في خطاب عيد العمال 2026، تحدث السيسي عن سوق عمل يضم 60 مليون شخص، وهو رقم صححته جهات إحصائية مؤكدة أن قوة العمل الحقيقية لا تتجاوز 34 مليوناً. هذا التضارب في الأرقام الرسمية يعكس، حسب مراقبين، غياب الدقة في التخطيط الذي ينسحب أيضاً على مشروعات النقل.
وبحسب أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ إجمالي قوة العمل في مصر 34.154 مليون فرد، بنسبة نمو 6.6% عن العام السابق، يعمل منهم 22.118 مليون مشتغل بأجر نقدي.
وقال مراقبون إن الخلط بين "السكان في سن العمل" (60 مليونًا) و"قوة العمل الفعلية" (34 مليونًا) ليس مجرد خطأ رقمي، بل هو انعكاس لسياسة التوسع الإنشائي التي تتجاهل الخصائص الديموجرافية والقدرة المالية الحقيقية للدولة، مما يؤدي في النهاية إلى مشاريع عملاقة (مثل مونوريل العاصمة) قد تعجز الدولة عن تشغيلها بكفاءة أو صيانتها دون الاستمرار في دوامة الاقتراض.
وخلال احتفال عيد العمال – استعرض وزير النقل أمام السيسي مواصلا حديث حكومة السيسي عن خطط التنمية وتحفيز الاستثمار، بينما توثق المنظمات الحقوقية والعمالية آثار التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة التي انعكست بصورة مباشرة على أوضاع العاملين، في ظل جدل مستمر حول قوانين العمل والتنظيم النقابي.
وقال عبد الفتاح السيسي، خلال كلمة له بمناسبة الاحتفال بعيد العمال: "مطلوب بشكل دائم ومستمر توفير فرص عمل لشريحة كبيرة تضاف إلى إجمالي حجم سوق العمل في مصر الذي يبلغ حوالي ٦٠ مليون شخص".
وتصريح السيسي مضلل، إذ بلغ حجم قوة العمل في مصر نحو 34.154 مليون فرد فقط، وفق أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن عام 2025، وليس 60 مليون شخص كما ادعى.
وبحسب الجهاز المركزي، في بيان له أمس الأربعاء، ارتفعت قوة العمل إلى 34.154 مليون فرد في 2025، مقابل 32.041 مليون فرد في 2024، بينما بلغ عدد المتعطلين 2.136 مليون فرد في 2025، مقابل 2.113 مليون في 2024، بزيادة 23 ألف متعطل بنسبة 1.1%.
وخلط السيسي بحسب "صحيح مصر" على ما يبدو بين مفهوم “قوة العمل” التي تمثل حجم سوق العمل الفعلي (المشتغلون والمتعطلون الباحثون عن عمل)، وبين "السكان في سن العمل" الذين يشملون فئات غير نشطة اقتصاديًا مثل الطلاب وربات المنازل، وهو ما يفسر الوصول إلى تقديرات أعلى تقترب من 60 مليونًا، لكنها لا تعبر عن سوق العمل الحقيقي.
مؤشرات إحصائية تعمق فجوة "البيانات الرسمية"
بالإضافة إلى التضارب في تقدير حجم قوة العمل، تظهر الأرقام التالية أبعاداً أخرى للأزمة الاقتصادية والاجتماعية:
1. اتساع فجوة "الديون الخارجية" لقطاع النقل
القروض التراكمية: قفزت ديون وزارة النقل وحدها لتتجاوز 40 مليار دولار (وفق تقديرات مراقبين اقتصاديين)، وهو ما يمثل ضغطاً هائلاً على الاحتياطي النقدي، حيث تذهب نسبة كبيرة من الموازنة لسداد الفوائد بدلاً من دعم الخدمات.
2. أرقام البطالة "الحقيقية" والمقنعة
زيادة المتعطلين: رغم الحديث عن توفير فرص عمل، سجلت البيانات الرسمية لعام 2025 زيادة في عدد المتعطلين بوقع 23 ألف شخص إضافي مقارنة بعام 2024.
البطالة بين الشباب والخريجين: تشير تقارير غير رسمية إلى أن نسبة البطالة في صفوف حملة المؤهلات العليا تتجاوز 15%، وهو ما يناقض مستهدفات "توطين الصناعة" التي تتطلب عمالة ماهرة لا تجد مكاناً في المشروعات القائمة على الشركات الأجنبية.
3. تآكل القوة الشرائية للأجور
فجوة الأجر والخدمة: ارتفعت أسعار تذاكر النقل والمواصلات بنسبة تتراوح بين 400% إلى 1000% خلال السنوات العشر الأخيرة، بينما لم تشهد الأجور والمعاشات زيادة تتناسب مع معدلات التضخم التي كادت تلامس 35-40% في فترات ذروة الأزمة.
تحدي المعاشات: يبرز الرقم الصادم لمتوسط المعاشات (حوالي 3000 جنيه)، وهو مبلغ لا يكاد يغطي تكلفة المواصلات والاحتياجات الأساسية لأسرة مكونة من فردين، مما يجعل "تطوير النقل" عبئاً معيشياً وليس تسهيلاً.
4. الخلل في هيكل الإنفاق العام
تريليونات "الخرسانة" مقابل "الإنسان": بلغت تكلفة خطة وزارة النقل 2 تريليون جنيه، وهو رقم يتخطى ميزانيات قطاعي الصحة والتعليم مجتمعين لسنوات طويلة، مما يعزز الانتقادات حول ترتيب الأولويات الوطنية في ظل أزمة اقتصادية طاحنة.
التشرد العمالي
تعتبر قضية "التشرد العمالي" أو ما يُعرف إحصائياً بـ "العمالة غير المنتظمة" أو "البطالة الهيكلية" من أكثر الملفات تعقيداً في الاقتصاد المصري، نظراً للفجوة الكبيرة بين حجم قوة العمل المتاحة والفرص المستقرة التي يوفرها السوق.
فيما يلي رصد لأهم الأرقام الرسمية (بناءً على بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2025 وما قبله) التي توضح حجم الضغط على سوق العمل:
1. قوة العمل مقابل المتعطلين (أرقام 2025)
إجمالي قوة العمل: بلغت حوالي 34.154 مليون فرد (موزعة بين 27.6 مليون من الذكور و6.5 مليون من الإناث).
عدد المتعطلين: وصل إلى 2.136 مليون متعطل، بزيادة قدرها 23 ألف متعطل عن العام السابق.
معدل البطالة: استقر إحصائياً عند حدود 6.7% من إجمالي قوة العمل، لكن هذه النسبة لا تشمل "العمالة الهامشية".
2. العمالة غير المنتظمة (القطاع غير الرسمي)
هذا القطاع هو الذي يضم الفئات الأكثر عرضة "للتشرد المهني" أو فقدان الدخل المفاجئ:
الحجم التقديري: تشير البيانات الرسمية وتقديرات وزارة القوى العاملة إلى أن حجم العمالة غير المنتظمة في مصر يتراوح بين 11.5 إلى 14 مليون عامل.
القطاع غير الرسمي: يساهم هذا القطاع بنحو 40% إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن العاملين فيه يفتقرون إلى عقود عمل، تأمينات اجتماعية، أو غطاء صحي، مما يجعلهم "مشريدن وظيفياً" عند توقف أي مشروع.
3. الفجوة التعليمية والبطالة (أرقام صادمة)
الأرقام الرسمية تظهر مفارقة حادة؛ فالبطالة تتركز في الفئات الأكثر تعليماً:
حملة المؤهلات العليا والمتوسطة: يمثلون حوالي 82.4% من إجمالي عدد المتعطلين عن العمل.
هذا يعني أن سوق العمل والمشروعات القومية (مثل مشروعات النقل والمقاولات) تعتمد غالباً على عمالة كثيفة غير ماهرة، بينما يظل خريجو الجامعات في حالة "تعطل" أو يضطرون للعمل في مهن هامشية لا تناسب تخصصاتهم.
4. معدل المساهمة في النشاط الاقتصادي
تبلغ نسبة المساهمة في النشاط الاقتصادي حوالي 42.7% فقط من إجمالي السكان (في سن العمل)، مما يعني أن هناك أكثر من 57% من الأشخاص في سن العمل هم "خارج قوة العمل" (طلاب، ربات بيوت، أو أشخاص فقدوا الأمل في إيجاد وظيفة)، وهو ما يفسر وصول الرقم الذي ذكره (60 مليونًا) كإجمالي السكان في سن العمل، لكن الفاعلين منهم اقتصادياً هم نصف هذا الرقم فقط.