بعد سلسلة من العسكرة لكافة مناحي الحياة في مصر منذ الانقلاب العسكري، واصل نظام السيسي السيطرة على العقل المصري، عبر عدة محاور لبنائه وفق استراتيجية العسكر وإخضاعه، المحاور تنوعت بين السيطرة على التعليم وعسكرته، لإنتاج جيل مسلوب الإرادة والحرية، والإعلام الذي يجري تكميمه وتدجينه ليسبح بحمد العسكر ويقدس البيادات العسكرية، ثم الميديا والفضائيات التي باتت تحت قبضضة جهاز المخابرات الحربية بالشراء وتأسيس قنوات وإنتاج مسلسلات وأفلام تسير في مجاري العسكر الفكرية والقمعية، ثم وصل الدور على الثقافة والفنون عبر قرارات وزارية مؤخرا، تلزم مقيمي المهرجانات والمعارض الحصول على التصاريح، مع قرار بتخفيض دعم الدولة للمهرجانات السينمائية لـ40%.
ومؤخرا، سادت حالة من التخبط والارتباك بين صفوف فرق عمل المهرجانات الثقافية إثر الاعلان عن القرار الذى أصدره مجلس الوزراء والخاص بتنظيم وإقامة أى مهرجان، و تخفيض الدعم المالى الذى تحصل عليه المهرجانات الفنية والثقافية، بحيث لا تتجاوز قيمة الدعم نسبة 40% من موازنة المهرجان. وقوبلت تلك النسبة برفض كبير من غالبية رؤساء المهرجانات التى تحصل على كامل دعمها من الدولة أو على أقل تقدير على النسبة الأكبر من ميزانيتها، بخلاف مهرجان «الجونة السينمائى» الذي يعتمد اعتمادا كليا على تمويل مستقل بعيدا عن الدولة.
ودعا رؤساء المهرجانات المتضررة لاجتماع عاجل وطارئ لمناقشة المستجدات، وتبعيات القرارات التي صدرت مؤخرا، ثم طلب لقاء مع وزيرة الثقافة «إيناس عبدالدايم» للوصول لحل يرضي جميع الأطراف.
وقال المخرج «مجدى أحمد علي»، رئيس مهرجان «شرم الشيخ السينمائى»، إن «الموضوع الذي نتحدث عنه ليس بسيطا وهينا، فنحن أمام أزمة حقيقية ستواجهها المهرجانات الفنية تأثرا بهذا القرار الذي تم اتخاذه في غفلة عن المعنيين وبدون التشاور مع أحد». وأكد أنه «قرار شديد التعجل يتضمن أشياء غير دستورية أو قانونية، ويكفي أنه يتسبب في ضرر كبير للحركة الثقافية والفنية وحركة المجتمع المدني ولن يحظى على إعجاب أحد».
وتابع في تصريحاته الصحفية: «نحن الآن في انتظار تحديد موعد لعقد اجتماع عاجل مع رؤساء المهرجانات، فالهم لا يخص مهرجان بعينه بل ستتأثر كل المهرجانات الأخرى وسنطلب تحديد موعد مع وزيرة الثقافة لمعرفة وجهة النظر وراء هذا القرار ونحاول وضع حل لهذه الأزمة».
مهرجانات وحفلات بتراخيص
وبحسب خبراء، فإن قرار تخفيض الدعم قد يخل بإمكانية إقامة بعض المهرجانات خاصة تلك التي تعتمد اعتمادا كليا على دعم الدولة وغير قادرة على الحصول على موارد أخرى، مثل مهرجان الإسكندرية السينمائى، وشرم الشيخ السينمائى والمسرحي، ومهرجان سماع وطبول وغيرها من المهرجانات، التى ستواجه أزمة كبيرة قد تهدد خروجها للنور مرة أخرى في حال تنفيذ هذا القرار..
وبحسب الناشط والمحامي زياد بهاء الدين، في مقاله بالشروق 16 يوليو، فقرار رئيس الوزراء الأشد تأثيرا وتضييقا على حرية الرأى والتعبير، مضيفا: “بل لأنه يعبر عن رغبة فى السيطرة على الثقافة والفن والابداع بأسلوب لا ينتمى للعصر الذى نعيشه وبشكل بالغ الضرر بالثقافة المصرية”.
كما أن القرار رقم ١٢٣٨ لسنة ٢٠١٨ يمنع تنظيم المهرجانات والحفلات والفاعليات الفنية والثقافية إلا بعد الحصول على ترخيص من وزارة الثقافة. وهذا فى حد ذاته حكم غريب لأن مصطلح «فاعليات ثقافية» شديد الاتساع وبالتالى لا يقتصر على المناسبات الكبرى التى يحضرها الآلاف وقد تحتاج لرقابة وتنظيم، بل يشمل كل نشاط ثقافى، الكبير منه والصغير، بمقابل وبالمجان، الحكومى والخاص، الموسيقى والسينمائى والتشكيلى والأدبى، وسواء كان فى قاعة أو نادٍ أو نقابة.
وقد نص القرار على تشكيل لجنة عليا للمهرجانات برئاسة وزيرة الثقافة وعضوية ثمانى وزارات بجانب رؤساء النقابات الفنية والأدبية، تختص بدراسة طلبات إقامة المهرجانات والحفلات، ووضع أجندة سنوية لها، والتنسيق مع المحافظين كى لا ينعقد أى مهرجان أو احتفال خارج هذا التنظيم.

تعنت وسيطرة
ونص القرار بعد ذلك على مجموعة من الضوابط التى تحكم سيطرة الدولة على النشاط الثقافى، فنجد أن على الجهة الراغبة فى عقد مهرجان أو احتفال تقديم طلبها خلال شهر يونيو فقط من كل عام، وأن الطلب يجب أن يتضمن أسماء كل المدعوين، وأن الجمعيات الأهلية لا يجوز لها إقامة حفل إلا إن كان لها «نشاط ملموس لخدمة المجتمع فى مجال تخصص المهرجان أو الاحتفال»، أما الشركات فيجب أن يكون ٥١٪ على الأقل من رأسمالها مملوكا لمصريين، وأخيرا فقد نص القرار على ضرورة مراعاة «العدالة الثقافية فى توزيع المهرجانات والاحتفالات على محافظات الجمهورية» وعدم إقامة أكثر من مهرجان أو احتفال فى ذات المجال فى نفس المحافظة.
ويقول بهاء الدين: “نحن إذن لسنا أمام تنظيم قانونى يستهدف تأمين وحماية المهرجانات والاحتفالات حرصا على سلامة الحاضرين، ولا يستهدف الحد من التهرب الضريبى على النشاط الفنى، ولا حماية حقوق الملكية الفكرية، وكل هذه أهداف طبيعية ومشروعة كان ينبغى أن تعتنى بها الحكومة. نحن أمام سياسة تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير لأنها تستهدف السيطرة على النشاط الفنى والثقافى والإبداعى فى حد ذاته، وتتصور أن بالإمكان أن تضع له الدولة خطة سنوية على نحو ما تخطط لبناء الطرق والكبارى والمستشفيات العامة. وهذا كله غير قابل للتحقيق ويضر بالثقافة المصرية”.. وهكذا تسير مصر نحو التأميم والسيطرة والكبت والتضييق على كل الحريات من اجل استتباب السيطرة والقمع لنظام العسكر.