ميزان القوة ليس في صالح “الشعب والكادحين”.. الرابحون والخاسرون بعد 13 عاما!

- ‎فيتقارير

يظهر ميزان القوة بعد 13 عاماً اختلالاً واضحاً في توزيع الثروة؛ حيث تمكنت مؤسسات الدولة السيادية وكبار المستثمرين من تعزيز نفوذهم وحماية أصولهم وتحديث البنية التحتية، في حين تحمل المواطن العادي والكادح ذو الدخل الثابت العبء الأكبر للتضخم وتراجع العملة، في ظل غياب قنوات تفاوضية أو نقابات مستقلة تتيح له المطالبة بتعديل هذا الاختلال المعيشي الحاد.

 

واقع 13 عاماً

وتشهد الساحة الاقتصادية المصرية تحولات هيكلية متسارعة أحدثت صدمات متتالية لآليات العرض والطلب والقوة الشرائية للمواطنين. وتستند التحليلات الاقتصادية التي تصنف الطبقات الوسطى، والموظفين، وأصحاب الدخول الثابتة ضمن الفئات الأكثر تضرراً، إلى مؤشرات رقمية رسمية صادرة عن البنك المركزي المصري والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى جانب تقارير صندوق النقد الدولي والبانك الدولي.

وتقف جبهة شركات الجيش ورجال الأعمال في موقع الرابح والمستفيد الأكبر من التحولات الهيكلية، ليس فقط بسبب قرارات تحرير سعر الصرف، بل نتيجة لإعادة صياغة القوانين وآليات السوق لصالح نمط اقتصادي يركز على الأصول الكبرى والمشاريع السيادية؛ حيث تدفقت إليها مشروعات البنية التحتية الكبرى والمدن الجديدة عبر التكليف المباشر. هذا التوسع جعلها الفاعل المهيمن في قطاعات المقاولات، ومواد البناء، والصناعات الغذائية، مستفيدة من إعفاءات ومميزات إجرائية وضعت القطاع الخاص التقليدي في منافسة صعبة.

كما حقق كبار المستثمرين ورجال الأعمال (أصحاب الأصول والعملة الصعبة) وأصحاب الودائع الدولارية أرباحاً محاسبية انفجارية دون مجهود تشغيلي؛ فالفرد أو الشركة التي امتلكت 100,000 دولار قبل موجة التعويم الأخيرة، قفزت القيمة الدفترية لأموالها بالعملة المحلية من 3.1 مليون جنيه إلى قرابة 4.8 مليون جنيه بمجرد تعديل السعر الرسمي (حين استقر الدولار بين 47-49 جنيهاً وفقاً للبنك المركزي).

واستفاد المستثمرون الأجانب وكبار المصدرين من هبوط الجنيه بنسبة 65%؛ حيث انخفضت كلفة التشغيل والعمالة محلياً بالنسبة لهم، وتحولت الأصول المصرية (عقارات، شركات مطروحة للخصخصة) إلى فرص رخيصة وجاذبة، بينما تتدفق عوائد صادراتهم (كالكيماويات والأسمدة) بالعملة الصعبة.

وحازت النخبة الحزبية والكيانات الموجهة على الأغلبية البرلمانية والمناصب التنفيذية، لتصبح القناة الأساسية لإدارة العمل العام وتوزيع المكتسبات السياسية والإدارية.

 

الشعب والموظفون والكادحون

تقف هذه الجبهة في موقع الخاسر الأكبر والمتحمل الأوحد تقريباً لكلفة الإصلاحات وديون الدولة الخارجية (التي بلغت ذروتها فوق 160 مليار دولار حسب البنك المركزي). وتتلخص خسارة هذه الجبهة في "معادلة العجز" بين أسعار تقفز بجنون وأجور زاحفة.

وتشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن سعر صرف الدولار كان يبلغ نحو 15.7 جنيه في مارس 2022. وعقب تحركات متتالية وجذرية (أكتوبر 2022، يناير 2023، ومارس 2024)، استقر سعر الصرف في نطاق 47 إلى 49 جنيهاً للدولار، مما يعني أن الجنيه فقد أكثر من 65% من قيمته أمام الدولار.

ووقع الموظفون وأصحاب الأجور الثابتة بالجنيه ضحية "الخسارة الصامتة"؛ الموظف الذي كان يتقاضى 6,000 جنيه عام 2022 (كانت تعادل 380 دولاراً) وزاد راتبه اسمياً بنسبة 50% بفضل الحماية الاجتماعية ليصل إلى 9,000 جنيه، بات مرتبه الحالي يعادل فعلياً 187 دولاراً فقط بأسعار الصرف الحالية. بالرغم من أن الراتب زاد كـ"رقم"، إلا أن قدرته الشرائية الفعلية انخفضت بمعدل يتجاوز 50%.

والـ 9,000 جنيه بأسعار الصرف الحالية تعادل قرابة 187 دولاراً فقط. وبالرغم من الزيادة الرقمية للمرتب بنسبة 50%، إلا أن قدرته الشرائية الفعلية في الأسواق المقومة بالأسعار العالمية انخفضت بمعدل يتجاوز 50%.

وواجه الكادحون والعاملون بأجر يومي (الصنايعية، السائقون، وصغار التجار) صدمة التضخم القياسي الذي سجل ذروته التاريخية عند 37.4% (حسب جهاز التعبئة والإحصاء)، وتجاوزت تضخم مجموعة الطعام والمشروبات حاجز 70% في بعض الأشهر. هؤلاء يواجهون السوق مباشرة دون أي شبكة أمان وظيفي، وتحت وطأة الرفع التدريجي للدعم عن الوقود، والكهرباء، والخدمات الأساسية.

ومن المدخرين الصغار ومن حاول التحوط بوضع أمواله في شهادات البنوك ذات العائد 27%، فإن استمرار التضخم الأساسي بين 25% إلى 35% التهم هذه الأرباح، محولاً إياها إلى خسارة حقيقية في قيمة المدخرات الأصلية تتراوح بين 15% إلى 20% عند الشراء الفعلي.

وإذا قام مواطن بادخار 100,000 جنيه في شهادة ذات عائد 27%، يحصل على عائد اسمي قدره 27,000 جنيه ليصبح إجمالي أمواله 127,000 جنيه. ولكن بما أن السلعة التي كانت تكلف 100 جنيه باتت تتراوح بين 125 إلى 137 جنيهاً في العام التالي، فإن القيمة الفعلية (القدرة الشرائية) للمبلغ الإجمالي (الـ 127 ألفاً) تنخفض في الأسواق إلى ما قيمته التقريبية 85,000 جنيه مقارنة بالقوة الشرائية قبل موجة التضخم، مما يعني خسارة حقيقية صامتة في رأس المال المدخر تتراوح بين 15% إلى 20%.

 

صغار الصناع

تسببت قفزة الدولار الرسمي في زيادة كلفة استيراد المواد الخام والسلع الوسيطة بنسب تتجاوز 55%، مما أدى لارتفاع أسعار السلع والأجهزة بمعدلات تتراوح بين 100% إلى 150%. وأسفر هذا الارتفاع عن انكماش الطلب (عزوف المستهلكين)، بالتوازي مع اضطرار الشركات لرفع الأسعار لمواجهة التكاليف غير المرتبطة بالعملة مباشرة كارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات.

الفقراء الجدد

وتبرز في هذا النطاق شريحة "الفقراء الجدد" وهم من الموظفين وأصحاب المؤهلات العليا وأعضاء الطبقة الوسطى الذين التهم التضخم مدخراتهم ودخولهم الثابتة، مما دفعهم إلى هوامش خط الفقر.

 

وطبقة المنزلقين تحت خط الفقر (الفقراء الجدد) فإنه وفقاً لتقديرات تقارير البنك الدولي، فإن نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر أو يواجهون هشاشة اقتصادية قفزت لتشمل 30% إلى 35% من الشعب، ودخلت في هذا النطاق شرائح من الطبقة الوسطى والموظفين الذين لم تعد رواتبهم تكفي المتطلبات الأساسية للمعيشة.

صغار المستثمرين ورواد الأعمال

ويواجه قطاع  (الشركات الناشئة والمتوسطة) ضغوطاً مزدوجة؛ الأولى تمثلت في صعوبة منافسة الكيانات الكبرى والشركات الرسمية ذات المزايا الإجرائية والتفضيلية، والثانية ناتجة عن "أزمة السيولة وتذبذب التكاليف".

ومع ارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج بنسب تتجاوز 55% وصعوبة تدبير النقد الأجنبي في فترات ما قبل التعويم الاستقراري، اضطرت آلاف الشركات الناشئة والصغيرة إلى تجميد نشاطها أو الإغلاق نتيجة تآكل رأسمالها التشغيلي، فضلاً عن تراجع القوة الشرائية للمستهلكين التي حدت من معدلات نمو مبيعاتها.

المبدعون والكتاب والفنانون المستقلون

وتتراجع مساحة الإنتاج والتعبير الحر المستقل نتيجة لـ "مركزية الإدارة الثقافية والإعلامية"  وأدى استحواذ شركات إنتاج كبرى وموجهة على سوق الدراما والسينما والإعلام إلى وضع معايير صارمة للتشغيل، مما ترتب عليه استبعاد شريحة واسعة من المهنيين والمبدعين الذين لا ينخرطون في النمط الرسمي للإنتاج، مما أدى إلى فقدانهم لمصادر دخلهم التقليدية وتراجع التعددية الثقافية.

الكفاءات المهنية المهاجرة

وبالرغم من أن المهاجرين أو العاملين بالخارج مستفيدون مالياً من التحويلات، إلا أن "البيئة المحلية" خسرت هذه الفئة كقوة دافعة للاقتصاد، في حين واجه المهنيون (مثل الأطباء، المهندسين، والأكاديميين) الذين فضّلوا البقاء تراجعاً حاداً في العوائد مقارنة بالجهد.

وهذا عظم الفجوة بين الأجر الاسمي والفعلي (التي جعلت الـ 9,000 جنيه تعادل 187 دولاراً فقط) دفعت مئات الآلاف من الكوادر الطبية والمهنية للهجرة بحثاً عن عوائد عادلة، مما أحدث عجزاً في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، وحرم المجتمع من الفئات الأكثر قدرة على قيادة وتطوير هذه الخدمات محلياً.

يمثل المستند الاحصائي الذي يرتكز عليه المحللون لإثبات أن المواطن العادي ذا الدخل الثابت والطبقة الوسطى كان المتحمل الأكبر لكلفة خطط الإصلاح الهيكلي وسداد فاتورة الديون الخارجية المتصاعدة، والتي تشير تقارير البنك المركزي المصري إلى أنها بلغت ذروتها فوق مستوى 160 مليار دولار قبل البدء في تفعيل صفقات الاستثمار الكبرى والتدفقات الخارجية الأخيرة.