في عام 2015 وقع المنقلب عبد الفتاح السيسي، تحت ضغط حاجته للاعتراف الدولي بنظامه، على اتفاق مبادئ بموجبه اعطي اثيوبيا الحق في بناء السد، كما اعطي المؤسسات المالية الدولية الضوء الأخضر لتمويل البناء، وتنازل عن التمسك بحقوق مصر والسودان التاريخية في مياه النيل والمشاركة في تشغيل السد بما يضمن حصول جميع الأطراف علي احتياجاتها من المياه.
وخلال عشر سنوات من المفاوضات العبثية لم تتمكن مصر من الحصول على أي ضمانات بحقوقها التاريخية في مياه النيل وان تضمن إدارة مثالية للمياه في سنوات الجفاف والوفرة، حيث تتعنت اثيوبيا بخصوص إدارة السد بشكل منفرد دون النظر الي احتياجات دول المصب.
ورصدت وزارة الموارد المائية والري مؤشرات فنية بشأن تذبذب إيرادات النيل الأزرق خلال موسم الفيضان الحالي، في ظل استمرار تشغيل إثيوبيا سد النهضة أحادياً.
وكان وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبد العاطي قد بحث، الأحد الماضي، مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشئون العربية والأفريقية مسعد بولس، عدداً من ملفات الأمن الإقليمي، من بينها الأمن المائي وملفات أخرى. وربط خبراء بين الدور المصري بما له من قوة توازن في الشرق الأوسط، وما اعتبروه محاولات للضغط على القاهرة عبر ورقة المياه.
الأمن المائي والقواعد الدولية
وأكد وزير الخارجية خلال اللقاء أهمية الالتزام بقواعد القانون الدولي الحاكمة لاستخدام الموارد المائية العابرة للحدود، بما يحقق مصالح جميع دول حوض النيل، مجدداً رفض مصر للإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، ومشدداً على أن الأمن المائي يمثل قضية وجودية بالنسبة لمصر.
ويأتي طرح الملف أمام المسئول الأميركي في وقت تكثف فيه القاهرة رسائلها السياسية والفنية بشأن تداعيات استمرار إثيوبيا في إدارة سد النهضة بصورة منفردة، من دون اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليتي الملء والتشغيل أو آلية لتبادل البيانات مع دولتي المصب.
وأعلنت وزارة الموارد المائية والري، عقب اجتماع اللجنة الدائمة لتنظيم إيراد نهر النيل برئاسة الوزير هاني سويلم، الأحد الماضي، أن الإيراد المائي للنهر خلال شهر يوليو الحالي حتى تاريخه جاء أقل من المتوسط، موضحة أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على طبيعة فيضان العام المائي، إذ تتضح الصورة بصورة أكبر بعد الأيام العشرة الأولى من أغسطس المقبل مع اكتمال وصول الجزء الأكبر من إيراد النيل الأزرق. ويخشى السودان من أن تقوم إثيوبيا فجأة بفتح السد وإطلاق كميات كبيرة من المياه، مما قد يؤدي إلى حدوث فيضانات في السودان
من جانبه يرى محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، أنه عند مناقشة مقترحات حل أزمة سد النهضة الإثيوبي، يجب أولاً إدراك أن الحجة القائلة إن الغرض الرئيس من سد النهضة هو توليد الكهرباء، التي يمكن معالجتها عبر حلول بديلة، إذ يمكن لإثيوبيا توليد الكهرباء وتوزيعها على سكانها، غير أن هناك مشكلات فنية بما في ذلك قضايا تتعلق بالتوربينات تُحل من خلال التنسيق والاستعانة بالخبرات المصرية، لافتا إلى أن الجانب الإثيوبي لا يزال يعاني من قصور في هذا المجال، وأن التعاون الفني قد يسهم في تذليل هذه العقبات.
وأكد أن تبادل المعلومات والبيانات بين مصر والسودان وإثيوبيا من شأنه أن يُسهم في تحسين إدارة موسم الفيضان، مشدداً على أن التعاون الحقيقي بين الدول الثلاث وتبادل البيانات المتعلقة بتدفقات المياه وتشغيل السدود أمر بالغ الأهمية للتعامل مع أي تغيرات في وفرة المياه.
وأشار علام إلى أن مياه نهر النيل في الجزء الشمالي من السودان قد جفت نتيجة لأسلوب تشغيل "سد النهضة الإثيوبي الكبير"، فضلاً عن غياب التنسيق السوداني الكافي بشأن استخدام مخزون المياه في السدود السودانية بالتزامن مع تشغيل السد الإثيوبي، مضيفا أن السودان يواجه موقفاً صعباً لعدم معرفته ما إذا كان ينبغي عليه إطلاق المياه المخزنة في سدوده أم لا؛ إذ يخشى السودان أنه في حال إطلاقه للمياه، قد تقوم إثيوبيا فجأة بفتح السد وإطلاق كميات كبيرة من المياه، مما قد يؤدي إلى حدوث فيضانات في السودان.
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة في حال انخفاض منسوب الفيضان، أكد علام أن حدوث الجفاف أمر وارد، موضحاً أن الدول التي تتحكم في مياه النيل الأزرق، وفي حال وجود تنسيق فيما بينها، يمكنها الاتفاق على أن تحصل كل منها على حصتها من المياه وفقاً لاحتياجاتها، مع إمكانية تعويض النقص في التدفقات المائية بالاستفادة من السعة التخزينية لخزان السد العالي.
وقال أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، نادر نور الدين إنه من المتوقع انخفاض إيرادات النيل الأزرق من 50 مليار متر مكعب إلى ما بين 20 و25 مليار متر مكعب، مضيفاً أن إثيوبيا تتمسك باستكمال ملء بحيرة السد وتعويض الفاقد الناتج عن البخر، من دون مراعاة الأوضاع المائية التي يوجهها السودان، مشيرا إلى أن السودان لم يستقبل خلال شهر يوليو الحالي أي كميات من المياه، رغم أن التدفقات المعتادة خلال هذه الفترة تبلغ نحو 12 مليار متر مكعب سنوياً.
كيف تتصرف إثيوبيا؟
وتابع نور الدين أن إثيوبيا تواصل تخزين المياه خلف سد النهضة بدلاً من تمريرها إلى السودان، رغم وجود اتفاقيات مصرية إثيوبية بفتح بوابات السد خلال سنوات الجفاف، مع خفض إنتاج الكهرباء بنسبة 80%، بما يحقق التوازن بين تشغيل السد وتخفيف آثار نقص المياه على دولتي المصب.
وأوضح أن جوانب الأنهار وقيعانها بدأت تنكشف بصورة واضحة نتيجة انخفاض منسوب المياه، مهدداً الأمن المائي عبر ظهور مساحات واسعة من الأراضي الطميية والرملية التي كانت مغمورة بالمياه، لافتا إلى أن الأزمة الأكثر خطورة تتمثل في توقف محطات تنقية مياه الشرب في الخرطوم، بسبب عدم وصول كميات المياه اللازمة لتشغيلها، وارتفاع معدلات العكارة بشكل كبير، الأمر الذي حال دون قدرة محطات التنقية على معالجة المياه وفق المعايير المطلوبة.
أما عن الوضع المائي لمصر، فقد أكد نور الدين أن مصر تمتلك مخزوناً استراتيجياً من المياه في بحيرة السد العالي يكفي لتلبية احتياجاتها لمدة لا تقل عن خمس سنوات، مستفيداً من الوفرة المائية التي شهدتها السنوات السبع الماضية، وهو ما يحد من تأثير الأزمة الحالية على الاحتياجات المائية للبلاد.
ولفت إلى أن مصر لم تشهد إلا ثلاث حالات جفاف تاريخياً، آخرها بدأت عام 1981 وامتدت حتى 1988، ولولا الفيضان في 1988 لكانت الحكومة المصرية قد اتخذت إجراءات صارمة محليا لتقليل استهلاك المياه آنذاك.
وشدّد نور الدين على أهمية وجود وساطة دولية تُلزم إثيوبيا بفتح بوابات سد النهضة خلال فترات الجفاف، مع مراعاة الأوضاع الإنسانية والاحتياجات المائية، تحديداً الأمن المائي للسودان ومصر، والالتزام بقواعد تشغيل السد بما يتناسب مع ظروف السنوات الشحيحة مائياً.
وتتوافق هذه القراءة مع ما أعلنته السلطات السودانية أخيراً، إذ أكدت الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري السودانية أن إيراد النيل الأزرق سجل حتى منتصف يوليو الحالي مستويات مائية جيدة تتجاوز المتوسط العام ومعدلات العام الماضي، إلا أنها رصدت انخفاضاً مؤقتاً في الوارد اليومي إلى بحيرة خزان الروصيرص خلال الفترة بين السابع والتاسع من يوليو الحالي، ما انعكس على تصريفات خزان الروصيرص وخزان سنار، وأدى إلى تراجع مؤقت في مناسيب النيل بعدد من المحطات.
وأرجعت الوزارة السودانية هذا الانخفاض بصورة مباشرة إلى تراجع تصريفات سد النهضة الإثيوبي خلال تلك الفترة، مؤكدة أن إنشاء السد غيّر الهيدرولوجيا الطبيعية للنيل الأزرق، وأن الخزانات السودانية باتت تتعامل مع هذه المتغيرات عبر إجراءات تشغيلية مستمرة لضمان استقرار الإمدادات المائية.