شهدت العقود الأخيرة تبايناً حاداً في مصير التحركات العسكرية ضد الأنظمة المدنية المنتخبة، فبينما انقلب الجيش على أول رئيس مدني منتخب في 3 يوليو 2013، د. محمد مرسي وقتله مسجونا، تحولت محاولات الانقلاب العسكري في تركيا (15 يوليو 2016) وبوليفيا (26 يونيو 2024) إلى تجارب فاشلة تحطمت على صخرة الوعي الشعبي والمؤسسي.
ويستعرض التقرير تحليلاً مفصلاً لأسباب هذا التباين بناءً على قراءات ونقاشات نخبة من المفكرين والنشطاء، حول: وعي الشعوب والمقاومة الميدانية بصندوق الانتخاب مقابل صندوق الذخيرة، وتراكم الخبرات والتعلم من تجارب الغير، والمحددات الجيوسياسية والعامل الدولي والموقع من الكيان، وبنية الجيوش وضرورة التفكيك الجذري، والتحالفات الداخلية وتزييف الوعي الإعلامي والديني.
صندوق الذخيرة
ويتفق الناشطون على أن سلوك الجماهير في الشارع هو الرقم الأصعب في إحباط أو تمرير أي تحرك عسكري وأن تركيا وبوليفيا (المقاومة الصلبة): ترى سحر (@Sahr019970592) أن المشهد في بوليفيا جاء متطابقاً مع المشهد التركي، حيث قال الشعب الحقيقي كلمة الفصل برفضه القاطع للانقلاب على خياراته الحرة.
أحمد عمر يعزز هذا الطرح عبر (@AdelAref1981611) مؤكداً أن الشعب هو "الرقم الصعب"؛ فبينما خرجت شعوب تركيا وبوليفيا لتتصدى للدبابات والرصاص بأجسادها عارية حمايةً للديمقراطية.
ويعتقد أبو أبكر (@AbkAbk521067) إلى وصف الحالة المصرية بالخنوع والميل إلى تقديس الحاكم العسكري والاستسلام له، كما فعلن ذلك دعاء رمضان(@doaaramadan181) من أن فشل الانقلابات في تلك الدول يعود إلى أن شعوبها "واعية ومدركة تماماً لمعنى حكم العسكر"، مستلهمة من تاريخ الثورات التحررية مثل ثورة كوبا.
وفي مصر كان (انقسام الشارع) الذي استغله العسكر، بغياب الإجماع الشعبي على حماية التجربة الديمقراطية الناشئة في مصر، والاحتفال بالتدخل العسكري من قِبل قطاعات منحت الجيش والغطاء الشعبي اللازمين للمضي قدماً في السيطرة على السلطة، واستبدال صوت الصندوق بالرصاص.
وفي سياق متصل، يشير المستشار وليد شرابي (@waleedsharaby) إلى مفارقة عجيبة في الوعي السياسي، حيث لاحظ أن بعض المصريين الذين دافعوا عن الديمقراطية في تركيا ورفضوا إجراءات التحقيق والقبض على رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، هم أنفسهم الذين رقصوا واحتفلوا عندما اعتقل الجيش المصري الرئيس المدني المنتخب محمد مرسي.
تجارب الغير
ولم تعد الانقلابات تحدث في معزل عن العالم، بل أصبحت الشعوب والحكام يتعلمون من أخطاء ونجاحات جيرانهم، وهذا مات رأه الكاتب والإعلامي قطب العربي (@kotbelaraby) في ذكرى إفشال انقلاب بوليفيا موضحاً أن "الشعوب وحتى الحكام يتعلمون من تجارب غيرهم"، ويرى أن الانقلاب العسكري في مصر عام 2013 كان بمثابة جرس إنذار قوي للكثيرين حول العالم وجعلهم يحتاطون لمثله.
وبناءً على هذا الإنذار، تحرك الشعب والرئيس معاً في تركيا عام 2016 لإفشال المؤامرة في مهدها، ثم جاءت بوليفيا (شعباً وحاكماً) في 2024 لتستفيد مباشرة من التجربة التركية وتصنع حائط صد منيعاً وأد التحرك العسكري قبل أن يتمدد. وخلص العربي إلى أن "الشعوب الحريصة على الحرية والكرامة والعدالة تدافع عن حقوقها وتضحي من أجلها".
الجيوسياسية الكيان
تلعب الجغرافيا السياسية دوراً حاسماً في توجيه المواقف الدولية لدعم الانقلابات أو محاصرتها:
ويقدم المغرد سلمان(@slman1187) تحليلاً جيو-استراتيجياً مهماً، معتبراً أن السبب الأكبر لفشل انقلاب بوليفيا يعود إلى أن بوليفيا ليست على حدود "إسرائيل" و
يرى أن مصر والمنطقة العربية المحيطة بها تواجه "فيتو دولياً" تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، الغرب، روسيا البوتينية، والصين الشيوعية.
وأن هذا التحالف الدولي، بحسب رأيه، يضع قيوداً صارمة ويمنع قيام ديمقراطيات حقيقية أو نهضة وتطور للشعوب العربية (في مصر وسوريا والأردن) بهدف أساسي وهو حماية أمن "إسرائيل" ومنع قيام أي وحدة عربية قد تهدد وجودها في فلسطين.
تكوين العسكر
يرى بعض المحللين أن المشكلة لا تكمن فقط في اللحظة السياسية، بل في طبيعة نشأة وتكوين العسكر عربيا: حيث يطرح مصطفى عيساوي (@newharga) رؤية راديكالية لإصلاح الوضع السياسي العربي، حيث يرى أن "تفكيك جيوش ثكنات سايكس بيكو وإعادة تشكيلها هو واجب إنساني ووطني وديني".
ويوضح عيساوي أنه عند تفكيك هذه المنظومات العسكرية المهيمنة، ستتفكك بالتبعية وبشكل أوتوماتيكي باقي الأجهزة التابعة لها والمسؤولة عن الدولة العميقة (مثل جهاز العدالة، أجهزة وزارة الداخلية، الإعلام، والمالية)، ويقترح إحالة جميع أفراد الجيش من القيادات العليا إلى أبسط جندي للمحاكمة، وإعفاء غير المذنبين من الخدمة، لضمان بناء دولة مدنية حقيقية.
وفي قراءة تاريخية، يرى طارق عباس محمد (@TarekAb21675648) أن جذور الأزمة تعود إلى عام 1952 عندما انقلب الجيش على الحكم المدني بمساعدة عناصر من الإخوان والشيوعيين، مؤكداً أنهم "سنّوا سنّة الانقلاب على الحكم المدني، ومن سنّ سنة سيئة فعليها وزرها"، معتبراً أن هذه الانقلابات لن تنتهي إلا بالعودة الكاملة للحكم المدني الخالص.
تزييف الوعي
ومن هذا التعميم الذي يطرحه طارق عباس، شكلت التحالفات الفئوية والغطاء المعنوي فارقاً شاسعاً بين الحالات الثلاث لذلك يشير المغرد جميل خليفه (@JKhlyfh84336) إلى أن أسباب نجاح انقلاب مصر تمثلت في تكاتف منظومة معقدة شملت قوى في الجيش، ونخب فنية وإعلامية موجهة، ومؤسسات دينية، حظيت جميعها بدعم صهيو-أمريكي وأعربي مشرك. هذا التحالف قاده إعلام موجه نجح في خداع الشارع.
ويثني حساب خالد الشناوي (@khaldalshnawy3) على الدور التوعوي والاستشرافي الذي قدمه الأكاديميون ما كان يسبق الأحداث دائماً، ويحذر من الانخداع بالإعلام الكاذب والموجه الذي صنع بيئة خصبة للانقلاب.
https://x.com/essamashafy/status/1806622617182282214
حائط الصد الشعبي
تضيف منصة (احترام) تحليلاً ومقارنة بين أسباب نجاح الجيش في السيطرة على السلطة في مصر عام 2013، وفشل المحاولة الانقلابية في تركيا عام 2016، ويرجع ذلك إلى سبعة عوامل رئيسية حسب رؤية الكاتب:
1. ثقافة المقاومة:
في تركيا، نزلت القوى السياسية والمعارضة إلى الشارع لمواجهة الدبابات، واستخدمت الشرطة والمخابرات السلاح لصد الانقلابيين. أما في مصر، فكان شعار القوى المعارضة لمرسي هو السلمية التامة ("ثورتنا أقوى من الرصاص")، وهو ما يرى الكاتب أنه لم يكن كافياً لمنع تحرك الجيش.
2. طبيعة الشرعية:
كان النظام التركي يمتلك شرعية متراكمة نتيجة الفوز في عدة انتخابات متتالية منذ عام 2002 وسيطرته على البلديات والمؤسسات. في المقابل، كان الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي قد أمضى عاماً واحداً فقط في الحكم، وسط حالة من الاستقطاب الشعبي الحاد والأزمات الاقتصادية، مما جعل قطاعاً من الشعب يتقبل التدخل العسكري.
3. بنية الجيش وعلاقته بالاقتصاد:
يمتلك الجيش المصري إمبراطورية اقتصادية مستقلة ضخمة تشمل مصانع وشركات، مما منحه دافعاً للتحرك لحماية مصالحه عند شعوره بالتهديد من سلطة مدنية. بينما في تركيا، كان أردوغان قد قام بإجراءات لتطهير الجيش وتحجيم دوره السياسي والاقتصادي مسبقاً، واقتصرت المحاولة على مجموعة معزولة داخل المؤسسة العسكرية.
4. الغطاء الديني والسياسي:
حظي التحرك العسكري في مصر بدعم ومباركة علنية فورية من المؤسسات الدينية الرسمية (الأزهر والكنيسة)، بينما في تركيا رفعت المساجد التكبيرات والصلوات لدعم الحكومة، ودعا الرئيس المواطنين للنزول لمواجهة الانقلاب.
5. دور الإعلام:
شهدت مصر قبل 30 يونيو تحريضاً وإعداداً إعلامياً واسعاً ومكثفاً ضد الرئيس مرسي من قنوات وصحف متعددة. أما في تركيا، فقد فشل الانقلابيون في السيطرة على الإعلام، وظل أردوغان على اتصال بالجمهور عبر مداخلة هاتفية شهيرة من خلال قناة خاصة تملكها معارضة ليبرالية فضلت دعم الديمقراطية.
6. الموقف الإقليمي والدولي:
تلقى النظام الجديد في مصر دعماً مالياً وسياسياً سريعاً وقوياً من قوى إقليمية ودولية بارزة. وفي المقابل، حظيت الحكومة التركية بدعم ومساندة دولية فورية (مثل الموقف الروسي) ولم تجرؤ أي قوى على دعم الانقلاب خوفاً من تداعياته على استقرار المنطقة.
7. الذاكرة الجماعية للشعوب:
يمتلك الشعب التركي وعياً مريراً بالآثار الاقتصادية والسياسية السيئة للانقلابات العسكرية السابقة التي عاشها، فرفض تكرارها. أما في مصر، فيرى الكاتب أن تعاقب الحكم العسكري منذ عام 1952 جعل المجتمع يعتاد على دور الجيش كمركز أساسي للسلطة والقرار.