مع بدء امتحانات نهاية العام الدراسى، تشتعل معارك عنيفة داخل البيوت ، ليس من أجل توفير الجو المناسب للأبناء لمراجعة دروسهم، لكن هناك حسابات لا تنتهى، رواتب محدودة فى مقابل متطلبات لا تنتهى، ودروس بأسعار خيالية تقدمها مافيا الدروس الخصوصية، وعلى ولى الأمر الرضوخ ودفع «المعلوم» حتى لو على حساب متطلبات أخرى، حتى لا يكون مقصرا فى حق تعليم أبنائه.
هذا المشهد يتضخم عامًا بعد آخر، فالتعليم لم يعد مجرد خدمة تقدمها المدرسة، بل تحول إلى منظومة موازية كاملة الأركان، تمتد خارجها وتفرض نفسها بقوة الواقع، دروس خصوصية، ومنصات رقمية، ومراجعات أون لاين، وأكواد تعليمية تُباع لكل مادة، جميعها تحولت إلى محطات إجبارية فى رحلة الطالب، وليست اختيارات يمكن الاستغناء عنها.
الأعباء لم تعد تتوقف عند ثمن الدرس أو الكتاب، بل امتدت لتشمل اشتراكات متعددة، وباقات إنترنت تُستهلك بوتيرة متسارعة، لتتحول العملية التعليمية إلى سلسلة من الالتزامات المالية المتلاحقة، التى لا تملك الأسرة رفاهية التوقف عنها، مهما ارتفعت تكلفتها.
وفى ظل هذا الواقع، يجد ولى الأمر نفسه محاصرًا بين خوفه على مستقبل أبنائه، وقدرته المحدودة على الإنفاق، بينما يجد الطالب نفسه عالقًا داخل منظومة تفرض عليه مواكبة مستمرة لمصادر متعددة، لا يملك تجاهلها إذا أراد المنافسة.
تكلفة الإنترنت
تقول إحدى الأمهات إن الدروس الخصوصية تنقسم اليوم بين «الأكواد» والمنصات التعليمية، إلى جانب شراء الكتب الخارجية، مضيفة: كل مادة بقى ليها مصاريف لوحدها.. ومفيش رقم ثابت نقدر نمشى عليه.
وتوضح ولية أمر أخرى، أن العبء لم يعد قاصرا على المحتوى التعليمى، بل امتد إلى تكلفة الإنترنت، قائلة: بقينا بندفع فى كل حاجة، فى الكود، وفى النت، وبنضطر نشحن باقات زيادة عشان الولاد يقدروا يتابعوا الحصص .
ويؤكد أحد أولياء الأمور، أن اللجوء إلى هذه الوسائل لم يكن خيارًا، بل ضرورة فرضتها طبيعة النظام التعليمى، فى ظل صعوبة المناهج وضعف الاستفادة من المدرسة، موضحًا: إحنا مش بنجرى ورا الدروس بمزاجنا إحنا مضطرين عشان ولادنا ينجحوا .
شو إعلامى
من جانبه اعتبر الدكتور محمد عبدالعزيز، أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس، أن ما يحدث فى ملف الدروس الخصوصية والمراجعات الإلكترونية، بما فيها أزمة «أكواد الثانوية العامة»، يعكس خللًا عميقًا داخل المنظومة التعليمية، مؤكدًا أن وزارة تعليم الانقلاب هى الجهة المنوطة بالتصدى لهذه الظواهر.
وأرجع «عبدالعزيز» فى تصريحات صحفية إقبال أولياء الأمور على الحصص «الأون لاين» إلى عاملين رئيسيين، أولهما أن أسعارها فى الغالب أقل بكثير من الدروس الخصوصية التقليدية، ما يجعلها خيارًا اقتصاديًا نسبيًا، أما العامل الثانى فهو اضطرار ولى الأمر إلى اللجوء للدروس من الأساس، نتيجة فقدان المدرسة لدورها الحقيقى فى تقديم تعليم فعّال.
وأكد أن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى طبيعة المناهج الدراسية، التى وصفها بأنها كثيفة وصعبة، وتتجاوز فى كثير من الأحيان قدرات الطلاب، ما يدفعهم للشعور بالعجز عن استيعابها دون دعم خارجى.
وأشار «عبدالعزيز» إلى أن الطالب لا يلجأ إلى الدروس حبًا فيها، بل لأنه لا يجد بديلًا حقيقيًا داخل المدرسة، رغم ما يُثار حول عودة الانضباط المدرسى، معتبرًا أن ذلك لا يتجاوز كونه «شو إعلامى»، لأن إجبار الطالب على الحضور من خلال الخوف من الغياب لا يخلق لديه دافعًا حقيقيًا للتعلم أو الاستفادة.
وشدد على أن هذا التوجه يعد «مغالطة كبيرة»، موضحًا أن استعادة دور المدرسة لا يتحقق بالإجراءات الشكلية، بل من خلال تقديم محتوى تعليمى جاذب وفعّال.
وقال «عبدالعزيز» إن الحل يبدأ بإعادة المدرسة إلى دورها الطبيعى، مع البحث عن بدائل حقيقية للدروس الخصوصية، إلى جانب إعادة النظر بشكل جذرى فى المناهج التعليمية.
وأكد أنه بحكم خبرته فى العمل مع الوزارة والمشاركة فى إعداد المناهج، هناك «تخبط شديد» فى بنائها، وأن هذا التخبط أدى إلى فجوة واضحة بين مستوى المحتوى وقدرات الطلاب، ما يستدعى مراجعة شاملة للقائمين على وضع هذه المناهج، وإعادة برمجتها بما يتناسب مع الواقع التعليمى.
أكواد الثانوية العامة
وشدد «عبدالعزيز» على أن غياب رؤية واضحة ينعكس سلبًا على تصميم العملية التعليمية بأكملها مؤكدا أن ولى الأمر أصبح فى موقف صعب، إذ يسعى فقط إلى نجاح ابنه فى ظل منظومة لا تضمن له تعلّمًا حقيقيًا .
وكشف أن الكثيرين من الطلاب، حتى بعد وصولهم إلى مراحل تعليمية متقدمة، يفتقرون إلى أساسيات المعرفة، وهو ما يعكس ضعف المخرجات التعليمية.
وفيما يتعلق بالجانب النفسى، حذر «عبدالعزيز» من الضغوط الكبيرة التى يتعرض لها الطلاب، موصيًا أولياء الأمور بضرورة التخفيف عن أبنائهم، لأن المناهج الحالية تفوق قدراتهم العقلية، ما قد يدفعهم إلى الإحباط أو الاكتئاب.
وعن «أكواد الثانوية العامة»، أوضح أنها تحولت إلى «تجارة» واستغلال واضح، حيث أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية موازية تسيطر عليها «مافيا الدروس الخصوصية»، مشيرًا إلى أن الطالب وولى الأمر أصبحا فريسة لهذه المنظومة فى ظل غياب البدائل.
تجريف المدخرات
وقال المحاضر بالجامعات الخاصة والدولية، الدكتور ياسر حسين سالم، إن الدروس الخصوصية لم تعد مجرد ممارسة تعليمية، بل تحولت إلى ظاهرة اقتصادية سلبية تُمثل أحد أبرز أشكال الاقتصاد الموازى غير الرسمى.
وأضاف «سالم» فى تصريحات صحفية نشأة هذه الظاهرة تعود بالأساس إلى تراجع الدور الفعلى للمدرسة، وضعف مستوى عدد كبير من المعلمين داخل المنظومة التعليمية، إلى جانب قصور الكتاب المدرسى الرسمى، وهو ما دفع الطلاب وأولياء الأمور إلى البحث عن بدائل خارج الإطار المدرسى، فظهرت الدروس الخصوصية كحل اضطرارى، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى سوق اقتصادية قائمة بذاتها.
وأشار إلى أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط فى انتشارها، بل فى آثارها الاقتصادية العميقة على الأسر المصرية، حيث تؤدى إلى استنزاف الدخول بشكل مستمر، خاصة لدى الأسر التى لديها أبناء فى مراحل تعليمية مختلفة، مؤكدا أن الإنفاق على الدروس الخصوصية يُمثل المرحلة الأولى من الضغط المالى، حيث يتم توجيه جزء كبير من دخل الأسرة لتغطية هذه التكاليف.
وتابع: فى حال عدم كفاية الدخل، تلجأ الأسر إلى المرحلة الثانية، وهى «تجريف المدخرات»، من خلال استخدام الودائع البنكية، أو مدخرات دفاتر التوفير، أو حتى بيع الذهب، فضلًا عن اللجوء إلى الاستدانة من الأقارب أو الاشتراك فى «الجمعيات» كآلية شعبية لتدبير السيولة، ما يعكس حجم الضغط الاقتصادى الناتج عن هذه الظاهرة.
وأوضح «سالم» أن الدروس الخصوصية بدأت فى شكل دروس منزلية فردية، ثم تطورت إلى مجموعات داخل المنازل، قبل أن تنتقل إلى المراكز التعليمية «السناتر»، وصولًا إلى المرحلة الأحدث المرتبطة بالتطور التكنولوجى، حيث انتشرت الدروس عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعى، وظهرت أنظمة «الأكواد» التعليمية لكل مادة، وهو ما ساهم فى اتساع السوق بشكل غير مسبوق.
حلول موازية
وفيما يتعلق بالتكلفة، قال «سالم» إن أسعار الدروس الخصوصية فى المنازل تتراوح فى عام 2026 بين 50 و500 جنيه للحصة الواحدة، وفقًا لعدة عوامل، منها المادة الدراسية، وخبرة المعلم، وعدد الطلاب، والموقع الجغرافى. أما فى المراكز التعليمية، فتتراوح تكلفة الحصة بنظام الحجز بالمقعد بين 25 و150 جنيهًا، مع وجود قاعات قد تستوعب مئات الطلاب، بل وتصل إلى نحو ألف طالب خلال المراجعات النهائية.
وأوضح أن الإنفاق لا يقتصر على الحصص فقط، بل يمتد إلى «الملازم الدراسية» أو الكتب الخارجية التى يعدها بعض المعلمين، حيث تتراوح أسعارها بين 50 و500 جنيه، وفقًا لطبيعة المادة واسم المعلم، ما يضيف عبئاً ماليًا إضافيًا على الأسر.
وحذر «سالم» من أن استمرار هذا النمط من الإنفاق يؤدى إلى انحصار الموارد المالية للأسر فى بند واحد هو التعليم، على حساب احتياجات أساسية أخرى، ما يمثل ضررًا بالغًا على الاستقرار الاقتصادى للأسرة، مشيرا إلى أن التوسع فى التعليم الرقمى، عبر الأكواد والمحاضرات الأون لاين، ساهم فى زيادة انتشار الظاهرة واتساع نطاقها، بدلًا من الحد منها.
وشدد على أن هذه المنظومة، فى صورتها الحالية، لا تحقق تكافؤ الفرص بين الطلاب، حيث يصبح الوصول إلى تعليم أفضل مرتبطًا بالقدرة المادية، فى ظل تراجع دور المدرسة، واستمرار الاعتماد على حلول موازية خارج الإطار الرسمى.