4% فقط توقعوا عودته .. مراهنات رقمية والتوظيف السياسي لعقيدة “عودة المسيح”

- ‎فيعربي ودولي

شهدت الساحة الرقمية والسياسية مؤخراً موجة واسعة من الجدل بعد أن طرحت منصة "Polymarket"، المتخصصة في أسواق التوقعات، مراهنة غير مألوفة تسأل: "هل سيعود المسيح هذا العام؟"، هذا الطرح، الذي جاء مصحوباً بنسبة احتمال ضئيلة بلغت 4%، فتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة هذه الأسواق وتحويلها القضايا الغيبية إلى أدوات مضاربة ماليّة.

ولم يتوقف ذلك عند حدود المنصات الرقمية؛ بل كشف عن تقاطعات عميقة وجذور أيديولوجية تربط بين المعتقدات الدينية حول نهاية الزمان، والسياسات العسكرية الدولية الراهنة في الشرق الأوسط، لا سيما الحرب على غزة والتصعيد المستمر ضد إيران.

وتقوم منصات أسواق التوقعات بحسب مراقبين على مبدأ تحويل الأحداث المستقبلية إلى "أسهم" قابلة للتداول المالي. لا تنظر هذه المنصات إلى الأحداث من منظور قيمي أو عقائدي؛ فالمعيار الوحيد لديها هو وجود متداولين مستعدين لبيع وشراء هذه الأسهم.

وتشير نسبة الـ 4% في إعلان المنصة إلى السعر الذي يراه المتداولون مناسباً لشراء سهم "نعم"، وهو ما يعادل 0.04 دولار للسهم الواحد، هذه الأرقام لا تستند إلى مرجع لاهوتي أو قراءة علمية، بل تعكس المزاج العام وحجم التداول والضجة الإعلامية.

وينقاد الكثيرون للمشاركة في هذه التوقعات مدفوعين بالفضول، أو الرغبة في تحقيق أرباح مالية سريعة. وفي أوقات الأزمات الكبرى، والحروب، والانهيارات الاقتصادية، يتزايد الميل البشري الطبيعي لمحاولة استشراف المستقبل والسيطرة على المجهول، مما يفسر الإقبال على التداول في أسئلة ترتبط بعلامات آخر الزمان.

ورغم ذلك فإن الجدل الدائر حول أسواق التوقعات الرقمية مثل "Polymarket" والمراهنة على عودة المسيح ليس مجرد عبث رقمي أو مضاربة مالية عابرة؛ بل هو مرآة تعكس واقعاً سياسياً وعسكرياً مأزوماً.

يؤكد المراقبون أن الغيبيات والنبوءات القديمة لم تعد حبيسة دور العبادة، بل جرى تسييسها وعسكرتها بوضوح لتصبح وقوداً للحروب المدمرة في ديار المسلمين، وغطاءً أيديولوجياً لتبرير الهيمنة وتمرير المشاريع الاستعمارية في الشرق الأوسط.

 

الصهيونية المسيحية وجذورها التاريخية

 

حيث يرتبط الحديث السياسي والعسكري المعاصر عن "عودة المسيح" بجذور أيديولوجية ضاربة في التاريخ الغربي، وتحديداً مع صعود تيار الصهيونية المسيحية.

وتحولت نظرة العالم المسيحي الغربي لليهود جذرياً عقب حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن الخامس عشر، فبعد قرون من الجفاء، برز تيار في بريطانيا خلال القرن السابع عشر (تزعمته شخصيات لاحقة مثل القس ويليام هشلر) يربط بين الإيمان المسيحي والعهد القديم، ودعا صراحة إلى إعادة تجميع اليهود في فلسطين كشرط أساسي ممهد للعودة الثانية للمسيح.

وتتمحور الصهيونية المسيحية (أو التيار التدبيري) حول ثلاثة مبادئ مركزية:

 

   ــ الإيمان بأن اليهود هم "شعب الله المختار".

 

    ــ وجود ميثاق إلهي أبدي يربط اليهود بأرض فلسطين.

 

   ــ  اعتبار قيام دولة صهيون واحتلال فلسطين هو المفتاح اللاهوتي لعودة المسيح، مما جعل أتباع هذا التيار الداعم الأكبر لإسرائيل، وبحماس يفوق أحياناً حماس الصهاينة أنفسهم.

 

وفي إطار الرمزية الدينية والتاريخية، تحتفل الكنيسة في 29 حزيران يونيو من كل عام بـ عيد القديسين بطرس وبولس؛ ورغم أن العيد يرسخ لوحدة الرسالة المسيحية، إلا أن تقاطعه مع الأحداث الراهنة يثير النقاشات حول المكونات الدينية الموجهة للسياسات الغربية المعاصرة.

التوظيف السياسي والعسكري للنبوءات في الصراعات الراهنة

 

يتجلى استخدام معتقدات "نهاية العالم" بشكل فج في الصراعات الحالية في غزة والعراق والتصعيد الإقليمي ضد إيران، حيث تتحول النبوءات من أفكار تعبدية إلى خطط استراتيجية وعسكرية.

وفي تطور لافت، شهدت عاصمة ولاية تينيسي الأمريكية، ناشفيل، اجتماعاً لقساوسة وقيادات يمينية وشخصيات إعلامية صهيونية؛ بهدف إعادة تعريف الصهيونية وتحويلها من مشروع يهودي صرف إلى حركة إيمان عابرة للأديان، وُصف هذا التحالف بأنه "جيش يهودي-مسيحي للحقيقة" يواجه المحاور الإسلامية المناهضة للغرب، واعبرته أوساط إعلامية عبرية (مثل صحيفة معاريف) بمثابة "حائط الصد الأخير" عن "إسرائيل" والحضارة الغربية.

تصريحات نتنياهو

وفي مارس الماضي، أعلن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو صراحة أن العمليات العسكرية التي يقودها تحمل أبعاداً وخلفيات دينية، قائلاً: "سنصل في النهاية إلى الملكوت، وسنبلغ زمن عودة المسيح". يرى مراقبون أن هذا الخطاب يهدف إلى إعطاء شرعية عقائدية لمشروع "تغيير الشرق الأوسط"، مستنداً في الوقت ذاته إلى نصوص توراتية متطرفة تبرر ارتكاب المجازر والإبادة بحق المدنيين في قطاع غزة، مثل استدعاء إرث "عماليق".

عقيدة "هرمجدون"

 

وكشفت تقارير إعلامية صادمة (نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية) عن تصاعد الأيديولوجيا المسيحية المتطرفة داخل أروقة المؤسسة العسكرية الأمريكية، ووفقاً لمؤسسة الحرية الدينية العسكرية، فقد اشتكى مئات الجنود والضباط من قيام قادتهم بتوظيف خطاب غيبي مستمد من "سفر الرؤيا" لتبرير الحرب ضد إيران.

ويعتقد هؤلاء القادة أن الحرب في المنطقة هي جزء من خطة ربانية لإشعال معركة "هرمجدون" الفاصلة، بل وصل الأمر ببعضهم لاعتبار دونالد ترامب شخصية "ممسوحة من يسوع" ومكلفة بإشعال فتيل هذه المواجهة الكونية المباركة توراتياً لتسريع نهاية العالم.

أمام هذا الضخ الأيديولوجي، تتباين القراءات حول مدى خطورة هذه الظاهرة وكيفية مواجهتها مثل حادث اغتيال شارلي كيرك زعيم لحركة "الإصلاح الرسولي الجديد "(NAR)

 

تعد هذه الحركة من التيارات الإنجيلية الأسرع نمواً في الولايات المتحدة. تؤمن الحركة بضرورة هيمنة المؤمنين بالخطاب المتطرف على مفاصل المجتمع السبعة الرئيسية (الحكومة، الإعلام، التعليم، المال، العائلة، الترفيه، والدين)، بهدف خوض "حرب روحية" تمهد لإقامة مملكة الله على الأرض وتترقب عودة المسيح. وتنظر الحركة إلى القيادات السياسية اليمينية كأدوات إلهية لتحقيق هذه النبوءات الاستعمارية.

قراءات تحليلية

ويرى المحلل الفلسطيني يونس أبو جراد أن القوى الغربية وإسرائيل تستغلان عودة المسيح وأساطير هرمجدون كغطاء لتنفيذ أجندات سياسية وتوسعية واضحة. وفي حين توظف إسرائيل أوامر الإبادة التوراتية في غزة، تستخدم أمريكا هذه النبوءات لتبرير دعمها الأعمى لإسرائيل، متجاهلين أن فئات من اليهود الأرثوذكس (مثل ناطوري كارتا) يرفضون الحركة الصهيونية برمتها. كما ينتقد تغافل بعض الحكومات العربية عن تسمية الأمور بمسمياتها الدينية الحقيقية.

ويشير د. محمد الصغير مستشار وزير الأوقاف السابق إلى خطورة تغلغل "القومية المسيحية" المتطرفة في مراكز صنع القرار في واشنطن، خاصة مع صعود مسؤولين عسكريين (مثل بيت هيغسيث وزي دفاع واشنطن) المرتبطين بتلك التيارات.

وينبه الأكاديمي السعودي أحمد بن راشد بن سعيّد إلى المفارقة الصارخة؛ حيث يُطالب المسلمون بالنأي بالدين عن السياسة، بينما يتحدث قادة واشنطن وتل أبيب علانية عن أساطير التوراة وإقامة "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات.

https://x.com/keymiftah79/status/2070823577520164936

https://x.com/hureyaksa/status/2032377346502623728