“الدرع المكوكي” للكيان ليندسي جراهام.. سعادة بهلاكه في أوساط المحليين كصاحب فكرة سحق غزة بالنووي!

- ‎فيعربي ودولي

شهدت الساحة السياسية الأمريكية والدولية حدثاً بارزاً بوفاة مفاجأة للسيناتور الجمهوري البارز ليندسي جراهام عن عمر ناهز 71 عاماً بعد وعكة صحية مفاجئة، ولم يكن جراهام مجرد عضو اعتيادي في مجلس الشيوخ الأمريكي، بل كان ركيزة أساسية من ركائز السياسة الخارجية الصقورية لواشنطن، وأحد أكثر المدافعين شراسة عن الكيان الصهيوني ومصالحها في الكونجرس، ومخططاً إستراتيجياً سعى حتى ساعاته الأخيرة لإعادة صياغة الخارطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط يطوف بين أبوظبي والرياض وتل أبيب في محاولات لاهثة لإدراك التطبيع.

الدعوة لتسوية غزة والتلويح بالنووي

 

ارتبط اسم ليندسي جراهام خلال أشهر الحرب الأخيرة على قطاع غزة بسلسلة من المواقف والتصريحات التي اعتُبرت الأكثر تطرفاً وحدّة في تاريخ السياسة الأمريكية الحديث، ففي أعقاب اندلاع المواجهات، ظهر جراهام على شاشات الإعلام الأمريكي ليعلن انحيازه المطلق واللا مشروط للجانب الصهيوني، مُطلقاً تصريحه الشهير عبر شبكة "فوكس نيوز": "نحن في حرب دينية هنا، وأنا أقف مع "إسرائيل" بشكل كامل. قوموا بتسوية المكان بالأرض".
 

تشكل الوفاة ضربة موجعة للجناح الصقوري التقليدي التدخلي، داخل الحزب الجمهوري في مواجهة تصاعد نفوذ "اليمين الجديد" بقيادة نائب الرئيس جيه دي فانس وماركو روبيو، والذين يميلون نحو سياسة الانكفاء وتقليص الانخراط العسكري في الشرق الأوسط للتركيز على التهديد الصيني، وكان جراهام يمثل "نجم القطب" الذي يقنع ترامب بضرورة إبقاء الشرق الأوسط في قلب أولويات الأمن القومي لمنع أي تهديدات مستقبلية، وغيابه قد يفسح المجال لتحولات جذرية نحو نهج "أمريكا أولاً" الانعزالي، وتراجع الزخم وراء إستراتيجية "الضغط الأقصى" والتهديد العسكري المباشر ضد طهران وسوريا.
 

أصداء وتفاعلات الآراء

وأثارت وفاة السيناتور الأمريكي ردود فعل واسعة ومتناقضة بشدة على منصات التواصل الاجتماعي بين الأوساط السياسية والإعلامية العربية، حيث امتزجت مشاعر الارتياح برحيل رجل عُرف بعدائه الشديد للمنطقة، بقراءة الأبعاد الإستراتيجية لغيابه.

 

وفي هذا السياق، عبّر الكاتب والإعلامي يوسف الدموكي عن موقفه بعبارات حادة تعكس حجم الغضب من مواقف السيناتور تجاه غزة، قائلاً في تدوينته:

"قُبض اليوم أحد أكبر سفلة العدم، رجلٌ لو مُزج ريقه بماء البحر لمزجه سُمًّا، عتلٌ زنيم، وأحد أخبث المبعوثين في منطقتنا منذ عقود، وهو الذي طالب بلاده أميركا بمنح 'إسرائيل' القنابل النووية لإلقائها على غزة خاصةً أنه يرى الكارثة النووية في هيروشيما وناجازاكي كانت قراراً صائباً… في جحيم وسقر يا ليندسي جراهام اللعين."

https://x.com/yousefaldomouky/status/2076197598717677992

 

 

من جانبه، ركز الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة على رصد حالة الحزن والصدمة التي خيمت على الأوساط الرسمية والإعلامية "الإسرائيلية"، واصفاً إياها ببكائيات الكيان على رحيل حليفهم الإستراتيجي:

"نموذج لبكائيات الكيان ورموزه للمجرم الأمريكي الهالك… إلى الجحيم."

https://x.com/YZaatreh/status/2076385849340571667

بينما تناول الناشط والإعلامي عبد الله السحيم أبعاد الوفاة من منظور التحول الإقليمي والدولي، مشيراً إلى أن رحيله يتزامن مع تغيرات ملموسة في الرأي العام الأمريكي والجامعات تجاه الدعم المطلق للكيان:

"مات ليندسي جراهام… الرجل الذي طالب بإعطاء "إسرائيل" القنابل النووية لضرب غزة، رحيل ليندسي غراهام لا يعني مجرد وفاة سيناتور أمريكي، بل رحيل واحد من أبرز وجوه مرحلة سياسية كاملة، مرحلة كان فيها دعم إسرائيل داخل واشنطن يكاد يكون غير قابل للنقاش، أما اليوم فإن المشهد يتغير تدريجياً، حتى تفهم ما يدور حولك انصحك صديقي العزيز مشاهدة الجزء الثالث من كتاب "فن الحرب".

https://youtu.be/cpHCHtL4iJ8

ولم تتوقف اندفاعة السيناتور الراحل عند هذا الحد، بل ذهب إلى مدى أبعد أثار موجة عارمة من التنديد الدولي والحقوقي عندما انتقد علناً إدارة الرئيس السابق جو بايدن لوقفها بعض شحنات الأسلحة للكيان الصهيوني.

وخلال مقابلة تلفزيونية على شبكة "NBC"، عمد جراهام إلى تشبيه الحرب في غزة بالقرار الأمريكي بإسقاط القنابل النووية على مدينتي هيروشيما وناجاساكي إبان الحرب العالمية الثانية لإنهاء الصراع مع اليابان، معتبراً أن ذلك كان "القرار الصحيح"، ومضيفاً بشكل مباشر: "أعطوا "إسرائيل" القنابل النووية التي تحتاجها لإنهاء الحرب التي لا يمكنهم تحمل خسارتها، وافعلوا ما يلزم لإنهاء الحرب".

هذه الدعوة الصريحة لاستخدام القوة المفرطة والفتاكة وتدمير القطاع بالكامل شكلت ذروة الدعم التشريعي والعسكري الذي قدمه جراهام لتل أبيب، مما جعله في نظر منتقديه محرضاً مباشراً على إبادة جماعية بحق المدنيين الفلسطينيين.

هندسة التطبيع الإقليمي ومواجهة إيران

 

وخلف كواليس التصريحات النارية، كشفت التقارير الصحفية، ولا سيما ما أورده الصحفي باراك رافيد عبر موقع "أكسيوس"، أن الأسابيع الأخيرة من حياة جراهام كانت حافلة بنشاط دبلوماسي مكثف وسري، فقد كان السيناتور الراحل يرى في الحرب الحالية فرصة إستراتيجية قد لا تتكرر لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بصورة دائمة عبر رعاية اتفاق تاريخي للتطبيع بين المملكة العربية السعودية والكيان.

 

ولم يكن هذا المسعى مجرد فكرة عابرة، بل وضع له جراهام جدولاً زمنياً محدداً؛ إذ كان يخطط لإطلاق تحرك دبلوماسي واسع عقب الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية في خريف العام الجاري، مستهدفاً إنجاز الاتفاق قبل انعقاد الكونغرس الجديد في يناير، وتضمنت خطته محاور منها؛ السعي لإبرام معاهدة دفاعية أمريكية سعودية، واحتواء الملف الإيراني أولاً.

ومعاهدة الدفاع التي تفاوضت عليها إدارة بايدن سابقاً وتتطلب موافقة ثلثي مجلس الشيوخ، حيث اعتبر جراهام أن الفترة الانتقالية بعد انتخابات نوفمبر هي النافذة الواقعية الوحيدة لتمريرها.

وكان جراهام يؤمن بأن التطبيع لا يمكن أن يتحقق دون السيطرة على التهديدات الإيرانية، وبخاصة في مضيق هرمز، حيث حث الرئيس دونالد ترامب على تفويض عملية عسكرية خاطفة وحاسمة لإعادة فتح المضيق في حال فشل الدبلوماسية.

وأجرى جراهام نقاشات موجعة حول هذه المبادرة مع ترامب وجاريد كوشنر، وتواصل مباشرة مع رون ديرمر (المقرب من نتنياهو)، ومع المسؤولين السعوديين كوزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان والسفيرة السعودية في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر، وكان بصدد تنظيم زيارة قريبة للمنطقة لتقييم مدى الجاهزية لإعادة فتح المفاوضات.

 

وواجهت هذه الخطة معضلتين رئيسيتين تمثلتا في ضرورة إقناع الجانب الصهيوني بتقديم التزامات ملموسة لا رجعة فيها نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة—وهو الشرط السعودي الأساسي الذي ترفضه حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية الحالية—وكذلك ضمان الحصول على أصوات الديمقراطيين في الكونجرس لتمرير المعاهدة الدفاعية، وقبيل وفاته بساعات، اشتكى جراهام من وعكة صحية، لكنه رفض طلب الرعاية الطبية الفورية مازحاً: "لا يمكنني أن أموت الآن. لا يزال عليّ إنجاز عقوبات روسيا، وترتيب الوضع مع إيران، وتحقيق التطبيع مع السعودي".

تداعيات الرحيل

ومثّل غياب ليندسي جراهام صدمة سياسية كبيرة وحدثاً مؤثراً على توازنات القوى داخل واشنطن وفي الشرق الأوسط، فقد كان يمثل مع الراحلين جون مكين وجوزيف ليبرمان ما عُرف بـ"الفرسان الثلاثة" (Three Amigos) الذين قادوا الترويج للقوة الأمريكية والنزعة التدخلية حول العالم. ويمكن تلخيص الآثار المترتبة على غيابه في النقاط الآتية:

اليُتم السياسي والقلق في تل أبيب

وتُعد "إسرائيل" الطرف الأكثر شعوراً بالخسارة السياسية؛ فقد كان جراهام بمثابة "حصنها المنيع" و"درعها الحديدي" في الكابيتول هيل، وبصفته رئيساً للجنة الميزانية في مجلس الشيوخ، نجح مراراً في استخدام أدوات تشريعية معقدة لضمان تدفق مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية دون الخوف من التعطيل الديمقراطي. وجاءت بيانات النعي الرسمية الإسرائيلية لتعكس حجم هذا القلق:

وقال بنيامين نتنياهو: "لقد فقدت إسرائيل أحد أعظم أصدقائها. وفقدت أمريكا وطنياً عظيماً، أما أنا فقد فقدت صديقاً عزيزاً، ليس لدينا صديق أفضل من ليندسي".

وقال رئيس الكيان إسحاق هرتسوج: "أشعر بصدمة وحزن عميقين لرحيل الوطني الأمريكي العظيم، والصديق الوفي لإسرائيل، لقد كان منارة للوضوح الأخلاقي".

اضطراب مسار التطبيع والاتفاقيات الدفاعية

 

ويتوقع أنه بوفاة جراهام، تفتقد الدبلوماسية الأمريكية وسيطاً بارزاً كان يدير العلاقات الشخصية مع القادة الخليجيين خلف الكواليس، وبدون جهوده وضغوطه المستمرة، قد تزداد صعوبة حشد أغلبية الثلثين المطلوبة في مجلس الشيوخ للمصادقة على أي معاهدة دفاعية مستقبلية مع دول المنطقة، مما يضع مشروع التطبيع الكبير في حالة من الارتباك والغموض.

ويُشكل غياب السيناتور جراهام صدمة إستراتيجية قاسية لمستقبل مشروع التطبيع الثلاثي المشترك بين الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والكيان، فقد كان جراهام بمثابة "العرّاب الجمهوري الأول" ومهندس "الخط الإستراتيجي" الذي يربط بين الصقور التقليديين في الحزب الجمهوري ونهج "أمريكا أولاً" للرئيس ترامب، حيث أمضى أسابيعه الأخيرة في وضع الأسس لجدول زمني طموح يهدف إلى التوصل لاتفاق تطبيع إقليمي شامل قبل انعقاد الكونغرس الجديد في يناير، معتبراً أن إضعاف إيران يخلق فرصة تاريخية غير متكررة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

 

وبوفاته، يواجه هذا المسار المعقد تحديات جمّة وارتباكاً واضحاً في آليات تنفيذه؛ نظراً لغياب أدوات "الدبلوماسية الشخصية" التي كان يديرها جراهام خلف الكواليس مع القادة الإقليميين وحكومة نتنياهو. وبدون ضغوطه ووساطته التشريعية، ستزداد صعوبة حشد الإجماع المعقد وتأمين أغلبية الثلثين المطلوبة داخل مجلس الشيوخ الأمريكي للمصادقة على "المعاهدة الدفاعية الأمريكية السعودية" التي تمثل العمود الفقري للصفقة، علاوة على ذلك، فإن غيابه يترك معضلة الشروط المتعارضة بلا وسيط متمكن؛ حيث تصر الرياض على مسار محدد ومُلزم لإقامة دولة فلسطينية كشرط أساسي للتطبيع، وهو ما ترفضه الحكومة اليمينية المتطرفة للاحتلال، في وقتٍ بات فيه الحصول على أصوات الديمقراطيين في الكونجرس لتمرير الاتفاق مرهوناً بتحقيق تقدم حقيقي في القضية الفلسطينية، يضاف إلى ذلك الصراع الداخلي في الحزب الجمهوري وصعود الجناح الأكثر انعزالية بقيادة جيه دي فانس وماركو روبيو، مما قد يؤدي إلى تراجع الزخم خلف هذا المشروع الإقليمي الكبير وإعادة ترتيب أولويات الأمن القومي الأمريكي بعيداً عن الانخراط المكثف في تفاصيل الشرق الأوسط.