شهدت محكمة الجنايات في روما تطورًا قضائيًا بارزًا بعد عشر سنوات من التحقيقات المعقدة والمستمرة؛ حيث طالبت النيابة العامة الإيطالية الثلاثاء 23 يونيو الجاري بتوقيع عقوبة السجن المؤبد بحق الضابط المصري مجدي شريف (الذي كان برتبة رائد في قطاع الأمن الوطني وقت وقوع الجريمة)، بصفته المنفذ الفعلي والمسؤول المباشر عن عمليات التعذيب والقتل العمد.
كما شملت مطالبات الادعاء العام السجن لمدة 17 عامًا و6 أشهر لثلاثة من كبار المسؤولين الأمنيين رفيعي المستوى، وهم: اللواء آسر كامل محمد إبراهيم، العقيد حسام حلمي، واللواء طارق صابر، وذلك بتهمة "الخطف في ظرف مشدد"، وإساءة استخدام السلطة الوظيفية لإخضاع باحث أكاديمي أعزل.
وخلال جلسة استمرت لسبع ساعات متواصلة أمام محكمة ريبيبيا المحصنة، عرض نائب المدعي العام الإيطالي سيرجيو كولايوكو خلاصة العقود التحقيقية، واصفًا سلوك المتهمين بأنه يمثل "عنفًا باردًا ومنظمًا" صادرًا عن رجال دولة استغلوا مناصبهم المؤسسية لإنفاذ منهجية تدمير بدني كامل.
وأكد الادعاء أن ريجيني كان ضحية "تصور أمني خاطئ" من قِبل الأجهزة الاستخباراتية والأمنية المحلية التي اشتبهت في طبيعة أبحاثه الميدانية حول النقابات العمالية المستقلة، مشددًا بشكل قاطع على أن "جوليو لم يكن جاسوسًا ولا متآمرًا"، بل كان باحثًا يمارس عمله الأكاديمي.
التدليس المهني للطب الشرعي
وتكشف المقارنة بين تقارير الطب الشرعي الصادرة في القاهرة وتلك الصادرة عن الهيئات الطبية الإيطالية حجم التلاعب والتستر على الجريمة؛ حيث رصد التقرير الرسمي المصري كسرًا واحدًا فقط في الذراع اليمنى للباحث الراحل، بينما وثّقت الفحوصات الطبية المتقدمة والأشعة المقطعية التي أُجريت في إيطاليا وجود 20 كسرًا بجثة ريجيني، منها خمسة كسور في الأسنان وخمسة عشر كسرًا في عظام الجسم المختلفة.
وأثبتت النيابة العامة الإيطالية أن السبب النهائي للوفاة لم يكن ناتجًا عن المجموع التراكمي لتلك الإصابات رغم وحشيتها وجسامتها، وإنما جاء نتيجة "ضربة قاضية أخيرة" وجهها الخاطفون لإنهاء حياته بعد أسبوع كامل من الاحتجاز والتعذيب اليومي الشرس بهدف كسر إرادته وحرمانه من مقومات الحياة. هذا التباين الصارخ يعكس التوظيف السياسي للمؤسسات الطبية والقانونية المحلية لخدمة الرواية الأمنية وتوفير غطاء شرعي للمرتكبين.
مسرحية التضليل الميداني
أشارت التقارير والبيانات الحقوقية، ولا سيما ما رصدته "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، إلى تحول ممارسات الأجهزة الأمنية بعد عام 2013 نحو "التصفيات المباشرة" تحت غطاء الاشتباكات الوهمية. فبين عامي 2015 و2020، جرى توثيق أكثر من 900 حالة قتل خارج إطار القانون بزعم "الاشتباك مع الأمن" دون إجراء أي تحقيقات قضائية مستقلة أو شفافة.
وفي سياق قضية ريجيني، تجلى هذا النمط المنهجي في اللجوء إلى "سيناريو تضليلي" أعلنت خلاله السلطات الأمنية عن تصفية تشكيل عصابي مكون من 5 مواطنين مصريين بزعم أنهم المتورطون في خطف الباحث الإيطالي وسرقته. وجرى التضحية بحياة هؤلاء المواطنين بدم بارد ودون محاكمة لحماية أفراد شبكة الأمن الوطني، غير أن جهات التحقيق الدولية فندت هذه الرواية علنًا واعتبرتها محاولة بدائية لتضليل العدالة، مما رسخ القناعة القضائية بأن المتهم الحقيقي في القضية هو بنية الدولة الأمنية ذاتها التي ترفض التعاون القضائي، وامتنعت حتى عن تسليم ملابس الضحية أو متعلقاته الشخصية لجهان التحقيق في روما.
الشهادات الدولية
أثار المسار القضائي الدائر في روما ردود أفعال واسعة من قِبل الأوساط الحقوقية والسياسية الدولية والمحلية، والتي ركزت على دلالات المحاكمة وغياب المحاسبة داخل البيئة القانونية المحلية:
بهي الدين حسن (مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان): أكد عبر حساباته الرسمية أن خيار السلطة المصرية بالامتناع عن تسليم الضباط ومقاطعة المحاكمة يهدف إلى حماية القيادات الأعلى التي أصدرت الأوامر بالتعذيب والقتل، مفضلةً التضحية بسمعة الدولة ومؤسساتها القضائية والطبية على كشف آليات عمل أجهزتها الأمنية التي تعتبر التعذيب أداة حكم يومية، وأشار إلى أن التعرف على الجناة تم بفضل شهادات حية أدلى بها معتقلون سابقون (من بينهم فلسطينيون) كانوا محتجزين في نفس مقار الاحتجاز السري.
https://x.com/BaheyHassan/status/2070090981077057544
أما أليساندرا باليريني (محامية عائلة ريجيني) فألقت مرافعة حادة في قاعة محكمة ريبيبيا، أشارت فيها إلى أن العائلة خاضت معركة قانونية شرسة "بأيديها العارية" ضد نظام يمتلك أدوات قمع واسعة، مؤكدة أن السعي طوال عشر سنوات لم يكن بغرض الانتقام، بل لإقرار الحق والعدالة وكشف زيف الادعاءات الرسمية حول التعاون القضائي بين البلدين.
وجددت إيلي شلاين (سكرتيرة الحزب الديمقراطي الإيطالي) الدعم السياسي والإعلامي لعائلة الباحث الراحل، مؤكدة الالتزام باستمرار الضغط من أجل الحقيقة والعدالة في مواجهة سياسة الإنكار والرفض المطلق التي تبديها السلطات المصرية للاعتراف بشرعية المحكمة الجنائية.
وقالت باولا ديفيندي (والدة جوليو ريجيني) في عرض المأساة الإنسانية والحقوقية بعبارتها الشهيرة أمام وسائل الإعلام والمحكمة: "عذبوه كما لو كان مصرياً"، مضيفة في شهادتها المؤثرة: "لم يكن به شيئاً سليماً.. جثة ابني كانت مشوهة لدرجة أنني لم أتعرف عليها سوى من أرنبة أنفه"، وهي الشهادة التي تحولت إلى وثيقة إدانة دولية لواقع السجون ومقار الاحتجاز.
التملص القضائي وغياب المحاسبة الفردية
توضح مستندات القضية، المنشورة عبر وكالات الأنباء الدولية والمواقع الحقوقية المتخصصة مثل Articolo 21 ووكالة الأنباء الإيطالية ANSA، أن غياب الإرادة السياسية لتطبيق القانون الدولي يحول دون محاسبة الجلادين المتمرسين في الاعتداء على السلامة الجسدية للمواطنين والأجانب على حد سواء.
وقالت: إن "الامتناع عن تقديم المتهمين للمحاكمة، والتمسك بروايات الرفض والإنكار، يعكس قصوراً هيكلياً في المنظومة القضائية المحلية التي تعطل تفعيل نصوص الدستور والقانون المتعلقة بتجريم التعذيب، وتجعل من حماية المرتكبين ذوي النفوذ السياسي والأمني أولوية تتقدم على الالتزامات الدولية ومبادئ العدالة الإنسانية".
ويُمثل الحق في السلامة الجسدية والحياة الركيزة الأساسية للشرعية الدولية وحقوق الإنسان، إلا أن ممارسات الأجهزة الأمنية في بعض الأنظمة السياسية باتت تعكس نمطًا بنيويًا يعتمد على العنف الممنهج والتصفيات الجسدية خارج نطاق القضاء، وتأتي قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، الذي اختُطف وعُذّب وقُتل في القاهرة عام 2016، لتسلط الضوء على آليات التستر المؤسسي وهندسة الإفلات من العقاب، محولةً أروقة القضاء الدولي إلى ساحة لتفكيك بنية القمع المنهجي وتوثيق الانتهاكات العابرة للحدود.