مراقبون: انسحاب السيسي من “تحالف مكة” يضع مصر في تحالف (أبوظبي- تل أبيب)

- ‎فيتقارير

مسار "اتفاق مكة" للدفاع المشترك الذي جمع بين المملكة العربية السعودية، وجمهورية تركيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، ورغم الآمال الكبيرة والزخم السياسي والإعلامي الذي تعلقت به الأبصار على هذا الحلف الاستراتيجي ليشكل نواة صلبة لقوة إسلامية وعربية متماسكة وقادرة على حماية أمن أقاليمها، إلا أن مسار الأمور شهد انعطافات حادة تمثلت أبرزها في الانسحاب أو الغياب المصري المثير للجدل والتساؤلات، والذي فسرته التحليلات المعمقة ارتباط القاهرة بمسارات استراتيجية أخرى تتقاطع مع محور أبوظبي وتل أبيب، وسط تباين واسع وموسع في قراءات النخب الفكرية والمحللين الاستراتيجيين حول دوافع هذا التراجع ومآلاته المستقبلية على توازن القوى بالمنطقة.

البعد الديني والعقائدي

وتطرق الأكاديمي البارز عصام عبد الشافي إلى غياب البعد الديني بشكل شبه كامل عن الأدبيات السياسية والأكاديمية التقليدية التي لطالما حصرت تحليلات العلاقات الدولية في ثنائية مادية ضيقة تتمثل في "الأمن مقابل النفط"، مشيراً من واقع أطروحته ودراساته المعمقة إلى أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تحمل في طياتها أبعاداً دينية وعقائدية عميقة لا تقل بأي حال من الأحوال أهمية عن الأبعاد العسكرية والاقتصادية البحتة، نظراً لما تتمتع به المملكة العربية السعودية من مكانة دينية ورمزية كبرى وقبلة للمسلمين في العالم ومصدر للشرعية الداخلية والخارجية.

وأوضح أن هذه الجوانب تستدعي مقاربات بحثية أكاديمية معمقة لفهم التأثيرات المستقبلية العميقة لهذه التحالفات الناشئة على طبيعة السياسات الدولية الكبرى.

https://www.facebook.com/photo/?fbid=4427877324147199&set=a.1434814640120164

 

 

وفي ذات السياق التحليلي، كان الأمل أن تنضم مصر فبحسب ما استعرض المستشار العسكري الكويتي ناصر الدويلة @nasser_duwailah في يونيو الماضي عن أهمية التقارب الخليجي الواسع الذي تقوده السعودية بحكمة مع كل من تركيا وباكستان ومصر، معتبراً أنه يبشر بقيام محور عربي وسني وازن وقادر على التصدي للمشاريع التوسعية والإقليمية في المنطقة، ومشيداً بالجهود الدبلوماسية والعسكرية المبذولة بهدف صياغة أكبر قوة اقتصادية وصناعية وعسكرية تقف حائط صد منيع أمام الأطماع الخارجية والتحديات الجيوسياسية المعقدة التي تهدد أمن واستقرار الأمة الإسلامية والعربية.

تفاصيل "اتفاق مكة" وأهداف الأطراف المؤسسة وقدراتها الردعية

 

تناول الكاتب الصحفي قطب العربي @kotbelaraby بالتفصيل مسار توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين قادة الدول الثلاث السعودية وتركيا وباكستان بعد عام كامل من المفاوضات السرية والعلنية، موضحاً أن الاتفاق يمنح الرياض مظلة أمنية وقوة ردع استراتيجية كبرى تستند إلى القدرات العسكرية المتطورة والصناعات الدفاعية التركية المتقدمة التي أثبتت جدارتها في حسم العديد من المعارك الإقليمية الحديثة، فضلاً عن الاعتماد على القدرة النووية والجيش الباكستاني العريق ذي الخبرة القتالية الواسعة. وأشار العربي إلى أن تركيا تسعى من خلال هذا المحور الاستراتيجي لإنعاش اقتصادها المأزوم وجذب تدفقات الاستثمارات السعودية الكبرى، بينما تستفيد باكستان اقتصادياً وعسكرياً، مع الإقرار بوجود تحديات كبرى تواجه هذا التكتل تتمثل أساساً في الموقف الأمريكي وردود الفعل المحتملة للوبي الصهيوني الداعم لإسرائيل في واشنطن.

 

دوافع الغياب المصري

وشكل الموقف المصري وغياب القاهرة الملحوظ عن التوقيع النهائي لاتفاق مكة محور نقاش ساخن وعاصف بين المحللين والنخب السياسية، خاصة في ظل مشاركة مصر السابقة في جلسات واجتماعات تمهيدية عديدة. وفي هذا السياق الميداني، قدم الكاتب أحمد الشيخ @alfihrest قراءة نقدية لاذعة ومباشرة للموقف المصري، معتبراً أن سياسة القاهرة الرسمية تبدو في جوهرها ومضمونها أقرب بكثير إلى محور أبوظبي وتل أبيب محكومة بحسابات مالية واقتصادية ضيقة ومؤقتة، وتكتفي دائماً بلعب دور المراقب السلبي الذي ينتظر النتائج ثم يحاول لاحقاً ادعاء الدور وتوظيفه، وهو ما اعتبره انعكاساً خطيراً لانكفاء دور دولة مركزية كان يُفترض بها أن تصنع الأحداث التاريخية لا أن تكتفي بالمناورة السياسية البحتة للدول الصغيرة الباحثة عن النجاة المؤقتة.
 

وعزز هذا الطرح التحليلي الباحث الدكتور عز الدين محمود @ezzmahmoud1 بالإشارة إلى أن غياب مصر وعدم إشراكها في الترتيبات النهائية يعود لأسباب استخباراتية واختبارات معلوماتية دقيقة أظهرت بوضوح عدم وثوقية الجانب المصري في الحفاظ على أسرار التحالفات الحساسة وسرعة تسريبها وتناقلها مع أطراف غربية وإسرائيلية، مما جعل دول التحالف تتجنب تماماً إشراكه في النهائيات الاستراتيجية الحساسة.

 

كما أضاف الحقوقي وليد شرابي @waleedsharaby رؤيته المسبقة في مايو الماضي عندما أكد أن طبيعة المشهد الإقليمي الراهن تكشف بوضوح عن وجود حلف استراتيجي تشكل بالفعل بين تركيا والسعودية وباكستان في مقابل حلف آخر تشكل بين الإمارات وإسرائيل، بينما يقف النظام المصري بشكل كامل خارج كلا الحلفين مكتفياً بوضع التبعية المطلقة لدولة إقليمية أخرى دون شراكة فعلية أو ندية حقيقية.

المشهد الأمني الإقليمي

وسلط تقرير إخباري وتحليلي صادر عن شبكة دويتشه فيله (Deutsche Welle) الألمانية في شهر يناير من عام 2026 الضوء بشكل موسع على حزمة صفقات الدفاع السعودية الكبرى التي اعتبرت أنها قد تغير بالكامل المشهد الأمني والاستراتيجي في الشرق الأوسط، مبيناً أن هذه التحالفات المتسارعة تأتي كاستجابة مباشرة وموضوعية للتراجع المستمر في مظلة الحماية الأمنية الأمريكية، وتنامي القناعة الراسخة لدى عواصم المنطقة بأن واشنطن لم تعد شريكاً أمنياً موثوقاً يمكن الاعتماد عليه في الأزمات الكبرى، بالتزامن مع تصاعد التوترات والانقسامات الهيكلية الواضحة في العلاقات السعودية الإماراتية على خلفية ملفات الصراع في السودان واليمن، ومقابلة أبوظبي لهذه التطورات بتعزيز شراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى مع قوى إقليمية ودولية منافسة كالهند.

 

وفي سياق متصل، شهد شهر مارس من عام 2026 تكريساً كاملاً لهذه المعادلات المعقدة عبر إبرام المملكة العربية السعودية اتفاقية دفاع استراتيجية مع باكستان، تزامنت مع إبرام دولة الإمارات العربية المتحدة اتفاقية دفاعية شاملة مع الهند، وانضمام قطر لاتفاقية دفاعية وثيقة مع تركيا، ناهيك عن بقية الارتباطات بالمظلة العسكرية الأمريكية. والأكثر لفت للانتباه هو أن كل من باكستان والهند قامتا بالتنسيق المنفرد والمنفصل مع إيران بغرض ضمان تأمين وتمرير صادراتهما النفطية والتجارية بسلاسة عبر ممر مضيق هرمز الحساس، مما يعكس بوضوح مدى تشابك المصالح الاقتصادية وتقعير الخرائط الجيوسياسية في المنطقة برمتها وسط صراعات النفوذ الإقليمية والدولية المتصاعدة.