مع ارتفاع درجات الحرارة وانعدام الصيانة.. حرائق أكشاك ومحولات الكهرباء تهدد محافظات الجمهورية

- ‎فيتقارير

مع ارتفاع درجات الحرارة وانعدام الصيانة وزيادة الأحمال فى زمن الانقلاب تزايدت حرائق أكشاك ومحولات الكهرباء فى محافظات الجمهورية لتنشر حالة من الخوف والرعب بين المواطنين .

كانت منطقة الوليدية بمحافظة أسيوط قد شهدت تصاعد ألسنة النيران من أحد أكشاك ومحولات الكهرباء، ليصبح المشهد فى دقائق سباقاً مع الوقت بين انتشار الحريق ووصول فرق الإنقاذ، أصوات الأهالى المتوترة، وحركة سيارات الإطفاء، مشاهد رسمت صورة لمعاناة ترتبط بفصل الصيف كل عام وهى حرائق أكشاك الكهرباء.

كما شهد حى بولاق الدكرور فى الجيزة اندلاع حريق داخل غرفة كهرباء بأحد العقارات لتتكرر نفس المأساة وحالة الخوف والرعب بين الأهالى .

يُشار إلى أنه مع دخول أشهر الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تتحول بعض أكشاك الكهرباء القريبة من المنازل والمحال التجارية إلى نقاط شديدة الحساسية، حيث تعمل المعدات لساعات طويلة تحت ضغط متزايد نتيجة ارتفاع معدلات استهلاك التيار الكهربائى، ما يجعل أى عطل بسيط قابلاً للتحول إلى حريق إذا لم يتم اكتشافه والتعامل معه سريعاً .

 

الأحمال الكهربائية

حول هذه الظاهرة قال أستاذ الأمن والسلامة وإدارة الأزمات الدكتور رأفت الخطيب، إن حرائق كبائن وأكشاك الكهرباء التى تشهدها بعض المناطق لا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد، وإنما هى نتيجة تفاعل عدة عوامل فنية وبيئية وتشغيلية، مشيراً إلى أن أكثر الأسباب شيوعاً تتمثل فى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تتجاوز القدرة التصميمية للمحولات والكابلات، وحدوث دوائر قصر كهربائى نتيجة تلف مواد العزل أو وجود وصلات غير آمنة، فضلاً عن تراكم الأتربة والرطوبة داخل الكبائن، وهو ما قد يؤدى إلى ارتفاع درجات الحرارة وحدوث شرر كهربائى يتسبب فى اندلاع الحريق.

وأضاف «الخطيب» فى تصريحات صحفية أن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف يمثل عاملاً مساعداً وليس سبباً مباشراً، موضحاً أن الموجات الحارة تؤدى إلى زيادة استهلاك الكهرباء بسبب الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف والتبريد، وهو ما يرفع الأحمال على الشبكة والمحولات .

ولفت إلى أن المعدات الكهربائية إذا كانت قديمة أو غير خاضعة للصيانة الدورية، فإن احتمالات تعرضها للأعطال والحرائق تصبح أكبر، أما إذا كانت الشبكة مطابقة للمواصفات الفنية وتخضع للفحص والصيانة المنتظمة، فإنها تكون أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية القاسية.

وأكد «الخطيب» أن تكرار حرائق أكشاك الكهرباء فى منطقة معينة يستدعى إجراء مراجعة فنية شاملة، لأن تكرار الحوادث قد يُشير إلى وجود خلل فى منظومة الصيانة الوقائية أو تأخر فى تنفيذ برامج الإحلال والتجديد للمكونات التى انتهى عمرها الافتراضى، موضحاً أن الصيانة الوقائية لا تقتصر على إصلاح الأعطال بعد وقوعها، وإنما تعتمد على الفحص الدورى وقياس كفاءة المحولات والكابلات والقواطع وأجهزة الحماية، واكتشاف أى مؤشرات مبكرة للتلف قبل أن تتحول إلى حادث يهدد الأرواح والممتلكات.

 

أنظمة الكشف المبكر

وأشار «الخطيب» إلى أن معايير السلامة داخل الكبائن الكهربائية أصبحت تعتمد على منظومة متكاملة تشمل استخدام معدات معتمدة ذات جودة عالية، وتوفير قواطع كهربائية وأنظمة حماية ضد زيادة الأحمال وقصر الدائرة، مع ضمان وجود تهوية مناسبة لتقليل ارتفاع درجات الحرارة داخل الكشك، بالإضافة إلى إحكام غلق الكبائن لمنع دخول الأشخاص غير المختصين أو العبث بالمكونات الداخلية، ووضع لوحات تحذيرية واضحة تنبه المواطنين إلى خطورة الاقتراب منها.

وأوضح أن التطور التكنولوجى أتاح إمكانية تركيب أنظمة للكشف المبكر عن الدخان أو ارتفاع درجات الحرارة داخل الكبائن الكهربائية، كما يمكن فى المواقع الحيوية تركيب أنظمة إطفاء أوتوماتيكية مخصصة للتعامل مع الحرائق الكهربائية باستخدام غازات أو مواد لا تؤثر فى المعدات ولا تشكل خطراً على الشبكة، مشيراً إلى أن هذه الأنظمة تساعد فى السيطرة على الحريق فى مراحله الأولى، ما يُقلل حجم الخسائر ويمنع امتداد النيران إلى المنشآت المجاورة.

وشدد «الخطيب» على أن أول إجراء يجب اتخاذه عند مشاهدة كشك كهرباء يحترق هو الابتعاد عن موقع الحريق لمسافة آمنة، ومنع الآخرين من الاقتراب، ثم إبلاغ شركة الكهرباء والحماية المدنية فوراً، مؤكداً أن محاولة إطفاء الحريق باستخدام المياه أو الاقتراب من الكابلات أو فتح باب الكشك تمثل أخطاء بالغة الخطورة، لأن التيار الكهربائى قد يكون ما زال متصلاً بالمعدات، وهو ما قد يؤدى إلى التعرض للصعق الكهربائى أو تفاقم الحريق.

وكشف أن من الأخطاء الشائعة أيضاً تجمع المواطنين حول موقع الحادث بدافع الفضول، أو محاولة تصوير الحريق من مسافات قريبة، أو إيقاف سياراتهم بجوار الكشك، لأن ذلك قد يعيق وصول فرق الطوارئ ويعرضهم للخطر إذا وقع انفجار بالمحول أو تطايرت أجزاء من المعدات نتيجة ارتفاع الضغط والحرارة.

وأكد «الخطيب» أن العمر الافتراضى للمحولات والكابلات يعد من أهم العوامل المؤثرة فى كفاءة الشبكة الكهربائية ومستوى السلامة. فمع مرور السنوات تتعرض مواد العزل للتآكل نتيجة الحرارة والرطوبة والإجهاد الكهربائى المستمر، كما تتراجع كفاءة المحولات فى تحمل الأحمال المرتفعة، ما يزيد احتمالات حدوث ماس كهربائى أو ارتفاع غير طبيعى فى درجات الحرارة. لذلك فإن الالتزام ببرامج الإحلال والتجديد، وعدم تشغيل المعدات بعد انتهاء عمرها الفنى، يمثلان ضرورة للحفاظ على استقرار الشبكة وتقليل مخاطر الحرائق .

 

خسائر اقتصادية

وقال الخبير الاقتصادى الدكتور السيد خضر ، إن حرائق أكشاك وكبائن الكهرباء لا تقتصر آثارها على الخسائر الفنية أو تعطل الخدمة، وإنما تمتد لتشكل عبئاً اقتصادياً مباشراً وغير مباشر على شركات الكهرباء والاقتصاد الوطنى، موضحاً أن كل حادث حريق يترتب عليه تكاليف متعددة تشمل إصلاح أو استبدال المحولات والكابلات والمعدات المتضررة، بالإضافة إلى تكاليف انتقال فرق الطوارئ والصيانة وإعادة تشغيل الشبكة فى أسرع وقت ممكن.

وأضاف«خضر» فى تصريحات صحفية أن الخسائر الاقتصادية لا تقتصر على قيمة المعدات التى تعرضت للتلف، بل تشمل أيضاً تكلفة انقطاع التيار الكهربائى عن المنازل والمنشآت التجارية والصناعية، إذ يؤدى توقف الكهرباء إلى تعطيل الإنتاج فى بعض المصانع، وتأثر الأنشطة التجارية والخدمية، وهو ما ينعكس على حجم الإنتاج والدخل، خاصة إذا استمر الانقطاع لفترات طويلة أو تكرر فى المناطق نفسها.

وأوضح أن تكرار حرائق الأكشاك الكهربائية قد يكون مؤشراً اقتصادياً على ضرورة زيادة الاستثمارات الموجهة إلى الصيانة الوقائية وبرامج الإحلال والتجديد، لأن الإنفاق على الوقاية عادة ما يكون أقل تكلفة من معالجة آثار الأعطال بعد وقوعها.  

وأشار «خضر» إلى أن الدراسات الاقتصادية فى إدارة المرافق تؤكد أن الصيانة الاستباقية تُسهم فى إطالة العمر التشغيلى للأصول، وتقليل معدلات الأعطال، ورفع كفاءة استغلال الموارد المالية.

وأكد أن الاستثمار فى تحديث البنية التحتية الكهربائية، وتطبيق برامج الصيانة الوقائية، واستخدام أنظمة المراقبة الذكية لا ينبغى النظر إليه باعتباره تكلفة إضافية، بل باعتباره استثماراً اقتصادياً يحد من الخسائر المستقبلية، ويحافظ على استقرار إمدادات الكهرباء، ويدعم استدامة النمو الاقتصادى وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.