كشفت مصادر سعودية مطلعة، بحسب تقرير نشره موقع "ميدل إيست آي"، عن وجود تحفظ سعودي على انضمام مصر إلى اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة، الأسبوع الماضي، مشيرة إلى أن الرياض تُفضل في الوقت الحالي استمرار القاهرة خارج الاتفاق.
وبحسب التقرير، فإن الموقف السعودي جاء رغم مساعٍ تركية لإدراج مصر ضمن الاتفاق، الذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، في إطار تعزيز التعاون الدفاعي والأمني بينها.
ونقل «ميدل إيست آي» عن ثلاثة مصادر سعودية مطلعة على المناقشات، تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها، أن تحفظ الرياض يرتبط بما وصفته المصادر بتزايد حالة عدم الرضا عن أداء القاهرة في عدد من الملفات الإقليمية، إلى جانب تقييم سعودي بأن الدور الذي يمكن أن تقدمه مصر ضمن ترتيبات أمنية جديدة لم يعد بالمستوى نفسه الذي كانت تقدمه في السابق.
اتفاق مكة.. تحالف دفاعي جديد
ويجمع الاتفاق الدفاعي الجديد بين السعودية وتركيا وباكستان، ويلزم أطرافه بالتعامل مع أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث باعتباره اعتداءً على الدول المشاركة في الاتفاق.
ووفق التقرير، فإن الاتفاق لا يزال يثير تساؤلات بشأن آليات تفعيله عملياً، وطبيعة الحالات التي تستدعي التدخل المشترك، وكيفية تقديم الدعم العسكري في حال وقوع أزمة.
وترى المصادر السعودية، بحسب «ميدل إيست آي»، أن الاتفاق يمثل إطاراً لتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة، وأن اختيار تركيا وباكستان يرتبط أيضاً بما تمتلكانه من قدرات عسكرية وصناعات دفاعية يمكن أن تضيف قيمة إلى الترتيبات الجديدة.
تحفظات سعودية على القاهرة
وأرجعت المصادر السعودية موقف الرياض إلى تراكم عدد من الخلافات والتباينات مع القاهرة، مشيرة إلى أن السعودية كانت من أبرز الداعمين لمصر خلال السنوات الماضية، لكنها باتت، وفق رواية المصادر، أكثر تشككاً في حجم ما تحصل عليه مقابل هذا الدعم على صعيد الملفات الأمنية والإقليمية.
وتحدثت المصادر عن الدور المصري في الحرب التي خاضتها السعودية ضد جماعة الحوثيين في اليمن، واعتبرت أن المشاركة المصرية لم تكن، من وجهة نظرها، بالمستوى المتوقع.
كما أشارت إلى موقف القاهرة خلال الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، معتبرة أن تحركات مصر خلال تلك الفترة لم تعكس، بحسب تقييمها، مستوى الاصطفاف الذي كانت الرياض تتوقعه.
العلاقة مع الإمارات في قلب الخلاف
ويبرز العامل الإماراتي باعتباره أحد الملفات التي تزيد من التباين بين القاهرة والرياض، وفق المصادر التي تحدث إليها الموقع.
وبحسب التقرير، تنظر الرياض بقلق إلى تنامي التقارب المصري الإماراتي، خصوصاً في ظل الخلافات السعودية الإماراتية بشأن عدد من الملفات الإقليمية، ومن بينها اليمن.
كما ربطت المصادر السعودية تحفظاتها بمواقف إماراتية من ملفات أخرى، بينها الصومال وإثيوبيا وسد النهضة والسودان والعلاقة مع إسرائيل، معتبرة أن استمرار القاهرة في التعاون الوثيق مع أبوظبي يزيد من علامات الاستفهام حول خياراتها الاستراتيجية.
ونقل التقرير عن أحد المصادر وصف العلاقة بين السعودية ومصر في عهد عبد الفتاح السيسي بأنها أصبحت، من وجهة نظره، علاقة تعتمد فيها القاهرة بصورة متزايدة على الدعم الخليجي، في مقابل مساهمة أقل في الملفات الأمنية الإقليمية.
تركيا دفعت باتجاه مشاركة مصر
في المقابل، كشف التقرير عن أن تركيا كانت أكثر حماساً لانضمام مصر إلى الاتفاق.
ونقل الموقع عن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قوله إن مصر تمثل «شريكاً طبيعياً» لتركيا، وإن عدم انضمامها في المرحلة الحالية لا يعني إغلاق الباب أمام مشاركتها مستقبلاً، خصوصاً بعد معالجة ما وصفها بالقضايا الفنية.
وبحسب مصادر تركية تحدثت إلى "ميدل إيست آي"، بذلت أنقرة جهوداً لإدراج القاهرة ضمن الاتفاق، إلا أن الأطراف المشاركة قررت المضي قدماً من دون مصر بعد عدم التوصل إلى اتفاق بشأن مشاركتها.
في المقابل، رفضت المصادر السعودية رواية أن مصر هي التي اختارت عدم الانضمام، وقالت إن التحفظ الأساسي جاء من جانب الرياض.
لماذا تركيا وباكستان؟
وتشير المصادر التي نقل عنها التقرير إلى أن السعودية ترى أن تركيا وباكستان تمتلكان قدرات عسكرية وصناعات دفاعية يمكن أن تمنح الاتفاق قيمة استراتيجية أكبر.
فتركيا تمتلك صناعة دفاعية متطورة، بينما تتمتع باكستان بقدرات عسكرية وصناعية دفاعية واسعة، فضلاً عن امتلاكها جيشاً كبيراً وخبرة عسكرية ممتدة.
وفي المقابل، انتقدت المصادر السعودية طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه مصر في مثل هذا التحالف، وربطت ذلك بتقييمها للقدرات التصنيعية والعسكرية المصرية ومدى جاهزية القوات المسلحة.
وأكدت المصادر أن القرار السعودي، بحسب روايتها، لا يرتبط فقط بالمواقف السياسية للقاهرة، وإنما أيضاً بتقييم ما تستطيع مصر تقديمه عملياً داخل منظومة أمنية إقليمية جديدة.
هل يعكس الأمر تراجعاً للدور المصري؟
ويأتي الجدل حول استبعاد مصر من اتفاق مكة في ظل نقاش أوسع بشأن طبيعة الدور المصري في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وأشار تقرير"ميدل إيست آي" إلى تقييمات إعلامية وسياسية تتحدث عن تراجع الدور المصري باعتباره أحد مراكز الثقل التقليدية في النظام الإقليمي العربي، مقارنة بما كان عليه خلال عقود سابقة.
وكانت مصر قد لعبت أدواراً عسكرية وسياسية بارزة في ملفات إقليمية عدة، كما شاركت في التحالف الدولي لتحرير الكويت عام 1991، وكانت لعقود شريكاً أمنياً مهماً لدول الخليج.
إلا أن المصادر السعودية التي تحدث إليها الموقع ترى أن طبيعة العلاقات الإقليمية تغيرت، وأن الرياض باتت تبحث عن شراكات أمنية تقوم بدرجة أكبر على المشاركة المتبادلة وتقاسم الأعباء.
الباب لم يُغلق أمام مصر
ورغم التحفظ السعودي الحالي، شددت المصادر الثلاثة التي تحدث إليها "ميدل إيست آي" على أن الاتفاق لا يغلق الباب أمام انضمام مصر مستقبلاً.
وبحسب الرواية التي أوردها التقرير، فإن الموقف السعودي يتمثل في إبقاء القاهرة خارج الاتفاق في المرحلة الحالية، مع إمكانية إعادة النظر في الأمر مستقبلاً إذا طرأت تغييرات على العلاقات المصرية السعودية أو على طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه القاهرة داخل منظومة الأمن الإقليمي.
ويفتح هذا التطور الباب أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل التحالفات الأمنية في المنطقة، وما إذا كان اتفاق مكة يمثل بداية لتشكيل ترتيبات دفاعية جديدة تعتمد على شراكات متعددة الأطراف، أم أنه سيظل إطاراً محدوداً بين الدول الثلاث الموقعة عليه.