نشرت صحيفة مودرن دبلوماسي مقالا للدكتور جيمس م. دورسي الأستاذ في كلية الدراسات الدولية س. راجاراتنام، سلط خلاله الضوء على تقرير الاستخبارات الأمريكية بشأن مقتل الصحفي جمال خاشقي وتداعياته على المملكة العربية السعودية. وقال الكاتب إن نشر إدارة بايدن لتقرير استخباراتي أمريكي يحمل ولي عهد السعودي محمد بن سلمان مسؤولية مقتل الصحفي جمال خاشقجي يخلق تحديا أساسيا لطموحات المملكة الجيوسياسية. مضيفا أن هذا التحدي يكمن في ما إذا كانت المملكة العربية السعودية ستسعى إلى زيادة تنويع تحالفاتها مع القوى العالمية الأخرى وكيفية ذلك استجابة للتقرير والضغط الأمريكي على حقوق الإنسان.

خيارات محدودة

وأوضح الكاتب أن الخيارات المتاحة بين السعودية والإمارات العربية المتحدة محدودة بسبب حقيقة أنهما لا يمكنهما أن يحلا محل الولايات المتحدة بالكامل كدعامة أساسية للدفاع عنهما، فضلا عن سعيهما إلى الهيمنة الإقليمية، حتى لو كان التقرير يحيي التصورات حول الولايات المتحدة باعتبارها غير موثوقة وتتعارض مع سياساتهما.

وأشار إلى أنه في الوقت الذي يفكر فيه العاهل السعودي الملك سلمان والأمير محمد في خياراتهما، بما في ذلك تعزيز العلاقات مع لاعبين خارجيين مثل الصين وروسيا، قد يجدان أن الاعتماد على هاتين القوتين قد يكون أكثر خطورة من العثرات التي تواجهها علاقات المملكة مع الولايات المتحدة.

ومن المرجح أن تكون الاعتبارات الأساسية للسعودية والإمارات هي تشكيل توازن القوى النهائي بين المملكة وإيران في رقعة من الأرض تمتد من الساحل الأطلسي لإفريقيا إلى حدود آسيا الوسطى مع الصين.

وقالت تريتا بارسي نائبة الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي لفن الحكم المسؤول الذي يتخذ من واشنطن مقرا له ومؤسس المجلس الوطني الإيراني الأمريكي "إذا أجبرت الرياض على الاختيار، فضلت إيران معزولة بقنبلة نووية على إيران مقبولة دوليا غير مسلحة بأسلحة الهلاك"، واستندت بارسي إلى المواقف السعودية والإماراتية خلال مقابلات مع مسؤولين معنيين بالمفاوضات في وقت كان فيه السيد بايدن نائبا للرئيس.

ونتيجة لذلك، يبدو أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل لا تزال مصممة على إما إحباط عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق، الذي انسحب منه سلف السيد بايدن، دونالد ج. ترامب، أو ضمان فرض شروط على إيران من شأنها أن تقوض بشدة مطالبتها بالهيمنة الإقليمية.

أهداف مشتركة

وفي التحليل النهائي، تتقاسم دول الخليج وإسرائيل أهدافا أمريكية لا تشمل فقط تقييد القدرات النووية الإيرانية، بل أيضا الحد من برنامجها للصواريخ الباليستية وإنهاء الدعم لجهات غير حكومية مثل «حزب الله» اللبناني والميليشيات العراقية والحوثيين اليمنيين، وتختلف دول الشرق الأوسط مع إدارة بايدن حول كيفية تحقيق تلك الأهداف وتسلسل سعيها.

ومع ذلك، من المرجح أن تدرك دول الخليج مع التفكير في خطواتها التالية التي تعرفها إسرائيل بالفعل: من غير المرجح أن يتطابق التزام الصين وروسيا بالدفاع عن المملكة العربية السعودية أو إسرائيل مع التزام الولايات المتحدة نظرا إلى أنهما ينظران إلى إيران غير مقيدة بالعقوبات والعزلة الدولية على أنها إستراتيجية بطرق لا يمكن أن تتطابق إلا مع تركيا بدلا من دول الشرق الأوسط الأخرى.

كما سيتعين على السعودية والإمارات أن تدركا أنهما قادرتان على التأثير على السياسات الأمريكية بمساعدة اللوبي الإسرائيلي القوي في واشنطن وشركات الضغط والعلاقات العامة الأمريكية المؤثرة بطرق لا تستطيع القيام بها في الصين الاستبدادية أو روسيا الاستبدادية.

ولا شك أن الصين وروسيا ستسعيان إلى استغلال الفرص التي أوجدتها إعادة تقويم الولايات المتحدة لعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية من خلال مبيعات الأسلحة، فضلا عن زيادة التجارة والاستثمار، ولكن هذا لن يغير من نظرة البلدين على المدى الطويل إلى إيران كدولة، وإن كانت إشكالية، مع سمات لا يمكن لدول الخليج أن تضاهيها حتى لو كانت في حالة يرثى لها اقتصاديا وسياسيا للحظات.

مفترق طرق 

وتشمل هذه السمات جغرافية إيران بوصفها بوابة على مفترق طرق آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا؛ والروابط العرقية والثقافية والدينية مع آسيا الوسطى والشرق الأوسط نتيجة للتاريخ والإمبراطورية؛ هوية عميقة الجذور متجذرة في الإمبراطورية؛ بعض من أهم احتياطيات النفط والغاز في العالم؛ عدد كبير من السكان المتعلمين تعليما عاليا يبلغ 83 مليون نسمة ويشكل سوقا محلية ضخمة؛ اقتصاد متنوع بشكل أساسي؛ وجيش متشدد في المعركة.

كما تتقاسم إيران طموحات صينية وروسية لاحتواء النفوذ الأمريكي حتى لو اصطدمت طموحاتها في بعض الأحيان بتطلعات الصين وروسيا.

وقال الباحث الإيراني أليكس فاتانكا "ستقوم شركة BRI الصينية بتمويل خيارات إضافية للنقل العابر لنقل البضائع من الموانئ في جنوب إيران إلى شمالها وخارجها إلى تركيا أو روسيا أو أوروبا، ولدى الصين عدد من خيارات العبور المتاحة لها، ولكن من الصعب تجنب الأراضي الإيرانية لأي روابط بين الجنوب والشمال أو الشرق والغرب".

وبالمقارنة مع إيران غير المقيدة، فإن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة توفران في المقام الأول الجغرافيا المتعلقة ببعض أكثر الممرات المائية استراتيجية التي يتدفق من خلالها الكثير من النفط والغاز في العالم، فضلاً عن موقعهما مقابل القرن الإفريقي واحتياطيات الطاقة فيهما.

وعلاوة على ذلك، فإن موقف المملكة العربية السعودية كزعيم ديني في العالم الإسلامي الذي بني على وصايتها على أقدس مدينتين في الإسلام، مكة المكرمة والمدينة المنورة، قد يواجه تحديا في الوقت الذي تتنافس فيه المملكة على الزعامة مع دول أخرى ذات أغلبية مسلمة في الشرق الأوسط وآسيا.

سيناريو اضطراري

وعلى مبدأ العدو الذي تعرفه أفضل من الشيطان الذي لا تعرفه، قد يجد القادة السعوديون أنهم، في أفضل السيناريوهات، استجابة لتغيير السياسات الأمريكية القادرة على الخروج من الصناديق الضيقة من خلال التواصل مع الصين وروسيا بطرق لم تفعلها حتى الآن، ولكن في نهاية المطاف يحرمون من الخيارات الجيدة.

وقد يعزز هذا الاستنتاج إدراك أن الولايات المتحدة قد أشارت بعدم فرض عقوبات على الأمير محمد بأنها لا ترغب في قطع حبلها السري مع المملكة. وقد وردت هذه الرسالة أيضا في قرار إدارة بايدن السابق بوقف بيع الأسلحة التي يمكن للمملكة العربية السعودية أن تقوم بها للقيام بعمليات هجومية في اليمن ولكن ليس الأسلحة التي تحتاجها للدفاع عن أراضيها من الهجمات الخارجية.

وفي المحصلة النهائية، فإن الخيار الأفضل للمملكة العربية السعودية لمواجهة إيران التي تشكل تهديدا لطموحات المملكة بغض النظر عن النظام الذي يُحكم به هو العمل مع حلفائها لتطوير نوع السياسات الاقتصادية والاجتماعية فضلا عن الحوكمة التي من شأنها أن تمكنها من الاستفادة من أصولها للمنافسة بفعالية. إن احتواء إيران هو تكتيك قصير الأجل سوف يستمر في نهاية المطاف في مساره.

وحذر الدبلوماسي البريطاني السابق والمدير التنفيذي لشركة رويال داتش شل إيان ماكريدي: "عندما تم تفكيك الإمبراطورية العثمانية في عام 1922، خلقت فراغا حاولت سلسلة من السلطات ملءه منذ ذلك الحين. لم ينجح أي منهم، وكانت النتيجة قرناً من الحروب والانقلابات وعدم الاستقرار. حكمت إيران كل هذه الأراضي قبل الفتوحات العربية والعثمانية، ويمكنها أن تفعل ذلك مرة أخرى".

 

US intelligence report leaves Saudi Arabia with no good geopolitical choices

Facebook Comments