حياة المصريين رخيصة فى زمن الانقلاب؛ حيث الإهمال فى كل القطاعات حتى تلك التى قد تؤدى إلى القتل، والتحقيقات واللجان التى تُشكل لمتابعة مثل هذه القضايا شكلية ولا تنتهى إلى شيء، لذلك تتزايد الحوادث الكارثية بصورة يومية .
فى هذا السياق تحولت حمامات السباحة إلى مصائد لقتل براءة الأطفال؛ حيث يُعلن من وقت إلى آخر عن غرق طفل أو شاب خاصة مع زيادة الإقبال على هذه الحمامات فى فصل الصيف سواء فى النوادى أو مراكز الشباب أو حتى القرى السياحية.
آخر تلك الوقائع وفاة طفل 9 سنوات أثناء تدريبات السباحة بنادى غزل المحلة محافظة الغربية، وقبلها أصيب أربعة أطفال باختناق داخل حمام السباحة بنادٍ رياضى بمنطقة مصر الجديدة على وقع إضافة فنى صيانة مادة الكلور إلى المياه أثناء وجود الأطفال داخلها خلال الحصص التدريبية.
وفى يونيو الماضى توفى شاب (15 سنة) غرقًا فى حمام سباحة تابع لمديرية الشباب والرياضة بالدقهلية، وظل 12 دقيقة تحت الماء دون أن يلاحظ أحد.
هيئة عامة للإنقاذ
فى هذا السياق أكد سامح الشاذلي رئيس الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ أن مواجهة تكرار حوادث الغرق فى حمامات السباحة والشواطئ تتطلب تحركًا مؤسسيًا عاجلًا، مطالبًا بإنشاء هيئة عامة للإنقاذ تتبع الاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، بالشراكة مع وزارة الشباب والرياضة والاتحاد المصرى للسباحة، على أن تكون مسئولة عن متابعة حمامات السباحة والشواطئ والفنادق والمنتجعات السياحية، مع منحها الضبطية القضائية للتفتيش على المنقذين والتأكد من حصولهم على الرخص والشهادات التدريبية المعتمدة، والالتزام بمعايير السلامة والأمان.
وأوضح «الشاذلي» فى تصريحات صحفية أن التوسع الكبير فى إنشاء حمامات السباحة خلال السنوات الأخيرة جعل من الصعب إحكام الرقابة عليها، لافتا إلى أنها لم تعد تقتصر على الأندية الرياضية، وإنما امتدت إلى الفنادق والجامعات والمدارس الخاصة والكومباوندات السكنية والقرى السياحية، وهو ما أدى إلى تشابك جهات الإشراف عليها بين الوزارات والهيئات، من بينها الشباب والرياضة، والتعليم، والتعليم العالي، والسياحة، والصحة، والتنمية المحلية، ولذلك أصبح هذا الملف شديد التعقيد.
وأشار إلى أن عددًا من المستثمرين وأصحاب حمامات السباحة لا يلتزمون بتطبيق الأكواد الخاصة بالتشغيل ومعايير السلامة، سواء فيما يتعلق بأعداد المنقذين، أو توفير كراسى الإنقاذ المرتفعة، وأدوات الإنقاذ الأساسية مثل عصا الإنقاذ والصفارة والزى الرسمي، بالإضافة إلى سيارات الإسعاف والمنقذات المؤهلات، وأخطاء العنصر البشري، مثل انشغال المنقذ أو ضعف تركيزه أثناء العمل، تظل من أبرز أسباب وقوع حوادث الغرق والعدد المقرر لحمام السباحة الأوليمبى من المنقذين لايقل عن 8 أفراد إنقاذ.
التأهيل المهنى
وأضاف «الشاذلي» أن بعض مراكز الشباب والمنشآت السياحية تستعين بأشخاص غير حاصلين على شهادات رسمية أو دورات تدريبية معتمدة للعمل كمنقذين، ونسبة كبيرة من العاملين فى هذا المجال غير مؤهلين بالشكل المطلوب، وأن نحو 90% من المنقذين فى عدد من القرى السياحية بالساحل الشمالي، لا يمتلكون التأهيل المهنى اللازم للقيام بمهام الإنقاذ، وهو ما يُمثل خطورة كبيرة على أرواح المواطنين.
وشدد على أن الحصول على رخصة الإنقاذ يخضع لاختبارات دقيقة، فى مقدمتها قدرة المتقدم على السباحة لمسافة 200 متر فى أقل من خمس دقائق، باعتبارها الحد الأدنى لاجتياز الاختبارات، إلى جانب اختبارات أخرى تقيس الكفاءة البدنية والمهارات العملية، لضمان أن يكون المنقذ على مستوى الجودة المطلوبة وقادر على التعامل مع حالات الطوارئ وإنقاذ الغرقى بكفاءة.
وكشف «الشاذلي» أن مصر تضم ما يقرب من 15 ألف حمام سباحة داخل الأندية ومراكز الشباب، بخلاف الفنادق والمنتجعات السياحية، فى حين لا توجد قاعدة بيانات دقيقة ترصد أعداد حمامات السباحة التابعة للوزارات والهيئات الأخرى، الأمر الذى يعوق الرقابة الشاملة، مجددًا مطالبته بإنشاء هيئة متخصصة للإنقاذ تتمتع بصلاحيات التفتيش والرقابة، بما يضمن تطبيق الأكواد الفنية، ورفع كفاءة المنقذين، والحد من حوادث الغرق.
إجراءات السلامة
قال الكابتن على محمود مدرب سباحة بأحد الأندية، إن تكرار حوادث الغرق داخل حمامات السباحة يكشف وجود خلل فى الالتزام بإجراءات السلامة داخل المنشآت الرياضية، مشددا على أن وجود منقذ مؤهل لا يقل أهمية عن وجود المدرب نفسه، وأولياء الأمور يعتقدون أن اشتراك الطفل فى تدريب السباحة يعنى أنه أصبح فى أمان كامل، بينما تظل مسئولية التأمين داخل حمام السباحة مشتركة بين المدرب والمنقذ وإدارة المنشأة،
وحذر محمود فى تصريحات صحفية من أن الأطفال، خاصة فى المراحل العمرية الصغيرة، قد يتعرضون لحالات غرق صامتة لا يصاحبها صراخ أو استغاثة، وهو ما يتطلب يقظة مستمرة وسرعة تدخل خلال الثوانى الأولى، مع ضرورة الالتزام بالنسبة القانونية لعدد المنقذين وفق مساحة الحمام وعدد المتدربين.
وأشار إلى أن بعض الأماكن والأندية والقرى السياحية تعتمد على أفراد غير مؤهلين أو غير حاصلين على دورات إنقاذ معتمدة تابعة للاتحاد المصرى للغوص والإنقاذ، وهو ما يمثل خطورة كبيرة، مطالبا بتكثيف حملات التفتيش للتأكد من صلاحية المنقذين ومنها تنفيذ تدريبات بدنية وفنية، وتوافر أدوات الإنقاذ والإسعافات الأولية، وعدم السماح بتشغيل أى حمام سباحة يخالف اشتراطات الأمن والسلامة .
وأوضح محمود أن الوقاية من حوادث الغرق تبدأ قبل النزول إلى المياه، من خلال تقييم مستوى السباح، والالتزام بتعليمات المدربين، وعدم ترك الأطفال دون رقابة، إلى جانب إجراء صيانة دورية لحمامات السباحة ومراجعة جودة المياه بشكل مستمر.
كشف طبى
قال استشارى القلب الدكتور شريف عبدالهادي، إن إجراء فحص طبى شامل قبل ممارسة الأنشطة الرياضية، خاصة السباحة والرياضات التنافسية، أصبح ضرورة لحماية الأطفال والشباب من المضاعفات الصحية المفاجئة، مؤكدًا أن الكشف المبكر قد ينقذ حياة الكثيرين.
وأوضح عبدالهادى فى تصريحات صحفية أن الفحص الطبى يجب ألا يكون إجراءً شكليًا، وإنما يتم داخل مراكز طبية معتمدة وبواسطة متخصصين، مع ضرورة عدم السماح لأى شخص بممارسة الرياضة قبل التأكد من سلامته الصحية واستبعاد أى أمراض بالقلب أو الجهاز الدورى قد تعرضه للخطر أثناء المجهود البدني .
وأضاف الكشف الطبى يبدأ بالفحص الإكلينيكى وتقييم الحالة العامة للاعب، ثم قياس ضغط الدم، وإجراء رسم قلب، وموجات صوتية على القلب (الإيكو)، وقد يتطلب الأمر إجراء رسم قلب بالمجهود فى بعض الحالات، خاصة بالنسبة لممارسى الرياضات التى تعتمد على مجهود بدنى مرتفع، مثل السباحة وكرة القدم والألعاب الجماعية، وكذلك طلاب المدارس والكليات الرياضية.
وأشار عبدالهادى إلى أن الفترة الأخيرة شهدت اكتشاف عدد من الحالات الخطيرة خلال الفحوصات الدورية، مؤكدا انه استقبل منذ أسابيع لاعب كرة يد فى ناد شهير، يشكو من أعراض بسيطة بعد ممارسة الرياضة، وأثبتت الفحوصات وجود ورم داخل الأذين الأيسر وتم استئصال الورم، وهو ما استدعى التدخل الطبى العاجل، وأنه تعامل أيضًا خلال الأسبوع الماضى مع حالة أخرى لأحد الرياضيين، وهو ما يؤكد أهمية الفحص المبكر وعدم الاكتفاء بغياب الأعراض.
وشدد على أن الاكتشاف المبكر لأمراض القلب يُسهم بشكل كبير فى تجنب حالات الوفاة المفاجئة داخل الملاعب وحمامات السباحة، مطالبًا بتطبيق الفحص الطبى الإلزامى والدورى لجميع الرياضيين، وعدم منح أى لاعب تصريحًا بالمشاركة فى التدريبات أو المنافسات إلا بعد التأكد من لياقته الصحية بشكل كامل.