أن وجودها في الكنيست لا يعني امتلاكها قدرة حقيقية على حسم المشهد السياسي، وأن التركيز الإعلامي على عدد المقاعد التي حققتها يخدم صورة الكيان الخارجية. 

وفي تعليقه على مشاركة الفلسطينيين في الداخل المحتل عام 1948، رفض الزعاترة ما وصفه بالمزايدة في محبة واحترام أهلنا في المناطق المحتلة، مؤكدًا أن احترامهم لا يعني الاتفاق مع الخيارات السياسية لبعض القوى المشاركة في الانتخابات.

وكتب: من يرفضون دخول الكنيست مثل الشيخ رائد صلاح أفضل ألف مرة من منصور عباس وأمثاله.. وجودهم في الكنيست ديكور وتجميل لوجه قبيح، واعتراف ضمني بشرعية «كيان» غاصب.

وأضاف أن ارتفاع نسبة التصويت ارتبط، وفق قراءته، بمخاوف الفلسطينيين في الداخل من صعود اليمين المتطرف بعد السابع من أكتوبر، وبالرغبة في معالجة مشكلات حياتية، وفي مقدمتها الجريمة، لكنه رأى أن هذه الاعتبارات لا تغير طبيعة النظام السياسي الصهيوني ولا حدود تأثير النواب العرب.

وفي تدوينة أخرى نشر "الزعاترة" صورة للقوائم العربية داخل الكنيست، وكتب: "هم في الوسط.. رقم لا علاقة له بحسم الوضع السياسي.. مجرّد ديكور لا أكثر.. غير مسموح لهم أن يحسموا شيئا، حتى حين يعرضون الدعم شبه المجاني لفريق ضد آخر.. مجرّد تجميل لوجه عنصري قبيح.". 

وربط الزعاترة هذا الوضع بموقف السلطة الفلسطينية ومسار اتفاق أوسلو، معتبرًا أن ما حدث للفلسطينيين في الداخل يرتبط بمسار سياسي أوسع بدأ، بحسب رؤيته، بالتخلي عن مشروع تحرير كامل فلسطين والاعتراف بالكيان على 78% من أرض فلسطين التاريخية.

كما تناول التناقض بين رفض بعض القوى الصهيونية التحالف مع الأحزاب العربية، وبين الاستعداد للاستفادة من دعمها البرلماني عند الحاجة إلى تشكيل حكومة أو إضعاف نتنياهو.

واعتبر أن التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر أعادت، بحسب تعبيره، تصحيح البوصلة، بينما تستخدم بعض الخطابات السياسية نتائج الانتخابات لتثبيت جدوى خيارات المشاركة.

سقف سياسي محدد للمقاعد العربية

وتناول المحلل  السيسي فايد أبو شمالة @fayedfa حجم الكتلة العربية في انتخابات الكنيست الصهيوني، مشيرًا إلى أن عدد الفلسطينيين في الداخل المحتل عام 1948 الذين يحق لهم التصويت يبلغ نحو مليون و159 ألف عربي، أي قرابة 18% من أصحاب حق الاقتراع المقيمين، وفق البيانات التي أشار إليها والصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية الصهيونية في 21 أكتوبر 2026.
واعتبر أبو شمالة أن الحصول على 19 مقعدًا يمثل إنجازًا من زاوية تحسين الظروف المعيشية والدفاع عن حقوق الفلسطينيين وصمودهم في أرضهم، لكنه طرح تساؤلًا بشأن قدرة هذه النسبة على تحقيق إنجاز سياسي لصالح القضية الفلسطينية.

وكتب: "هندس دهاقنة الصهاينة الوجود العربي داخل الكيان بحيث يكونون ديكورًا جميلًا يؤكد أن الكيان هو واحة للديمقراطية، ووضعوا للعرب سقفًا لا يمكن تجاوزه".

وأضاف أن معسكري نتنياهو والمعارضة لا يقبلان، وفق تقديره، التحالف مع الأحزاب العربية، وأن احتمال تحالف المعسكرين ضد المجموعة العربية يظل قائمًا، معتبرًا أن الأحزاب العربية ستظل تعمل تحت سقف سياسي محدد مسبقًا". 

وجاء تعليقه ردًا على إشادة حمد بن جاسم بن جبر بارتفاع عدد المقاعد العربية إلى 19 مقعدًا، واعتباره ذلك تقدمًا يعزز الأمل لدى الفلسطينيين في مناطق 48 بشأن حماية حقوقهم وتحسين أوضاعهم.

التمثيل العددي لا يعني المشاركة في القرار

وتتقاطع قراءة أبو شمالة مع طرح ياسر الزعاترة بشأن الفارق بين زيادة التمثيل البرلماني والقدرة الفعلية على التأثير في القرار السياسي. 

فبينما يشير عدد المقاعد إلى وزن انتخابي غير مسبوق للقوائم العربية، تظل المفاوضات الحكومية محكومة بمواقف الأحزاب الصهيونية التي ترفض قطاعات واسعة منها التعاون مع القوائم العربية، حتى عندما يصبح دعمها ضروريًا لتجاوز عتبة الأغلبية البرلمانية.

وتؤكد التغطيات الصهيونية والدولية أن المعارضة تواجه معضلة تتعلق بإمكانية الاستفادة من المقاعد العربية دون الدخول في شراكة حكومية معها، وهو ما يجعل الفرق بين الدعم الخارجي والمشاركة في الحكم محورًا رئيسيًا في المفاوضات.

ناخبون لا مواطنون في حسابات الأحزاب الصهيونية

وتناول الكاتب والمحلل عماد عبد اللطيف سالم مفارقة حصول القوائم العربية على 19 مقعدًا، مقابل رفض الأحزاب الصهيونية المنافسة الاستعانة بها لاستكمال الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة. 

وكتب أن القوائم الصهيونية الأخرى لم تحصل على المقاعد الكافية لتشكيل الحكومة، لكنها ترفض الاستعانة بالقوائم العربية، معتبرًا أن هذا الموقف يكشف طبيعة التعامل مع الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.

وأشار @emadabdullatief إلى أن بنيامين نتنياهو وصف القوائم العربية بأنها قوائم «إرهابية» واتهمها بسرقة الانتخابات، بينما تتماهى معه قوى المعارضة في رفض مشاركة هذه القوائم في الحكومة المقبلة، حتى بصورة غير مباشرة. 

وأضاف أن التعامل مع العرب داخل الكنيست يعكس، بحسب تعبيره، اعتبارهم ناخبين وليسوا مواطنين متساوين في المشاركة السياسية، رغم وجودهم داخل المنظومة الانتخابية.

وقارن سالم بين الخطاب الغربي الذي يقدم الكيان باعتباره واحة للديمقراطية في الشرق الأوسط، وبين واقع استبعاد القوائم العربية من الشراكة السياسية، مشيرًا إلى أن هذا الاستبعاد يطرح تساؤلات حول حدود الديمقراطية والتعددية التي يجري الترويج لها.

توزيع المقاعد يكشف تعقيدات النظام الانتخابي الصهيوني

وقدم فوزي بداوي قراءة لتوزيع المقاعد بعد فرز الأصوات، مشيرًا عبر @al_faouzi68003 إلى حصول كتلة آيزنكوت التي تضم أحزاب «يشار» و«بيحاد» و«الديمقراطيون» و«الكيان بيتنا» على 48 مقعدًا، مقابل 19 مقعدًا للأحزاب العربية و14 مقعدًا للأحزاب الحريدية. 

وأوضح أن الليكود و«عوتسما يهوديت» و«الصهيونية الدينية» حصلت مجتمعة على 39 مقعدًا، لترتفع حصيلة كتلة نتنياهو إلى 53 مقعدًا بإضافة الأحزاب الحريدية.

وتناول بداوي طبيعة النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي، مشيرًا إلى أن الأحزاب الصغيرة، ومنها الأحزاب الدينية الحريدية، تستطيع امتلاك وزن تفاوضي كبير في تشكيل الائتلافات الحكومية.

وأضاف أن النتائج تفتح الباب أمام مفاوضات معقدة واحتمالات إعادة تشكيل التحالفات، مع طرح سيناريوهات تشمل حكومة أقلية أو حكومة وحدة أو انتخابات جديدة.

كما أشار إلى أن القوائم العربية قد ترجح كفة بعض التحالفات حسابيًا، لكن الأحزاب الصهيونية في معسكر المعارضة سبق أن تعهدت خلال حملاتها الانتخابية بعدم التحالف معها.

مواقف رائد صلاح وكمال الخطيب 

في مقابل الجدل حول جدوى المقاعد العربية، برز موقف الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني سابقًا، من انتخابات الكنيست، والذي أعاد التأكيد عليه في أكتوبر 2026، باعتباره موقفًا يستند إلى رفض المشاركة في مؤسسة يعتبرها جزءًا من المشروع الصهيوني. 

وبحسب تقرير نشره موقع «عرب 48» بتاريخ 22 أكتوبر 2026، أكد صلاح أن موقفه من انتخابات الكنيست قديمًا وحديثًا ثابت، وأن لكل فرد من أبناء الحركة الإسلامية ومحبيها الحق في اتخاذ الموقف الذي يتناسب مع فهمه العقائدي وحسه الوطني.

وجاء في تصريحه: "لكل فرد من أبناء الحركة الإسلامية ومحبيها الحق في اتخاذ الموقف الذي يتناسب مع فهمنا العقائدي وحسّنا الوطني". 

وتناول صلاح قرار الحركة الإسلامية عام 2001 بمقاطعة انتخابات رئاسة الحكومة الصهيونية التي تنافس فيها إيهود باراك وأريئيل شارون، مستشهدًا بقرار مجلس الشورى القطري للحركة الإسلامية في ذلك الوقت.

كما أكد رفضه لما وصفه بمحاولات تقديم موقف مغاير عن موقف الحركة التاريخي من الانتخابات، مشددًا على عدم خضوع الحركة لضغوط شخصية أو رسمية من الداخل أو الخارج.

وفي لقاء شبابي بمنتدى المدينة الثقافي في الناصرة، تناول صلاح الفارق بين انتخابات السلطات المحلية العربية وانتخابات الكنيست، موضحًا أن المشاركة في الانتخابات المحلية ترتبط بالخدمات اليومية للمجتمع العربي، بينما تختلف طبيعة الكنيست باعتبارها مؤسسة تتخذ قرارات سياسية وعسكرية وتشريعية.

وأكد أن الحركة لم تجد حرجًا في المشاركة في انتخابات السلطات المحلية، مع تمسكها بموقفها من الكنيست.

أما الشيخ كمال الخطيب، الذي شغل سابقًا موقع نائب رئيس الحركة الإسلامية، فقد تناولت تقارير أكتوبر 2026 موقفه الرافض للمشاركة في انتخابات الكنيست، انطلاقًا من اعتبار أن التصويت يمثل إضفاء شرعية سياسية على المؤسسة الصهيونية. 

وأورد تقرير لموقع «أمد للإعلام» بتاريخ 22 أكتوبر أن موقف الخطيب يرتبط برفض المشاركة في الانتخابات على أساس أيديولوجي وسياسي، باعتبار أن المشاركة تمنح شرعية للمؤسسة الصهيونية.

كما أشار تقرير لموقع «راية» إلى تصريحات منسوبة للخطيب بتاريخ 19 أكتوبر، رفض فيها التصويت للقائمتين العربيتين المشتركتين والموحدتين، على خلفية احتمالات دعمهما حكومة برئاسة آيزنكوت.

وتأتي هذه المواقف في سياق نقاش أوسع حول الفرق بين المشاركة في الانتخابات المحلية ذات الطابع الخدمي، والمشاركة في انتخابات الكنيست بوصفه مؤسسة تشريعية وسياسية الكيانية.