تشهد الأوساط القبطية والمجتمعية حالة من النقاش الحاد والممتد عبر منصات التواصل الاجتماعي، مسلطة الضوء على تباين بنيوي وفكري واضح في سلوكيات وأزمات المجموعات المسيحية العربية والمصرية، سواء أولئك الذين هاجروا إلى بلاد الغرب (مسيحيو المهجر) أو الذين ما زالوا يعيشون في بلدانهم الأصلية (مسيحيو الداخل).
اتهامات موجهة لبعض أقباط المهجر بممارسة وتغذية مشاعر “الإسلاموفوبيا” والتحريض ضد الجاليات المسلمة من أصول عربية في الخارج؛ في حين يتم تجاهل شكاوى داخلية متزايدة من تنامي الظواهر “الطبقية” والفرز الاجتماعي داخل بعض الكنائس الكبرى في المناطق الراقية بمصر.
استراتيجيات “التحريض” واللجوء في الغرب
فتح ناشطون ومراقبون في بلاد المهجر (خاصة الولايات المتحدة وأستراليا) ملف السلوك السياسي والإعلامي لبعض المهاجرين الأقباط، مشيرين إلى وجود مساعٍ ممنهجة لتشويه صورة المجتمعات العربية والمسلمة لدى المواطن الغربي، إما لأسباب أيديولوجية وإما لتأمين مكاسب شخصية مثل وثائق اللجوء.
محمود فاضل (Mahmoud Fadel): وثق عبر حسابه الشخصي واقعة محددة في ولاية ميزوري الأمريكية، مستنكراً قيام رجل أعمال أو محاسب قبطي من أصل مصري (هاجر عام 2013) بشراء مساحات إعلانية على قنوات إخبارية محلية لترويج تقارير تتحدث عن “الاضطهاد والأسلمة القهرية” في مصر. وأوضح فاضل أن الهدف من هذه التحركات ليس الدفاع عن حقوق حقيقية، بل “تقليب المتشددين والمتعصبين هنا في أمريكا ضد المسلمين بشكل عام”، لجعل المسلمين يعيشون في حالة تهديد مستمر يدفعهم لمغادرة البلاد، والتعامل مع الغرب كأنه “ورث وحق حصري لهم”. وتطرق فاضل للتناقض في سلوك هذا الشخص الذي يزور مصر سنوياً برفقة عائلته بينما يشغل ابن عمه مقعداً في مجلس النواب المصري.
وأيد أحمد محمدي عبد الكريم (Ahmed Mohamedy Abdelkareem): هذا الطرح معتبراً أن قطاعاً واسعاً من مسيحيي المهجر يحملون مشاعر سلبية حادة تجاه المظاهر الإسلامية كالحجاب واللحية، وينطلقون من سردية تاريخية ترى أن مصر “اختطفت من العرب”، متناسين الحقائق التاريخية حول العيش المشترك وبناء الكنائس الأولى في العصر الإسلامي.
وقال (محمد علي نصار): “قارن بين سلوك بعض أقباط المهجر الحاد وبين مسيحيي الداخل الذين وصفهم بالطيبة وحسن الجوار، مستشهداً بـأمثلة واقعية من حياته الشخصية والدراسية في الأزهر، مؤكداً أن قيم المجتمع المصري والتآخي الميداني تتناقض تماماً مع الصورة المشوهة التي تصدرها بعض الكنائس والجمعيات في الخارج”.
وكتب كيمو يارا ميكي (Kimo Yara Meky): عن واقع إقامته في أستراليا إلى أن هذه الحملات تعد “حملة ممنهجة ومستمرة يتناولها الأخوة المسيحيون لاستخدامها في قضايا اللجوء”، لافتاً إلى أن بعض الدوائر الكنسية في الخارج قد تسهل هذه الإجراءات لتحقيق عوائد مادية أو لزيادة أعداد الرعية وتأمين الدعم الحكومي في بلاد المهجر.
وعلق عبد الحميد شريف (Abd El Hamid Sherief): بنقل تجربة شخصية له في العاصمة الأمريكية واشنطن خلال عهد أوباما، حيث رصد قيام جمعيات مسيحية متعصبة تابعة للكنيسة القبطية هناك بتنظيم تظاهرات حاشدة مزودة بمكبرات الصوت لشتم الإسلام والمسلمين بالتزامن مع صلاة جمعة مجمعة قرب الكونجرس، مما يوضح -حسب تعبيره- مدى نشاط الكنيسة القبطية في الخارج في دعم الإسلاموفوبيا والعنصرية.
وأكد رامي مجاهد (Rami S Mujahed): أن الساحة الأمريكية تشهد توظيفاً سياسياً لملف الاضطهاد الديني؛ حيث يعتبر الادعاء بتعرض المسيحيين للملاحقة من قبل “المسلمين الوحوش” الأسلوب الأسرع للحصول على حق اللجوء السياسي والإنساني، والدعم المادي والمعنوي من الكنائس الغربية التي تجهل طبيعة الأوضاع في الشرق الأوسط.
مسيحيو الداخل وأزمة “العزب الكنسية” والفرز الطبقي
على الجانب الآخر من الصراع الفكري، يعاني مسيحيو الداخل في مصر من أزمات ذات طابع اجتماعي واقتصادي وهيكلي داخل المؤسسات الكنسية المحلية، حيث تصاعدت الشكاوى من ممارسات تميز بين المصلين والخدمات بناءً على الطبقة الاجتماعية ومحل السكن.
ماريان سامي (Marian Samy – ماجستير الإعلام جامعة القاهرة فجرت نقاشاً موسعاً حول تنامي الظاهرة الطبقية داخل كنائس معينة في مناطق وسط البلد ومصر الجديدة والدقي.
ونقلت شهادة حية لوالد أسرة اضطر بسبب ظروف عمله للانتقال من حي شبرا إلى حي مصر الجديدة, وعند توجهه لتسجيل أطفاله في “مدارس الأحد” بكنيسة مارمرقس (كليوباترا) الشهيرة، قوبل بطلب حزمة معقدة من الأوراق الثبوتية تشمل الشهادات الجامعية للأبوين وعقد السكن.
وأضافت أن خادمة الكنيسة علقت بـ “استعلاء” عند علمها بأن الشقة مستأجرة وليست تمليكاً، قائلة: “إيه ده أنتوا عقد إيجار!! لا خليني أرجع للكنيسة الأول”.
واستطردت ماريان سامي مؤكدة أن الأمر لا يقتصر على كنيسة واحدة، بل يمتد لتقسيم فصول مدارس الأحد والأنشطة بناءً على نوع المدارس (دولية، لغات، حكومية)، لمنع اختلاط أطفال العائلات الثرية بأطفال الفئات الأقل دخلاً (مثل أبناء حراس العقارات والبوابين) الذين يخدمون في المنطقة.
كما نقلت موقفاً شخصياً دعيت فيه لحضور اجتماع لكاهن مشهور في كنيسة بالدقي، مع تنبيهها بأن الدعوة سرية ومقتصرة على سكان المنطقة الراقية حتى لا يأتي “سكان إمبابة والحتت دي ويبقا شكلنا مش حلو”، واصفة تلك الممارسات بأنها تحول الكنائس المعتمدة على تبرعات وعشور عامة الشعب إلى “عزب خاصة” تديرها عقلية طبقية مقرفة تتناقض تماماً مع التعاليم الروحية والوعظية.
مقاربة استراتيجية
وعند تحليل المعطيات والشهادات السابقة، يظهر بوضوح وجود فصام حاد في توجيه الضغوط والشكاوى داخل المكون القبطي؛ فبينما يواجه أقباط الداخل معارك اجتماعية يومية ضد “البرجوازية الكنسية” والفرز الطبقي المقيد لحقوق العبادة والتعليم الروحي الأساسي، تختار فئات من أقباط المهجر الهروب من هذه الأزمات الهيكلية الداخلية عبر تصدير معارك “الهوية” إلى الخارج.
وتشير البيانات التحليلية إلى أن النخبة المهاجرة، مستغلة المناخ السياسي في الغرب وصعود تيارات اليمين، تحاول تضخيم ملف “الاضطهاد الديني” كوسيلة لحشد الدعم السياسي والمادي وتحقيق الاندماج في المجتمعات الغربية على حساب السلم الأهلي وصورة المهاجرين العرب الآخرين، هذا السلوك في الخارج لا يخدم قضايا المواطنة في الداخل، بل يعمق الفجوة بين المغتربين والداخل، ويظهر الكنيسة القبطية في الخارج كأداة ضغط سياسي بدلاً من دورها الروحي، في حين تظل الكنائس الكبرى بالداخل بحاجة إلى مراجعات هيكلية عميقة للتخلص من النزعات النخبوية والطبقية التي تمس جوهر العقيدة القائمة على المساواة.