دخل مشروع محطة الضبعة النووية في مصر دائرة الجدل، بعد تحقيق نشرته مجلة «بوليتيكو» الأمريكية تناول ما قالت إنها ملاحظات تتعلق بجودة بعض الأعمال الإنشائية وإجراءات السلامة داخل موقع المشروع، إلى جانب مخاطر محتملة على الجدول الزمني لتشغيل الوحدات النووية.
وأثار التحقيق ردًا رسميًا سريعًا من القاهرة، إذ رفضت هيئة الاستعلامات وهيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء ما ورد فيه، معتبرتين أن التقرير قدم صورة «غير دقيقة وغير متوازنة»، وخلط بين الملاحظات الفنية الطبيعية خلال تنفيذ مشروع ضخم ومعقد، وبين الاستنتاجات المتعلقة بسلامة المحطة وكفاءة تنفيذها.
وبين الروايتين، يبرز سؤال أكثر أهمية من الخلاف الإعلامي نفسه: هل تمثل الملاحظات التي كشفتها الوثائق مشكلات إنشائية عابرة يجري إصلاحها وفق إجراءات الرقابة النووية، أم أنها تكشف عن تحديات أعمق في جودة التنفيذ والجدول الزمني للمشروع؟
تحقيق أمريكي يفتح ملف الضبعة
استند تحقيق «بوليتيكو» إلى وثائق ومراسلات قالت المجلة إنها حصلت عليها من مصادر رفيعة المستوى، وتناولت جوانب مختلفة من تنفيذ مشروع محطة الضبعة، بما في ذلك أعمال الخرسانة والأساسات وإجراءات السلامة والانضباط داخل موقع الإنشاء.
وتحدثت إحدى المراسلات، بحسب التحقيق، عن عودة ظهور عيوب في بعض الأعمال الخرسانية، بينها فراغات خلف الكسوة المعدنية في الوحدة الرابعة، وملاحظات في ألواح أساسات الوحدات الأولى والثانية والثالثة، قالت المجلة إن إصلاحها استغرق نحو عام.
كما أشارت الوثائق، وفق «بوليتيكو»، إلى عيوب في بنية الجدار الأسطواني لمبنى مفاعل الوحدة الرابعة.
ولم تتوقف الملاحظات عند الأعمال الإنشائية، إذ تناول التحقيق أيضًا قضايا تتعلق بإجراءات الأمن والسلامة المهنية داخل الموقع، من بينها ضبط مشروبات كحولية محظورة بحوزة بعض العاملين الروس، واستخدام تصاريح دخول مزورة أو انتحال شخصيات للدخول إلى موقع المحطة، فضلًا عن التقاط صور ومقاطع فيديو من الموقع ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي. وتقول المجلة إن هذه الوقائع وردت ضمن وثائق ومراسلات داخلية مرتبطة بالمشروع.
هل تتعلق المشكلة بالمفاعل أم بالبناء؟
تكمن أهمية التحقيق في أنه لا يطعن بصورة مباشرة، في تصميم مفاعلات الضبعة نفسها، وإنما يركز على طريقة تنفيذ المشروع وجودة الأعمال الإنشائية وإجراءات الرقابة عليها.
وهذا التفريق مهم في المشروعات النووية، فامتلاك تصميم متقدم للمفاعل لا يعني أن عملية الإنشاء يمكن أن تتم دون أخطاء أو ملاحظات، كما أن اكتشاف عيب في الخرسانة أثناء التنفيذ لا يعني تلقائيًا أن المنشأة أصبحت غير آمنة.
لكن في المقابل، فإن جودة التنفيذ تظل عنصرًا أساسيًا في سلامة أي منشأة نووية، لأن التصميم لا يعمل بصورة منفصلة عن المواد المستخدمة وطرق التنفيذ والاختبارات والإجراءات الرقابية.
ولهذا فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بوجود العيوب، وإنما بكيفية اكتشافها وتصنيفها وإصلاحها، ومن يقرر أنها عولجت بصورة نهائية، وما إذا كانت جميع المراحل تخضع للرقابة المطلوبة قبل الانتقال إلى مراحل التنفيذ التالية.
القاهرة: الملاحظات لا تعني خللًا في السلامة
في ردها على التحقيق، أكدت هيئة المحطات النووية أن مشروع الضبعة يُنفذ في إطار الاتفاقيات الحكومية المصرية الروسية، وبموجب عقد للهندسة والإنشاء والتوريد، وتحت رقابة الجهات المختصة.
وأوضحت أن وجود ملاحظات أو حالات عدم مطابقة خلال أعمال الإنشاء لا يُمثل في حد ذاته دليلًا على وجود خلل في سلامة المنشأة، مشيرة إلى أن المشروعات الإنشائية الكبرى، وخاصة المشروعات النووية، تمر بمراحل متعددة من الفحص والمراجعة والإصلاح قبل اعتماد الأعمال.
وأكدت الهيئة أن المشروع يخضع لمنظومة رقابية تضم هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية، باعتبارها الجهة التنظيمية المختصة، إلى جانب هيئة المحطات النووية باعتبارها الجهة المالكة، ومنظومة الجودة التابعة للمقاول الروسي، والاستشاري الفني للمشروع.
وبحسب الرواية المصرية، فإن المقاول المنفذ لا يملك بمفرده صلاحية اعتبار الأعمال نهائية ومطابقة، وإنما تمر الأعمال بمراحل من الفحص والمراجعة قبل اعتمادها.
الخرسانة.. لماذا تثير كل هذه الحساسية؟
تكتسب الأعمال الخرسانية في المحطات النووية أهمية خاصة، نظرًا إلى أن بعض أجزاء المنشأة مصممة لتحمل أحمال وظروف تشغيلية استثنائية.
وقال علي عبد النبي، نائب رئيس هيئة المحطات النووية والخبير الدولي في إنشاء المفاعلات النووية، إن ما أوردته «بوليتيكو» بشأن وجود عيوب في أعمال الخرسانة يمكن أن يحدث خلال تنفيذ المشروعات الإنشائية الكبرى.
وأوضح أن صب كميات ضخمة من الخرسانة قد يؤدي في بعض الحالات إلى ظهور فراغات أو عيوب موضعية، لكن هذه الملاحظات تخضع للفحص والمعالجة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وبحسب شرحه، فإن القضية الأساسية تتمثل في عدم السماح بمرور العيب إلى مرحلة لاحقة إذا ثبت عدم مطابقته للمواصفات.
ومن هذه الزاوية، فإن وجود ملاحظة فنية ليس هو المؤشر الوحيد على سلامة المشروع؛ وإنما الأهم هو فعالية نظام اكتشافها والإبلاغ عنها وإصلاحها والتحقق من الإصلاح واعتماده.
جانب آخر من تحقيق «بوليتيكو» يتعلق بالجدول الزمني
وكان المشروع يستهدف في مراحل سابقة تشغيل الوحدة الأولى في سبتمبر 2028، بينما أشارت وثائق داخلية قالت المجلة إنها اطلعت عليها إلى احتمال تأخر الموعد.
ووفق التحقيق، حذر مشروع تدقيق داخلي أعدته شركة «روساتوم» عام 2025 من وجود «خطر كبير» يتعلق بعدم الوفاء بالالتزامات التعاقدية، وقدّر احتمال تأخر تشغيل الوحدة الأولى بنحو 18 شهرًا، إلى مارس 2030.
كما سبق نشر تقرير في يوليو 2025 تناول ملاحظات وعيوبًا في أعمال الخرسانة وتأثيرها المحتمل على الجدول الزمني للمشروع.
وفي المقابل، تتمسك الحكومة المصرية باستمرار تنفيذ المشروع وفق البرنامج المعلن، وتؤكد أن مواعيد التشغيل ترتبط باستكمال مراحل الإنشاء والتركيب والاختبارات المطلوبة.
وهنا تظهر نقطة مهمة: تأخر مشروع نووي ضخم لا يعني بالضرورة وجود مشكلة في السلامة، لكنه يظل مؤشرًا يستحق المتابعة عندما يرتبط بعوامل تتعلق بجودة التنفيذ أو إعادة الأعمال.
روساتوم.. الطرف الرئيسي في المشروع
تنفذ شركة «روساتوم» الروسية مشروع محطة الضبعة بموجب الاتفاق المصري الروسي. ويتضمن المشروع إنشاء أربع وحدات نووية من طراز VVER-1200، بقدرة إجمالية تبلغ 4800 ميجاوات، أي 1200 ميجاوات لكل وحدة.
كما ترتبط الشركة الروسية، وفق الاتفاقات المعلنة، بأدوار طويلة الأجل في تشغيل المحطة وتقديم الخدمات المرتبطة بها. وهذا يجعل جودة التنفيذ عاملًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى مصر، ليس فقط خلال مرحلة البناء، وإنما على مدى عقود من عمر المشروع.
وتكتسب الملاحظات التي تحدثت عنها «بوليتيكو» أهميتها من كونها مرتبطة بمراحل التنفيذ الحالية، قبل انتقال المحطة إلى مراحل التشغيل التجاري.
ماذا عن الرقابة النووية؟
تؤكد القاهرة أن المشروع لا يخضع لرقابة الجهة المنفذة وحدها؛ حيث تتولى هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية الدور التنظيمي والرقابي داخل مصر، فيما تضطلع هيئة المحطات النووية بدور المالك والمسئول عن تنفيذ المشروع. كما تستعين مصر بخبرات دولية في المجالات المرتبطة بالبنية التحتية النووية والأمان والأمن والضمانات.
وأشارت مصادر رسمية إلى مشاركة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في بعثات لمراجعة البنية التحتية النووية المصرية، من بينها بعثة المراجعة التنظيمية المتكاملة IRRS.
وتختلف طبيعة دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن الدور اليومي للجهة التنظيمية المصرية؛ فالوكالة لا تحل محل الجهة الرقابية الوطنية في إصدار التراخيص أو التفتيش اليومي، وإنما تقدم المراجعة والخبرة والدعم الفني وفق برامج التعاون الدولية.
غروسي في الضبعة
شهد المشروع خلال يوليو الماضي محطة مهمة تمثلت في حضور المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي مراسم تركيب وعاء ضغط مفاعل الوحدة الثانية.
وبدأت عملية تركيب وعاء ضغط مفاعل الوحدة الثانية في 9 يوليو، في خطوة اعتبرتها القاهرة مؤشرًا على تقدم الأعمال ودخول المشروع مراحل متقدمة من التنفيذ.
ويعطي حضور الوكالة الدولية للمشروع بعدًا إضافيًا للرواية الرسمية المصرية بشأن استمرار التعاون الدولي في مجالات الأمان والأمن النووي.
لكن وجود تعاون مع الوكالة الدولية لا يلغي الحاجة إلى الرقابة الوطنية المستمرة، ولا يعني أن كل ملاحظة إنشائية تمثل خطرًا أو أن المشروع أصبح بمنأى عن المخاطر.
ثقافة السلامة هي الاختبار الحقيقي
في المشاريع النووية، لا تقتصر السلامة على التكنولوجيا المستخدمة، فهناك أيضًا ما يُعرف بثقافة السلامة، وهي منظومة من الإجراءات والسلوكيات والرقابة والمسئوليات التي يُفترض أن تجعل اكتشاف الخطأ والإبلاغ عنه وتصحيحه جزءًا طبيعيًا من العمل.
ومن هنا فإن ما كشفه التحقيق الأمريكي بشأن الملاحظات الإنشائية وإجراءات الدخول والانضباط داخل موقع العمل يطرح أسئلة تتجاوز العيوب الخرسانية نفسها.
فإذا كانت هناك مخالفات تتعلق بالدخول أو التصوير أو الالتزام بقواعد الموقع، فإن أهمية التحقيق لا تكمن فقط في طبيعة المخالفة، وإنما في قدرة إدارة المشروع على اكتشافها ومنع تكرارها.
وفي مشروع نووي، تصبح التفاصيل الصغيرة أكثر أهمية لأن ثقافة السلامة تقوم أساسًا على عدم التعامل مع المخالفات باعتبارها أمورًا هامشية.
مشروع استراتيجي لمصر
رغم الجدل، تظل محطة الضبعة واحدة من أكبر مشروعات الطاقة في تاريخ مصر الحديث. وتستهدف المحطة، عند اكتمال وحداتها الأربع، إضافة نحو 4.8 جيجاوات إلى شبكة الكهرباء المصرية من الطاقة النووية.
وتراهن القاهرة على المشروع في تنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على مصادر الوقود الأحفوري، إلى جانب تطوير الخبرات المصرية في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
ولهذا فإن نجاح المشروع لا يرتبط فقط بإنتاج الكهرباء، وإنما أيضًا ببناء صناعة نووية وطنية قادرة على التعامل مع التكنولوجيا والتشغيل والصيانة والرقابة.
بين روايتين.. أين تكمن الحقيقة؟
في جوهر الخلاف الحالي، توجد روايتان. الرواية الأولى، التي قدمتها «بوليتيكو» استنادًا إلى وثائق ومراسلات قالت إنها حصلت عليها، تركز على العيوب الإنشائية ومشكلات الجودة والسلامة واحتمالات التأخير.
أما الرواية المصرية فتقول إن التحقيق خلط بين الملاحظات الطبيعية التي يمكن أن تظهر في أي مشروع إنشائي ضخم، وبين الحكم على سلامة المنشأة، وأن جميع الأعمال تخضع لمنظومة رقابية متعددة المستويات.
والحقيقة الفنية لا يمكن حسمها بمجرد تبادل البيانات الصحفية. فالفيصل الحقيقي هو السجلات الفنية وتقارير الفحص ونتائج الاختبارات وقرارات الجهات التنظيمية، وما إذا كانت الملاحظات قد أغلقت رسميًا بعد إصلاحها والتحقق منها، ومدى تأثيرها الفعلي على الجدول الزمني. وهذه النقطة تحديدًا هي ما يجعل ملف الضبعة بحاجة إلى أكبر قدر ممكن من الشفافية.
السلامة أهم من موعد الافتتاح
في مشروع بهذا الحجم، قد يكون تأخير التشغيل عدة أشهر أقل خطورة بكثير من محاولة الالتزام بموعد زمني على حساب إجراءات الفحص والاختبار. فالمنشأة النووية لا تدخل مرحلة التشغيل لمجرد اكتمال المباني والمعدات، وإنما بعد سلسلة طويلة من الاختبارات والمراجعات والتراخيص.
ومن ثم فإن أي تأخير ناجم عن إعادة تنفيذ أعمال غير مطابقة قد يكون، من منظور السلامة، أفضل من الإسراع في إنهاء الأعمال دون التأكد من مطابقتها.
المشكلة الحقيقية تظهر فقط إذا تحولت الملاحظات إلى نمط متكرر، أو إذا جرى إخفاؤها، أو لم تُعالج وفق الإجراءات المطلوبة، أو أصبحت الضغوط المرتبطة بالجدول الزمني تؤثر على ثقافة السلامة.
الضبعة أمام اختبار الشفافية
بعيدًا عن السجال بين القاهرة و«بوليتيكو»، يبقى مشروع الضبعة مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد بالنسبة إلى مصر.
ولهذا فإن أفضل دفاع عنه لا يتمثل فقط في نفي ما تنشره وسائل الإعلام، وإنما في إتاحة المعلومات الفنية التي يمكن من خلالها تقييم المخاطر بصورة مستقلة.
فالمواطن المصري الذي سيمول المشروع لعقود، ويعتمد على الكهرباء التي سينتجها، من حقه أن يعرف أين وصل المشروع، وما هي الملاحظات التي ظهرت أثناء التنفيذ، وكيف جرى التعامل معها، وما هي الجهة التي اعتمدت الإصلاحات، وما إذا كان الجدول الزمني قد تغير ولماذا.
وفي النهاية، لا تكمن سلامة محطة الضبعة في عدم ظهور أي عيب أثناء بنائها؛ فهذا أمر غير واقعي في مشروع بهذه الضخامة. والسلامة الحقيقية تكمن في اكتشاف العيب، والإعلان عنه، وإصلاحه، واختباره، وعدم السماح له بالانتقال إلى المرحلة التالية.
وهنا تحديدًا سيكون الاختبار الحقيقي لمحطة الضبعة: ليس فقط أن تكتمل في الموعد، وإنما أن تكتمل وفق أعلى معايير الجودة والسلامة، وبقدر من الشفافية يسمح للمصريين بالثقة في المشروع الذي سيبقى جزءًا من منظومة الطاقة في البلاد لعقود طويلة.