الانقلاب يدهس استقلال القضاء.. المنقلب عضو بـ “المجلس الأعلى”

- ‎فيتقارير

الطغاة لا يمكنهم العمل في الظروف الطبيعية، يرغبون في السيطرة المطلقة ولا تروق لهم معاني مثل العدالة والمساوة والحرية، لذلك تراهم علي خلاف دائم مع الجهات التي من صميم عملها رعاية، تلك المعاني والقيام علي تنفيذها مثل القضاة وقادة الفكر والرأي والعلماء والكتاب والصحفيين، برز هذا المشهد واضحا أثناء حكم عبد الناصر فيما عُرف بمذبحة القضاة عام 1969 ,أراد المنقلب عبد الفتاح السيسي أن يُحكم السيطرة على القضاء، فأنشأ المجلس الأعلى للهيئات القضائية بغرض السيطرة على الجهات والهيئات القضائية، وسحب السلطات الإدارية لجهات القضاء ووضعها في يد رئيس الجمهورية.

واعتمد عدة أساليب للسيطرة والهيمنة على عمل القضاء فيما يخص التعيينات والقوانين الحاكمة للجهات القضائية، وتعديل النصوص الدستورية، بالإضافة لسيل من التعديلات القانونية في مقدمتها القوانين الإجرائية التي تعتبر عُدة القاضي الرئيسية في الحكم والولاية كقانون العقوبات والإجراءات الجنائية والمرافعات المدنية، وكذا المواد القانونية الخاصة بإجراءات التقاضي أمام محاكم الاستئناف والنقض.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد ففي سعيه لإحكام السيطرة على الجهات القضائية، أحيا نظام الانقلاب مجدداً المجلس الأعلى للهيئات القضائية ضمن التعديلات الدستورية التي أجراها في 2019 ومنحه اختصاصات أوسع بكثير من نسخته الأولي في 1969، شملت آليات حصرية لتعيين رؤساء الجهات والهيئات القضائية، وأعطت للمجلس حق النظر في شروط التعيين والترقية والتأديب، وأخذ رأيه في مشروعات القوانين المنظمة لهذه الجهات والهيئات، وهو ما يمثل تدخلاً أشد وسيطرة أعمق من تدخلات نظام عبد الناصر.

 

 وسعت تعديلات دستور 2019 بشكل غير مسبوق من اختصاصات هذا المجلس، بما يفوق الاختصاصات التي أنشئ بموجبها حددتها المادة 185 من الدستور بعد تعديلها نوجزها في النقاط التالية.

بموجب التعديلات أصبح المجلس مختص بالنظر في شروط تعيين أعضاء الجهات والهيئات القضائية وترقيتهم وتأديبهم، وكان هذا من اختصاص مجالس الهيئات والجهات القضائية كل فيما يخصه.

حل المجلس محل مجالس الهيئات القضائية في أخذ الرأي في مشروعات القوانين المنظمة لشئون هذه الجهات والهيئات.

المجلس يقوم على إدارة الشئون المشتركة بين الجهات والهيئات القضائية بعدما كان مجلس تنسيقي في تعديلات 2008.

 

المنقلب عضو بالمجالس الأعلى للقضاء وله " حق الفيتو"

تشكيل المجلس كما ورد بالتعديل الدستوري يترأسه رئيس الجمهورية وعضوية رئيس المحكمة الدستورية ورؤساء الهيئات والجهات القضائية رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس الدولة ورئيس هيئة القضاء العسكري ورئيس هيئة قضايا الدولة ورئيس هيئة النيابة الإدارية ورئيس محكمة استئناف القاهرة والنائب العام، وتصدر قراراته بموافقة أغلبية أعضائه على أن يكون من بينهم "فيما يشبه حق الفيتو" رئيس المجلس الذي هو رئيس

الجمهورية، سيما بعد تعديل طريقة التعيين التي سيأتي ذكرها بعد.

وعقب التعديلات الدستورية في 2019 جاء الانعقاد الأول للمجلس في مايو 2020 برئاسة وزير العدل والذي اكتفى فيه وزير العدل بنقل "توجيهات" السيسي للقائمين على منظومة القضاء، هكذا جاءت تغطية الصحف مستخدمة لفظ "توجيه" الذي لا يتلاءم بحسب الأصل مع البيئة القضائية كسلطة مستقلة تتخذ ما تراه مناسباً حسب متطلبات العدالة وتوجهات مجالس الهيئات القضائية، وهو ما يعبر عن مرحلة جديدة يقتصر دور المجلس على تنفيذ التوجيهات.

اتخذ المجلس في اجتماعه برئاسة السيسي في يوليو 2021 قرارات وصفت إعلامياً بالتاريخية، شملت بعضها إجراءات إدارية تنظيمية وأخري تضمنت شئونا فنية تمس العمل القضائي كالتالي:

بدء عمل العنصر النسائي في مجلس الدولة والنيابة العامة اعتباراً من 1 أكتوبر القادم اعتبار الأول من أكتوبر كل عام يوماً للقضاء المصري، توحيد المستحقات المالية بين الدرجات المناظرة في الجهات والهيئات القضائية الأربعة.

عدم تكرار أسماء المقبولين للتعيين في الجهات والهيئات القضائية اعتباراً من خريجي دفعة عام 2018 بالنسبة لمجلس الدولة والنيابة والموافقة على إنشاء مدينة العدالة بالعاصمة الإدارية وعلى كل جهة وهيئة قضائية موافاة وزارة العدل بطلباتها.

 

القرارات على درجة كبيرة من الأهمية، ومعبرة إلي حد كبير عن مدي تدخل المجلس الأعلى للهيئات القضائية في صميم عمل مجالس الهيئات، وهو ما يعد تأكيداً لتوجه التعديلات الدستورية التي أضعفت من سيطرة مجالس إدارة الهيئات القضائية على شئون أعضائها، في مقدمتها مجلس الدولة الذي أزعج النظام في فترات سابقة في قضايا عدة أبرزها دوره البارز في قضية تيران وصنافير ودوره الواضح من قرارات التحفظ على أموال المعارضين ما اضطر النظام لتعديلات قانونية جوهرية لمجابهة أحكام مجلس الدولة المتتابعة برفض التحفظ والاستيلاء على الأموال.

تدخل مباشر في اختصاصات القضاء

في 2010 شهدت أروقة مجلس الدولة حالة انقسام حاد حول قرار تعيين المرأة بالمجلس، حيث شهدت الجمعية العمومية لمجلس الدولة التي انعقدت في 15 فبراير 2010 حالة تقترب من الإجماع برفض عمل المرأة بالمجلس، وذلك رداً على القرار الذي اتخذه المجلس الخاص بتعيين مندوبين و(مندوبات) من خريجي دفعة 2008-2009

 وتسبب انعقاد الجمعية وقراراتها في اهتزاز قرار المجلس الخاص وتراجع بعض المستشارين عن الموافقة ما اضطر رئيس مجلس الدولة باتخاذ القرار رقم 92 لسنة 2010 بالمضي في إجراءات التعيين التي سبق اتخاذها بالمجلس الخاص، هذا القرار تسبب في ثورة من قضاة المجلس ضد رئيسه متهمين إياه بالانفراد باتخاذ القرار ومخالفة قرارات المجلس الخاص والجمعية العمومية ووصل الأمر في سابقة تاريخية بالتهديد بسحب الثقة منه ومن ثم انعقدت جمعية عمومية طارئة في 1 مارس 2010 قررت إرجاء إجراءات تعيين المرأة بالمجلس واعتبار الجمعية في انعقاد دائم لمتابعة تنفيذ قراراتها، تزامن مع ذلك طلب تفسير تقدم به وزير العدل للمحكمة الدستورية لتفسير بعض نصوص الأزمة قابله اعتراضات من قبل شيوخ مجلس الدولة بعدم اختصاص المحكمة الدستورية

 

احتكار تعين رؤساء الهيئات القضائية

وشدد المتحدث الرسمي باسم الجمعية خلال تصريح أضاف بعداً جديداً للأزمة يكمن رفض الرغبة في تعميم تجربة تعيين المرأة التي نجحت في جهات أخري مضيفا أن الجمعية العمومية بمجلس الدولة تكنّ كل احترام لجميع الهيئات القضائية الأخرى، وأهاب بعدم التدخل في شئون مجلس الدولة الداخلية مع رفض كل التلميحات والتهديدات التي تنطوي على تدخلات غير مشروعة لإجهاض قراري الجمعية العمومية والمجلس الخاص.

من هذه الوقائع التاريخية يتضح أهمية القرار الذي اتخذه المجلس الأعلى للهيئات القضائية برئاسة السيسي، ويوضح مدي تدخل السلطة التنفيذية في عمل أصيل من أعمال المجلس الخاص والجمعية العمومية لمجلس الدولة لا سيما في أمر كان ومازال محل خلاف في أوساط قضاة مجلس الدولة وهو ما يقوم دليلاً على نوعية القرارات والتوجهات التي من أجلها أعيد المجلس الأعلى للهيئات القضائية للعمل بعد تعطيله منذ.

 

ونستعرض طريقة التعيينات القضائية التي استحدثها النظام بالتزامن مع استعادة دور المجلس الأعلى للهيئات القضائية، شملت التعديلات الدستورية طريقة تعيين رؤساء الهيئات والجهات القضائية بطريقة أطلقت يد رئيس الجمهورية في اختيارهم بصورة منفردة، وكان المستقر بالجهات والهيئات القضائية قيام مجالس الإدارة بالإشراف على اختيار رؤساء تلك الهيئات بالاستئثار حيناً وبالمشاركة في القرار أحياناً.

الدستورية العليا

الرفض الذي قوبل به قرار مبارك بتعيين المستشار فاروق سلطان رئيساً للمحكمة الدستورية في الأوساط القضائية وبالأخص قضاة الدستورية، دفع المجلس العسكري لمعالجة الأمر بتعديل قانون المحكمة الدستورية عام 2011ليتم بموجبه صدور قرار رئيس الجمهورية بتعيين رئيس المحكمة من بين أقدم ثلاثة نواب لرئيس المحكمة، كما يعين نوابه بقرار رئيس الجمهورية، وذلك بعد موافقة الجمعية العامة للمحكمة في كليهما، واشترط التعديل أن يكون ثلثا نواب رئيس المحكمة من بين أعضاء الهيئات القضائية والأولوية في التعيين لهيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية.

دستور 2014 اعتمد طريقة مثالية ومرضية إلى حد كبير لقضاة الدستورية فيما اعتبر مكافأة لدور المحكمة الدستورية في دعم خطوات الانقلاب العسكري، فجاءت تعيينات المحكمة بالأقدمية البحتة، فالجمعية العامة للمحكمة هي المعنية باختيار الرئيس والنواب ويقتصر دور رئيس الجمهورية على إصدار قرار التعيين.

دستور 2019 عكس وضعية التعيين تماماً، حيث ينفرد رئيس الجمهورية بتعيين رئيس المحكمة من بين أقدم خمسة نواب دون أي دور للجمعية العامة للمحكمة، كما يعين رئيس الجمهورية نواب رئيس المحكمة من بين اثنين ترشح أحدهما الجمعية العامة للمحكمة ويرشح الآخر رئيس المحكمة، كما يعين رئيس هيئة المفوضين بقرار رئيس الجمهورية بناء على ترشيح رئيس المحكمة بعد أخذ رأي الجمعية العامة للمحكمة هو ما صدر به القانون 78 لسنة 2019 بتعديل قانون المحكمة الدستورية العليا.

رؤساء الهيئات القضائية

نسخ ذلك تماماً في 2017حيث صدرت حزمة من التعديلات لقانون السلطة القضائية فيما يخص النائب العام ورئيس محكمة النقض، وكذا قوانين مجلس الدولة وهيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة، غيرت من طريقة تعيين رؤساء تلك الهيئات لتتم من بين ثلاثة ترشحهم مجالس تلك الهيئات من بين أقدم سبعة نواب، كما تضمنت التعديلات قيوداَ من قبيل وجوب إبلاغ رئيس الجمهورية بأسماء المرشحين قبل نهاية مدة رئيس الهيئة بستين يوما، بالإضافة لأحقية رئيس الجمهورية في التعيين من بين أقدم سبعة نواب مباشرة "دون ترشيح من المجالس" في حال عدم تسمية المرشحين خلال المدة، أو ترشيح عدد أقل من ثلاثة، أو ترشيح من لا تنطبق عليهم الشروط التي وضعها القانون.

صاحب تلك التعديلات احتجاجات واعتراضات من القضاة وبعض الساسة لم تمنع البرلمان من إقرارها وأصدرها السيسي، بالرغم من توصية قسم التشريع بمجلس الدولة بعدم إصدارها لتوافر شبهة عدم الدستورية في أغلب مواد القانون.

فسّر البعض الإصرار عليها برغبة الانقلاب في استبعاد بعض القضاة من رئاسة مجالسهم، كالمستشار يحيى الدكروري النائب الأول لرئيس مجلس الدولة بسبب موقفه في قضية تيران وصنافير، والمستشار أنس عمارة النائب الأول لرئيس محكمة النقض بسبب أحكامه التي ألغي فيها أحكام الإعدام المستندة علي تحريات الأمن الوطني.

للمرة الثانية جري تعديل ذات القوانين في 2019لتتضمن هذه المرة (طريقة موحدة) ينفرد فيها رئيس الجمهورية بتعيين رؤساء تلك الهيئات من بين أقدم سبعة نواب لرئيسها، ليتجاوز بها ضرورة الموافقة الرسمية لمجالس تلك الهيئات والتي أقرتها القوانين السابقة كمكتسبات، كما يتجاوز بالقدر ذاته كافة أعراف تلك الهيئات التي استقرت على اختيار أقدم النواب رئيساً لها.

مرت معركة استقلال القضاء بمراحل عدة خلال قرن من الزمن منذ نشأة المحاكم المصرية الوطنية في العهد الملكي مروراً بعهود رؤساء الجمهورية المتعاقبين، والتي شهدت فترات صدام تمثلت ذروتها في مذبحة القضاة، وفترات هدوء نسبي متفاوت القدر.

 بعد 2013 نستطيع تسميتها بالصدام المكتوم الذي استخدم فيه النظام الانقلابي آليات تأليبية تستخدم القضاة ضد زملائهم وتستغل, التجاذبات السياسية في تقليم أظافرهم، في ظل غياب تام لحركات استقلا القضاء والإغداف المفرط للمزايا التي يستخدمها النظام في استمالة فريق من القضاة ضد آخر ما اتخذه النظام من آليات لإحكام السيطرة على الجهات والهيئات القضائية بالدستور والقوانين والقرارات التنفيذية جعل من الجسد القضائي مسخاً لا روح فيه، فلا هو احتفظ بحيوية جهود الاستقلال، ولا نال الشراكة الكاملة مع النظام، حتي أضحي المجال القضائي وظيفياً بامتياز في ظل الاحتكام لمجلس معين بالكامل من رئيس الجمهورية، مهادناً لأبعد درجة، يفعل ما يُطلب منه ويتوقى مزالق الغضب ويكتب قصائد المدح وينضبط بتقارير الأداء.