سلميُنا أقوى من الرصاص .. الفضُّ الدموي يثبت خطاب المرشد وصدقية الإخوان وكذب رواية قائد الانقلاب وافتراءه

- ‎فيتقارير

يروّج الخطاب الرسمي للسلطة، المتمثل في تصريحات أركان النظام وقائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي والكتل الإعلامية الموالية له، لرواية تُحمّل جماعة الإخوان المسلمين المسؤولية الكاملة عن التصعيد، وتصف تحركاتهم بأنها كانت مسلحة ومدبرة لإثارة الفوضى ومواجهة الدولة، وهي رواية بائسة يعرفها المتابعون والمتفاخرون على منصات التواصل الاجتماعي ب"قتل الخرفان" وحرق جثثهم وهو خطاب مستمر معهم منذ 2013.

وعبر منصة "بوابة الحرية والعدالة" ومنصات أخرى فككت هذه الادعاءات، مستندة إلى أدلة ميدانية وتقارير حقوقية دولية ومقاربات في علم النفس السياسي لتأكيد أن "السلمية" لم تكن مجرد تكتيك عابر للاستهلاك الإعلامي، بل كانت استراتيجية تنظيمية ملزمة، وأن قرار الفض الدموي كان خياراً أحاديًا لسلطة ما بعد الثالث من يوليو.

تفكيك ادعاءات التصعيد

وتصدت منصة "صحيح الإخوان" للمقالات المنشورة في الصحف المحلية مثل "أخبار اليوم"، والتي حاول كُتابها اتهام المرشد العام الثامن لجماعة الإخوان المسلمين، الدكتور محمد بديع، بلعب دور محوري في توجيه التنظيم نحو التصعيد وتبني خطاب المواجهة مع الدولة، مدعين أن خطابه من منصة رابعة كان تحفيزاً مباشراً لقواعد التنظيم على الانخراط في العنف. وقد قامت المنصة بتفنيد هذا الادعاء عبر عدة مسارات تحليلية ومنهجية دقيقة:

"شعار "سلميتنا أقوى من الرصاص"

رأت المنصة أن هذا الشعار الذي أطلقه الدكتور محمد بديع في الخامس من يوليو 2013 من فوق منصة رابعة العدوية لم يكن جملة عابرة، بل كان استراتيجية رسمية و"فتوى حركية ملزمة" مستوحاة من مدرسة عمر التلمساني (المدرسة التلمسانية) التي نبذت العنف في السبعينيات، فالرجل كان يدرك تماماً أن استخدام السلاح يعني فقدان التفوق الأخلاقي وشق صف الجماعة، وكان صمام أمان لمنع القواعد من الانفجار العنيف.

واستند التحليل إلى أن القائد الذي يواجه جماهير غاضبة عقب عزل أول رئيس مدني منتخب (محمد مرسي) لا يمكنه استخدام مصطلحات السلمية لمجرد الوعظ، بل يُعد ذلك أمراً عملياتياً بضرورة الانضباط وكبح جماح الغضب لمنع الانزلاق إلى مواجهة خاسرة مع آلة الدولة العسكرية.

واستشهد التقرير بما قدمه الباحث الأكاديمي الدكتور خليل العناني في كتابه (Inside the Muslim Brotherhood)، والذي أكد فيه أن قيادة الجماعة كانت تدرك يقيناً أن أي انزلاق نحو العنف سيمثل "انتحاراً تنظيمياً" أمام تفوق أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، وهو ما يفسر تمسك القيادة بالبقاء في الميدان كفعل احتجاجي سلمي "ثابت" وليس كخطة لهجوم مسلح.

ليس هواية

وزير الخارجية التونسي السابق د. رفيق عبد السلام @RafikAbdessalem قال: "البعض يتندر بمقولة المرشد العام للإخوان المسلمين، الشيخ محمد بديع فرج الله كربه، بأن "سلميتنا أقوى من الرصاص"، وهي مقولة في نظري صحيحة وسيثبت الواقع والتاريخ صوابتها أكثر، فحمل السلاح ليس هواية،  بل هو ضرورة تلجأ اليها الثورات في حالات خاصة مثل الثورة السورية، وهذا الخيار يستوجب أعلى درجات التحوط والحذر لاحقا حتى لا ينقلب السلاح نفسه على الثورة. ".

وأضاف، ".. حينما تكون في قلب ثورة شعبية سلمية وفي مواجهة قوى قاهرة انقلبت عليك بقوة السلاح،  لا تملك الا أن تصمد وتصبر وتوالي النضال المدني  الى غاية أن تحاصر خصمك بقوة الشعب، فلا توجد قوة على وجه الأرض  أكثر سطوة من قوة الشعب بعد الله سبحانه.".

وأكد أن "سلميتنا أقوى من الرصاص نظرية صحيحة وستهزم مُشهري السلاح والرصاص آجلا أم عاجلا.".

https://x.com/RafikAbdessalem/status/1871207323881898447

أما الباحث أسامة غريب فقال عبر @0s0segy مقال بعنوان "أي طريق تسلكه الأمة؟ بين #السلمية و #المقاومة_المسلحة"  قال "إن الوضع في مصر، مختلف جذريًا عن غيرها" موضحا أن ".. جيش مصر ليس طائفيًا كالجيش السوري، ولا يعاني من الانقسامات العرقية أو الطائفية مثل سوريا، كما أن الحركات المسلحة التي ظهرت في مصر عبر العقود الماضية، كالجماعة الإسلامية والتكفير والهجرة، تعرضت لسحق كامل دون تحقيق أهدافها، بل دفعت البلاد ثمنًا باهظًا من أرواح المدنيين واستقرارها.".

وأكد "غريب" أن ".. الإسلام يُجيز المقاومة المسلحة عند الضرورة، لكنه يضع لها شروطًا صارمة، قال الله تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" (البقرة: 193)، لكنه أيضًا يقول: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" (الأعراف: 56).".

وأوضح أن "السلمية ليست علامة ضعف، بل خيار حكيم عند غياب الظروف المناسبة لحمل السلاح. كما أن المقاومة المسلحة ليست دائمًا طريقًا مضمونًا للنصر، فقد تؤدي أحيانًا إلى كوارث أعظم إذا لم تكن محسوبة بدقة."، مشيرا إلى أن "..السلمية ليست خيارًا عبثيًا أو ضعفًا، بل هي أداة صبر واستراتيجية قد تؤتي ثمارها على المدى الطويل".

وابان أن "النقاش حول السلمية والمقاومة ليس مجرد اختلاف فكري، بل سؤال وجودي يحتاج إلى إجابة متأنية تستلهم العبرة من الماضي، وتبني للمستقبل دون تهور أو تردد.".

 

واستعرض أن الطريق الصحيح ليس في التسرع أو الانجرار خلف العواطف، إنه طريق يعتمد على تقييم الواقع بموضوعية، والتعلم من تجارب الماضي، الأمة تحتاج إلى رؤية موحدة واستراتيجية شاملة تضع مصلحة الجميع فوق أي اعتبارات أخرى.

وكما يقول الله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" (الأنفال: 60)، فإن القوة ليست فقط قوة السلاح، بل قوة الفكرة، والصبر، والإيمان بالحق.

وبين أن ".. الحالة السورية لا يمكن إسقاطها على مصر، الثورة السورية بدأت سلمية، لكنها تحولت إلى مواجهة مسلحة بعدما واجهت بطش نظام طائفي استغل الجيش كأداة قمع مطلقة، إضافة إلى ذلك، دعمت قوى إقليمية ودولية المعارضة السورية، ما أتاح لها مساحة من المناورة والوجود."

وأردف، "أما مصر، فالوضع مختلف تمامًا، النظام في مصر يعتمد على جيش قوي ومركزي، ولا توجد انقسامات طائفية أو دعم خارجي يجعل المقاومة المسلحة خيارًا واقعيًا أو ناجحًا.".

وعن حالة ثالثة أعتبر الباحث ضمن دروس التاريخ الواضحة حيث "..الجزائر، دفعت الحركات المسلحة البلاد إلى حرب أهلية. وفي مصر، التجارب المسلحة السابقة انتهت بالفشل وسحق التنظيمات، بدءًا من محاولات الفنية العسكرية إلى الجماعات الجهادية.".

واستعرض كيف أنه في "..الجزائر، حملت الحركات الإسلامية السلاح في التسعينيات، وكان الثمن حربًا أهلية دامية استمرت سنوات طويلة. في سوريا، اندلعت الثورة سلمية، لكنها سرعان ما انزلقت إلى مواجهة مسلحة بسبب بطش نظام الأسد وانشقاق جزء من الجيش، ما منح المعارضة قوة إضافية، إلى جانب الدعم الإقليمي والدولي الذي حظيت به.".

لا تظلموا بديع

وعلى سبيل الدفع عن الدكتور محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، الذي دعا إلى السلمية، قال إنه "لم يكن رجلًا بسيطًا، بل عالِمًا وقائدًا اختار هذا الطريق بعد دراسة دقيقة لتجارب الماضي وواقع مصر. ومهما كانت المآلات، فإن اختزال تجربته وكلماته في خانة "الفشل" يعد ظلمًا كبيرًا لتضحياته وتضحيات جماعته.".

وفي أحد أيام صيف عام 2013، وقف الدكتور محمد بديع،  أمام مئات الآلاف في ميدان رابعة العدوية، بهدوء العالم وإصرار القائد، صدح بصوت حازم: "سلميتنا أقوى من الرصاص"، تلك الكلمات التي أصبحت شعارًا لمرحلة مفصلية في تاريخ #مصر، لكن الأيام حملت مفارقات قاسية؛ حيث سُجن الرجل الذي دعا للسلمية بتهمة "الإرهاب"، بينما استقبل العالم آخرين كانوا يُتهمون بالإرهاب كقادة يشاركون في صناعة السياسة الدولية.

https://x.com/0s0segy/status/1869532104159044092

رواية السلطة ومسؤولية السيسي عن التصعيد والفض

في المقابل للرواية الرسمية التي روج لها إعلاميون مقربون من النظام (مثل محمد الباز في جريدة الدستور) بادعاء أن السيسي كان يحرص حتى النهاية على إيجاد حل سلمي وأن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق الإخوان، ذهبت منصة "صحيح الإخوان" ومراكز الحقوق المستقلة إلى اتجاه مغاير تماماً يضع المسؤولية القانونية والسياسية على عاتق السلطة العسكرية.

وعن غياب التناسب في القوة الدموية، استندت التحليلات إلى تقارير موثقة مثل تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR) بعنوان "أسابيع القتل"، والذي أثبت أن الغالبية العظمى من المعتصمين كانوا سلميين عُزل، وأن حجم القتل المفرط وغياب التناسب العسكري ينفيان وجود "مواجهة مسلحة" مدبرة من قبل المعتصمين، ويؤكدان أن قرار الفض كان عملية عسكرية مجهزة ومدروسة مسبقاً من السلطة الأمنية.

واستعرضت المنصات "شهادة هيومن رايتس ووتش" حيث أكد تقرير المنظمة الصادر في أغسطس 2014 تحت عنوان "حسب الخطة: مذبحة رابعة والقتل الجماعي للمتظاهرين في مصر" أن القيادات والجمهور كانوا يديرون احتجاجاً سياسياً سلمياً في المقام الأول، ولو وُجد مخطط عنف حقيقي لما ظهر قادة الصف الأول ومرشد الجماعة علانية فوق منصة مكشوفة أمام الرأي العام الدولي.

وخلصت القراءة النقدية للمشهد إلى أن الفريق عبد الفتاح السيسي باعتباره العقل المدبر لأحداث الثالث من يوليو وما تلاها من تداعيات، وباعتباره المستفيد الأول والسياسي الأبرز من السلطة التنفيذية، يتحمل المسؤولية الكاملة عن لجوء السلطة إلى القوة الغاشمة لإنهاء الاعتصامات بالقوة المسلحة المفرطة في الرابع عشر من أغسطس 2013، بدلاً من إتاحة المجال للحلول السياسية السلمية.

لجأ المحللون والتقارير المرصودة إلى إسقاط نظريات المقاومة السلمية العالمية على اعتصام رابعة:

ووُصف خطاب بديع بأنه تطبيق حرفي لنظرية اللاعنف التي اعتمدها قادة عالميون مثل المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينج. فمفهوم "أقوى من الرصاص" يعكس الرهان على الصمود المدني وطول النفس لكسب تعاطف الرأي العام العالمي وشلل أجهزة الدولة السياسية، وليس تنفيذ "ضربة قاضية".

وأشار التقرير رقم 146 الصادر عن مجموعة الأزمات الدولية في تلك الفترة إلى أن القيادة الرسمية للإخوان ظلت متمسكة بمسار الاحتجاج غير المسلح كخيار وحيد للضغط من أجل العودة للمشهد السياسي، وهو ما يتطابق مع المخرجات الحقوقية المستقلة التي وثقت سلمية الفاعلية حتى لحظة الفض العنيف.