سؤال من قرر أن الدم بلا ثمن؟ بحسب المراقبين يمثل الإطار المنهجي الأقوى والأكثر صلابة في أي بحث رصين يتناول ملف فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وتحويل هذا الملف إلى مجرد اتهام سياسي مباشر قد يفقده كثيراً من أسلحته القانونية، بينما إتاحة الفرصة لإسناد كل مرحلة إلى وثائق وشهادات وأسماء وقرارات ومواقف دولية، تترك للقارئ مساحة أوسع وأعمق للحكم والتحليل.
والأهم من ذلك كله، هو إدراك الفارق الجوهري بين التوثيق الحقوقي وبين الحكم القضائي، فالمنظمات الحقوقية الكبرى مثل "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية" وثقتا وقائع شديدة البشاعة، وخلصتا إلى توصيفات قانونية بالغة الخطورة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
غير أن تحديد المسؤولية الجنائية الفردية يحتاج إلى أدلة مادية ومعنوية على سلسلة القيادة، وإصدار الأوامر المباشرة، والمشاركة الفعلية في اتخاذ القرار، وهي بالضبط المساحة الفارغة التي يمكن أن تجعل التحقيق الصحفي أداة ضغط لا تمل ولا تتخلى عن الحقيقة.
شهادات من رحم الميدان ومنصات الذاكرة
حين نستعرض ما يطرح على منصات التواصل الاجتماعي والكيانات الحقوقية والإعلامية، نجد أن الذاكرة الرقمية والشهادات الحية تشكل خط الدفاع الأول ضد محاولات الطمس والتزييف.
وتشير منصة جوار (Jewar): عبر إكس وتوثيقاتها المستمرة إلى أن السنوات الماضية تجسد قمعاً ووحشية غير مسبوقة، ومجازر لا تُحصى ضد المعارضين العزل، من قتل بارد في الميادين إلى اعتقالات تعسفية تطال كل صوت حر، فضلاً عن الإخفاء القسري الذي طال العشرات منذ 13 عاماً. وتؤكد المنصة أن هذا النظام يرتوي من دماء الأبرياء ويقتات من أرواح المظلومين، مشددة على أن القمع لم يقف عند حدود الميادين، بل ما زال يبطش يومياً بكل من قال كلمة خالفت هواه (حساب المنصة.
وفي تناول سيف الحق (@Engr_Saif_Elhaq) لذكرى الفض، يؤكد أن الأمر لم يكن مجرد مجزرة واحدة في رابعة، بل عشرات المجازر المتتالية التي أودت بحياة مئات الشباب الأبرياء بلا ذنب سوى رفض الاستيلاء على البلاد وبيع مقدراتها. ويشير إلى أن الأرواح البريئة تلاحق المسؤولين عن هذه الجرائم، وأن حالة الأرق والاعتماد على المهدئات والأدوية هي الثمن النفسي الذي يدفعه القتلة، متسائلاً عن عدالة السماء التي لا ترحم المتجبرين.
https://x.com/Engr_Saif_Elhaq/status/2087324897986883663
وأكد حساب المجلس الثوري المصري (@ERC_egy) في تعليقات متكررة أن محاولات التخلص من أوزار مذبحة رابعة وأخواتها وتبرئة الكيان الانقلابي من عار ضلوعهما في هذه المجازر باءت بالفشل، لأن شهود العيان ما زالوا أحياء، والجزاء قادم لا محالة. كما أعاد المجلس نشر بيان الرئيس الراحل محمد مرسي يوم الانقلاب، والذي خاطب فيه الشعب والجيش داعياً لعدم الاستجابة للانقلاب والالتزام بالقانون والدستور، قبل أن تشعل آلة القتل النار وتسقط آلاف الشهداء.
https://x.com/ERC_egy/status/1544608286325997568
بانوراما المتناقضات الكبرى
في قراءة تحليلية عميقة للمشهد السياسي والفكري، يطرح الكاتب والباحث عبد الرحمن محمد محمود عبر فيسبوك إطلالة ساخرة وواقعية على حجم التناقضات الهستيرية التي وُضعت فيها جماعة الإخوان المسلمين، والتي تعكس حالة "العبث الإعلامي والسياسي" التي سادت البلاد، يقول محمود في رصده المتسلسل:
الإخوان كفار عند التكفيريين، وتكفيريون عند الدولجية.
الإخوان منبطحون عند الجهاديين، ودعاة عنف عند العلمانيين.
الإخوان عندهم خلل في العقيدة عند السلفية المدخلية، ومتشددون في العقيدة عند الأنظمة التي يتحالف معها المدخلية.
الإخوان جماعة سياسية وليست دعوية عند البعض، وجماعة دينيه دعوية مالهاش في السياسة عند آخرين.
الإخوان أخطأوا في عدم استيعاب الآخر في نظر البعض، وهم أنفسهم الذين أخطأوا عندما فتحوا أذرعهم لهذا الآخر عند البعض الآخر.
الإخوان كان لازم يأخونوا الدولة طالما وصلوا للحكم، وهم نفس الجماعة التي أخطأت لأنها دعت الجميع للمشاركة.
الإخوان كان لازم يطبقوا الشريعة ويكونوا حرساً ثورياً لحماية التجربة لذلك فشلوا، والبعض الآخر يتهمهم بأنهم كانوا يريدون أسلمة الدولة وكونوا ميليشيات مسلحة.
الإخوان استخدموا العنف في واقعه الاتحادية وتسببوا في قتل الحسيني أبو ضيف، وعند البعض الآخر تخاذلوا في الدفاع عن أنفسهم فتم قتل 10 أفراد من أبنائهم في نفس الواقعة.
الإخوان أخطأوا بعدم طمأنة الغرب وأمريكا وأنهم ضد النظام العالمي بعد وصولهم للحكم، وهم نفس الإخوان الذين أخطأوا بتعويلهم على الغرب وأمريكا والنظام العالمي.
الإخوان مرفعوش قضايا ضد الانقلابيين في المنظمات الدولية لإثبات المجازر، وهم أنفسهم عند البعض الآخر السذج اللي لسه بيعولوا على المنظمات الدولية.
ويخلص الباحث إلى أن هذه المتناقضات العبثية والخطاب المزدوج لا يحتاجان إلى نقاش تقليدي، بل يصف الحالة بما ورد في القاموس المحيط عن معنى "العباسية" (ابنك مجنون يا عم الحاج)، في إشارة إلى غياب العقلانية والمنطق في توجيه الاتهامات السياسية.
القتل والإفلات من العقاب
ومن أخطر الزوايا التي فتحها الباحث والناشط أحمد عبد الباسط محمد في منشوره التحليلي، هو استحضار تصريحات الباحث الإسرائيلي المعروف "مردخاي كيدار" على قناة الجزيرة مباشر، حين قال بمنتهى الصفاقة: «اللي بنعمله في غزة دا مش جديد، ما هو السيسي عمل كده في رابعة!».
ويعتبر تصريح الأكاديمي "عبدالباسط" فاضحا لشراكة ضمنية في الدم والقمع وتبرير القتل، فبدل أن تكون مجزرة رابعة وصمة عار دولية ومحلية يستوجب معها محاسبة كل من تسبب فيها، تحولت بقدرة قادر إلى "نموذج يُقلد" تبرر به قوى الاحتلال جرائمها اليومية بحق الأطفال والمدنيين تحت ركام غزة.
والدم المصري الذي سال في رابعة، والدم الفلسطيني الذي يغرق غزة، هما وجهان لعملة واحدة قوامها غياب الردع الدولي والإفلات التام من العقاب، وهو ما يجعل تخليد ذكرى رابعة واجباً أخلاقياً لا يتجزأ عن النضال ضد كل أشكال الاحتلال والاستبداد.
مصائر المحرضين والظالمين
في مقاربة اجتماعية ونفسية ذات دلالة عميقة، يطرح عبد الرحمن محمد محمود رصداً لما أسماه "لعنة رابعة"، مستعرضاً نهايات ومصائر عدد كبير من الشخصيات العامة، الإعلاميين، السياسيين، والقضاة الذين شاركوا في التحريض على فض الاعتصامات أو باركوا العنف ضد المتظاهرين، ويشير محمود إلى أن تتابع تلك النهايات ليس مصادفة، بل هو تجسيد لسنن الكون والعدالة الإلهية التي تنتصر للمظلومين ولو بعد حين.
وقد شمل هذا الرصد عشرات الأسماء والرموز البارزة في مجالات الإعلام، القضاء، الفن، والسياسة (مثل حمدي الفخراني، رفعت السعيد، وائل الإبراشي، تهاني الجبالي، ياسر رزق، وغيرهم ممن طالتهم أزمات قضائية، صحيحة، أو شخصية مدوية)، معتبراً أن كل ظالم قد حصد نهاية من جنس العمل الذي ارتكبه بحق الدماء البريئة، ورغم أن هذا الطرح يحمل صبغة تفسيرية عقدية، إلا أنه يعكس بوضوح مدى حالة الاحتقان المجتمعي والشعور العميق بعدم تحقق العدالة الأرضية، مما يجعل المجتمع يترقب العدالة الإلهية في كل من تورط في سفك دماء الأبرياء.
خامساً: من التوثيق الحقوقي إلى المسؤولية الجنائية الفردية
لكي لا يظل الحديث مجرد شعارات، يجب أن ننتقل بالتحقيق الصحفي من مرحلة "التوصيف العاطفي" إلى مرحلة "التأسيس القانوني الجنائي"، إن التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية أثبتت الآتي:
وقوع الجريمة المروعة: قتل جماعي باستخدام الأسلحة النارية والذخيرة الحية ضد معتصمين سلميين عزل.
غياب الممرات الآمنة: تعمد السلطات الأمنية منع خروج المصابين والمدنيين، مما ضاعف أعداد الضحايا.
غياب التحقيقات الجدية: امتناع السلطات القضائية المحلية عن إجراء تحقيق مستقل وشفاف يحاسب القيادات الأمنية والسياسية التي أصدرت الأوامر.
وبالتالي، فإن المسؤولية الجنائية الفردية تتطلب:
تتبع الأسماء الصريحة للقيادات الأمنية والعسكرية التي أشرفت على التخطيط والفض.
توثيق خطابات التحريض الإعلامي التي وفرت الغطاء السياسي لتنفيذ المجزرة.
تفعيل ملفات القضاء الدولي ومحاكم جرائم الحرب عبر الأدلة الرقمية والشهادات الحية الموثقة
ويبدو أن رابعة العدوية في 13 عاما لم تكن يوماً مجرد بقعة جغرافية في مدينة نصر، بل هي عنوان كرامة إنسانية سُفكت دماؤها على بصيرة من العالم أجمع. وإن السؤال الأبدي: "من قرر أن الدم بلا ثمن؟" سيظل يطارد كل طاغية وكل متواطئ حتى تتحقق العدالة الناجزة.
فدماء الأبرياء لا تسقط بالتقادم، وأصحاب الحق ماضون في حفظ العهد حتى يُقتص لكل مظلوم، ويُحاسب كل من صنع قرار الموت وأباح دماء المصريين.