جامعة المجلس العسكرى.. تعليم بمصروفات ربع مليون جنيه يفتح ملف الفرز الطبقي في مصر

- ‎فيتقارير

التعليم في عصر الفرز الطبقي وتأمين النخبة، تأسيساً على القاعدة الفقهية الجديدة التي صيغت بعناية في أروقة التخطيط الاقتصادي الحديث: "التعليم حق لكل مواطن، يمتلك ربع مليون جنيه سنوياً"، أُسست "جامعة كيان التابعة للقوات المسلحة" ويحصل على أرباحها عصابة المجلس العسكرى بقيادة المنقلب السيسى ، بموجب موافقه مجلس النواب نهائيا في جلسته العامة يوم الاربعاء 22 يوليو 2026 بناء على تقرير لجنه الدفاع والامن القومي، على مشروع القانون المقدم من الحكومة.

وقد تقرر أن ترفع الجامعة أستارها لتبدأ استقبال طلابها بالصفة المدنية مع مطلع العام الدراسي (2026 / 2027)، متخذة من منطقة الاكاديميه العسكريه المصرية في العاصمة الإدارية الجديدة موقعاً استراتيجياً لتبني عليه صرحاً يُقال عنه إنه معجزة تكنولوجية غير مسبوقة.

تضم المرحلة الأولى لهذا المشروع ست كليات رئيسية تتنوع بين: الطب البشري، طب الأسنان، الصيدلة، العلاج الطبيعي، الهندسة، والحاسبات والذكاء الاصطناعي، وهي كليات ملحقة بمستشفى جامعي متكامل ومراكز محاكاة طبية وتقنية فائقة الحداثة.

أما "المنيو" المالي المعلن لبوابات هذا الصرح الوطني، فيبدأ من 181 ألف جنيه لكليات الحاسبات والذكاء الاصطناعي، و200 ألف جنيه لكليات الهندسة، ليصل إلى ذروته بـ 245 ألف جنيه سنوياً لكلية الطب البشري؛ وذلك بخلاف رسوم كشوفات الهيئة، واختبارات القبول، والطوابع الجانبية.

إنها قائمة أسعار صريحة تُعلن للجميع بوضوح لا يكتنفه الغموض: نحن لا نفتح أبواباً للتعليم العام، بل نُسعر تذكرة الدخول لمجتمع جديد لا مكان فيه للمفلسين من أبناء هذا الوطن.

 

لغز الموازنات وتجريف "جامعات الشعب"

​قبل أن نغوص في تفاصيل المعامل الملونة واستعراضات الذكاء الاصطناعي، يقفز إلى أذهاننا سؤال تمويلي مشروع يفرض نفسه بقوة على المشهد: كيف تُخلق المليارات فجأة، وبقدرة قادر، لتأسيس هذا البذخ المعماري والبنيوي داخل مقر الاكاديميه العسكريه بالعاصمه الإدارية الجديدة، بينما تقف الجامعات الحكومية التاريخية – البعيدة عنها جغرافياً وزمنياً كجامعة الإسكندرية والقاهرة وعين شمس – على أعتاب الإفلاس الأكاديمي والتداعي الهيكلي؟ إنها المفارقة المؤلمة التي تشغل الأدبيات النقدية والمراكز التحليلية "مثل معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط TIMEP وشبكة DW ومعها تقارير مدى مصر"؛ إذ تُشير تلك القراءات بوضوح إلى سياسة تعميق الفجوة بين المؤسسات العامة المتروكة للجفاف المالي، وبين المشاريع الاستثمارية المجهزة بأحدث التقنيات.

​فجامعات الشعب، التي شُيّدت بعرق المصريين وقروشهم برعاية الأميرة فاطمة إسماعيل ورجالات مصر منذ عشرينيات القرن الماضي، تُركت اليوم لموازنات شحيحة تُشبه "مصروف الجيب".

الأستاذ الجامعي المدني الذي أمضى عمره في البحث العلمي يُكافأ براتب سنوي شاملاً مكافآته البدائية لا يكفي لسداد مصروفات "ترم واحد" لابنه في كلية الحاسبات بالكيان الجديد! والمعامل العتيقة في المجمع النظري تجف فيها أدنى مستلزمات التجارب الكيميائية والطبية الأولية.

​لكن بعبقرية اقتصادية غريبة، وفي أوج أزمة الموازنة العامة للبلاد، تتفتق الحكمة الرسمية عن اقتطاع التمويل وتوجيهه لضخ المليارات في بناء "بديل استثماري فاخر"، بدلاً من توجيه جزء يسير من هذه المبالغ لترميم الجامعات الحكومية القائمة وإعادة الكرامة الاقتصادية لأعضاء هيئة تدريسها.

إنه نموذج تحليلي يثبت أن القضية ليست عجزاً مائياً أو مالياً لدى الدولة، بل هي إعادة ترتيب قسرية للأولويات على حساب مجانية الجودة وحق العامة في التعليم.

كذبة "الجامعة المدنية" وحصن أبناء الباشاوات الجدد. وهنا تحديداً وجب علينا نَزع مسرحية "الجامعة المدنية المتاحة للشعب" جانباً ورميها في سلة المهملات السياسية؛ فالحديث الإعلامي المعسول عن أن "كيان" أُنشئت لخدمة عموم الطلاب المدنيين هو مجرد "ديكور خشبي" لتمرير المشروع أمام الرأي العام. الحقيقة الشاخصة خلف الرسوم الشاهقة والشروط الانضباطية وكشوفات الهيئة هي أننا أمام مشروع مُهندس بعناية فائقة لغرض سياسي ومجتمعي أعمق بكثير، يعبر عن مفهوم "إعادة إنتاج النخبة الحاكمة وتأمين أبنائها أيديولوجياً وطبقياً".

​القصة ببساطة ودون رتوش: ابن القائد أو المسئول الكبير في المؤسسة الذي لم تسعفه مجاميعه في الثانوية العامة للالتحاق بطب الإسكندرية أو هندسة القاهرة، كان يُواجه سابقاً مخاطرة الخروج إلى "الجامعات الخاصة المدنية" أو السفر للخارج، بكل ما يعنيه ذلك من الاختلاط ببيئات مفتوحة وغير مضمونة الحراسة.

تأتي "كيان" لتُحل هذه الأزمة العائلية داخل المنزل وبأعلى درجات الخصوصية، حيث تُوفر لابن القيادة أحدث المعامل والمستشفيات، وحصانة الاسم، وبريق الوجاهة الاجتماعية، والانضباط الحازم، بعيداً عن بؤس واكتظاظ وصداع الجامعات الحكومية التي يرتادها أبناء "عامة الشعب".

​ولأن العبقرية الاقتصادية لا تُفرط في فرصة كسب، فتحت الجامعة أبوابها لأبناء كبار رجال الأعمال وأثرياء الحرب الاقتصادية. فالعملية هنا ضرب من ضربات الحظ المزدوجة؛ رجل الأعمال يُسدد ربع مليون جنيه سنوياً فرحاً ومستبشراً، ليس فقط ليشتري لابنه معبَراً لشهادة جامعية، بل ليشتري له "عضوية في النادي المغلق" وجواراً أكاديمياً لأبناء النخبة الحاكمة. وفي المقابل، تُغطي رسوم هذا "الزبون المدني الثري" تكاليف تشغيل الصرح وإدارته، ليتعلم ابن القائد بأعلى جودة وعلى نفقة أصحاب الشيكات المليونية.

​إنها ليست مجرد طبقية عادية في توزيع الخدمات العامة، بل هي "طبقية استغلاقية" لتوريث المكتسبات وصناعة جيل معزول تماماً عن الشارع؛ جيل لا يرى في مصر إلا المباني الفاخرة والقواعد المحصنة، بينما يُترك بقية أبناء الشعب يتصارعون في جامعات تاريخية جُرّدت من موازناتها ليبقى الفارق شاسعاً بين من يملك "حصانة الجوار" ومن ليس له إلا الله وتذكرة المترو.

 

تأميم الكفاءة وسيكولوجية "المنقذ العسكري"

​إذا تساءلت يوماً عن السر الإلهي العجيب الذي يجعل أحدث أجهزة المحاكاة الطبية، والمعامل والمختبرات العلمية المختلفة الفاخرة، وروبوتات الذكاء الاصطناعي لا تخرج إلا من رحم الكيانات المسوّرة التابعة للمؤسسة، فأنت لم تفهم بعد القواعد الذهبية لمهندسي العرض الإعلامي.

المسألة في "جامعة كيان" تتجاوز جباية الأموال لتعيد تشكيل الوعي الجمعي المصري وفق معادلة خبيثة: من يُسمح له "بالعمل الجيد"؟ ومن الذي يجب أن يظهر دائماً في مظهر البيروقراطي العاجز؟ في الشاشات والتغطيات الرسمية.

 تُعرض معامل "كيان" براقة كأنها قادمة من كوكب آخر، ويُطلب من المواطن أن ينبهر ويصفق للانضباط والتأسيس الفائق، لكن السؤال الساخر الذي يصفع هذه الدراما: هل أساتذة الهندسة والطب في كليات الإسكندرية والقاهرة عاجزون عقلياً أو أكاديمياً عن إدارة هذه المعامل؟ أم أن المعادلة صُممت عمداً بحيث يُحرم الأستاذ المدني من الإمكانيات حتى تتداعى كليته، ثم يخرج علينا الإعلام بملامح حزينة ليقول: "انظروا كيف تفشل الإدارة المدنية! تعالوا لنبني لكم صرحاً منضبطاً بنكهة عسكرية؟"

​هذه الممارسة تتقاطع مع ما توثقه الأدبيات التحليلية الأجنبية والمستقلة تحت مفهوم "الاحتفاظ الحصري بالجودة"؛ حيث يُجرّد القطاع العام المدني من موارد الدولة الوطنية حتى يختنق، ثم تُضخ هذه الموارد نفسها لبناء كيان بديل يُقدم الخدمة نفسها ولكن "بأسعار سياحية".

​إنه تأميم ناعم وفادح للكفاءة؛ يُسلب الأستاذ الجامعي المدني أدواته حتى يتهموه بالقصور، ويُنسب العمل الجيد والمباني الفاخرة للكيان الاستثماري الجديد ليُقال للجمهور: "الجودة لا توجد إلا هنا، ادفعوا ربع مليون جنيه لكي تتذوقوها!".

 

مفارقة الوطنية.. من "أقراط الذهب" إلى "دفتر الشيكات"..

​حين نعود بذاكرتنا التاريخية إلى بدايات القرن الماضي، نكتشف كم أصبحت كلمة "الوطنية" كلمة مطاطة يُعاد تفصيلها اليوم وفق مقاسات سوق الخصخصة والاستثمار.

​حين قررت الأميرة فاطمة إسماعيل ورجالات مصر تأسيس "الجامعة المصرية" "جامعة القاهرة"، لم يُطالبوا المواطنين بدفع "تأمين صحي وبنكي" عالي التكلفة، ولم يضعوا حراسة تشترط ربع مليون جنيه للدخول.

أوقفت الأميرة ثروتها وأراضيها، وجمعت الفلاحات البسيطات أقراط الذهب من آذانهن، وتبرع عموم المصريين بكسور القرش، لأن الفلسفة التأسيسية للمفهوم الوطني يومها كانت حاسمة: التعليم هو الرافعة الوحيدة لكرامة هذا الشعب، والجامعة هي بيت الوطنية الذي يتساوى فيه ابن الباشا مع ابن الغفير.

​اليوم، تأتينا "جامعة كيان" لتقدم لنا النسخة المزيدة والمعدلة من "الوطنية الاستثمارية"! تعريف جديد يتطابق تماماً مع ما تُحلله الأدبيات الصحفية والمراكز النقدية العربية والأجنبية "مثل مدى مصر ومعهد التحرير وسياسات الشرق الأوسط TIMEP)، حين تصف هذه الظاهرة بـ "تسليع الخدمة العامة وإفراغ مفهوم المواطنة من مضمونه".

​فالوطنية الحديثة في نظر هذا النموذج صريحة جداً: ألا تُعلم ابن الفقير المتفوق، بل أن تبني صرحاً زاهياً في مقرالاكاديميه العسكريه بالعاصمه الإدارية الجديدة بفلوس الدولة، ثم تضع على بوابته حراسة مشددة ولائحة أسعار تعجيزية وتقول للشاب صاحب الـ 99% في الثانوية العامة: "نعتذر منك يا بني، وطنيتك ومجموعك الفلكي لا يكفيان، الوطنية هنا تتطلب ربع مليون جنيه كاش، وشرف الجوار لأبناء الباشاوات الجدد".

​جامعة فؤاد الأول بُنيت بقرش الفقير ليتعلم فيها ابن الفقير ويصبح عميداً للأدب أو رئيساً للوزراء أو عالماً يُشار إليه بالبنان، أما "كيان"، فتشيدها مؤسسات الدولة من التمويل العام، لتبيع الخدمة لمن يملك الشيكات، وتتحول "الوطنية" من مجانية الجودة وحفظ كرامة المواطن، إلى شعارات مسوّرة تُعلن بمنتهى الجفاء: "الجميع مواطنون، لكن أصحاب الحسابات المليونية هم الأكثر مواطنة".

 

المآل النهائي.. والصرخة الأكاديمية الأخيرة

​إن المشهد الذي يرسمه لنا ظهور "جامعة كيان" بملياراتها ورسومها الفلكية في قلب الوطن، ليس مجرد حدث عابر في تاريخ التعليم العالي، بل هو "النقطة التي تفصل بين عهدين": عهد كانت الدولة فيه ترى في الجامعة مصنعاً لتأهيل العقول وبناء الوطنية، وعهد أصبحت ترى فيه الجامعة "أصلًا استثماريًا" مدرًا للربح، وملاذاً مغلقاً لحماية النخبة وتأمين امتدادها الطبقي.

​الخطورة الحقيقية ليست في وجود جامعة مرتفعة المصروفات؛ فالجامعات الخاصة موجودة منذ عقود، الخطورة تكمن في "تغيير هوية الدولة التعليمية"؛ حين تُصنع التجربة الاستثمارية بقرارات سيادية، وبموارد وأراضٍ مملوكة للشعب، ثم تُفرغ الكليات الحكومية المجاورة من قيمتها وهيبتها وموازناتها لكي يبدو "الكيان الجديد" وكأنه الواحة الوحيدة المعصومة من الفشل في وسط صحراء قاحلة أُجبر الجميع على السير فيها.

​ماذا يتبقى للأستاذ الجامعي الذي قضى نصف قرن في المدرجات المدنية يخرج أجيالاً من الأطباء والمهندسين والعلماء؟ وماذا يتبقى للطالب المجتهد من أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة حين يرى أن كفاحه وسهره في الثانوية العامة ليسا سوى "عملة ملغاة" لا تشتري له حتى نظرة احترام على بوابات الكيانات الجديدة؟

​إنها الصرخة الأكاديمية والأخلاقية الأخيرة التي يُطلقها التحليل النقدي الوطني: إن التعليم الذي يُقام على الفرز، والتوريث الصريح للمكتسبات، وتسليع المستقبل، قد يبني مبانيَ زاهية من الرخام والزجاج، ولكنه يهدم العقد الاجتماعي الذي يقوم عليه الوطن، فالأمم لا تنهض بالأسوار الخرسانية والمصروفات المليونية، بل تنهض بذوق العدالة، وبأن يظل العلم حقاً كالمقومات الأساسية للحياة، متاحاً لكل ذي عقل ومجتهد، لا لمن يملك ربع مليون جنيه في نهاية كل عام.