تكشف الأرقام أن المونوريل في مصر ليس مشروعًا فاشلًا من حيث الفكرة، لكنه مشروع نُفذ بطريقة غير اقتصادية بها هدر، وبسرعة كبيرة 3 سنوات، وبتكلفة أعلى من الطبيعي، ودون تكامل حقيقي مع باقي منظومة النقل.
وهي العوامل مجتمعة جعلت المشروع يبدو أغلى من فائدته، وأكدت أن الفجوة بين التخطيط النظري والتنفيذ العملي كانت واسعة. وبينما يرى المخططون أنه حل مناسب على الورق، يرى المهندسون أنه عبء مالي، ويبقى المواطن هو من سيدفع تكلفة مشروع ضخم لم يثبت حتى الآن أنه سيحل أزمة النقل في القاهرة.
وتبدأ وزارة النقل بحكومة السيسي اعتبارا من الأربعاء 6 مايو 2026، التشغيل الفعلي للمرحلة الأولى من "مونوريل شرق النيل" والمعروف بمونوريل العاصمة، بحسب ما تسميه "النقل" لاحقا تحت اسم "مونوريل غرب النيل" أو مونوريل أمتوبر، أمام الركاب، من محطة المشير طنطاوي حتى مدينة العدالة بالعاصمة الإدارية الجديدة، يوميًا من السادسة صباحًا حتى السادسة مساءً.
والمرحلة 16 محطة تخدم مناطق حيوية في القاهرة الجديدة والعاصمة، مع ربطها بالمناطق السكنية والخدمية، وتكاملها مع القطار الكهربائي الخفيف.
والقطار مدعوم بثلاث عربات مكيفة، وتقنيات ذكية، وأنظمة أمان متطورة، ويعزز منظومة النقل الحديثة والمستدامة في مصر وإن كانت بغير محلها أو زمانها.
وتقسيم التعريفة إلى 4 مناطق بحسب عدد المحطات: 20 جنيهاً للمنطقة الواحدة (5 محطات)، و40 جنيهاً لمنطقتين (10 محطات)، و55 جنيهاً لثلاث مناطق (15 محطة)، في حين تبلغ قيمة التذكرة لركوب الخط كاملاً 80 جنيهاً بإجمالي 22 محطة.
الكاتب والأكاديمي زهدي الشامي وعبر Zohdy Alshamy قال في وقت سابق من 2022 تحت عنوان: "مونوريل العاصمة الإدارية.. من الهدر ومخاطر الأمان لانحطاط القيم" أنه حتى قبل مقاله ينظر إلى ما يسمى قطار العاصمة الادارية المعلق على أنه واحد من المشروعات العديدة التى تعبر عن إهدار مواردنا المحدودة، بالإضافة لكونه مشروعًا يتسم بمخاطر عالية على حياة المواطنين .
وأوضح "..المشروع يصل القاهرة بالعاصمة الإدارية التى كلفتنا تريليونات الجنيهات، ولم تكن لها أولوية أو ضرورة اقتصادية، ولو سلمنا بتلك العاصمة كأمر واقع، فإن ربط القاهرة بها منطقيا ، وأيضا وفقا لدراسة الخبراء اليابانيين الذين كانوا قد درسوا مشكلة المواصلات فى القاهرة الكبرى ، يجب أن يتم بواسطة ترام سطحى سريع لن تزيد فى الواقع تكلفته على 10% من تكلفة القطار المعلق التى تصل إلى 4.5 مليار يورو ، اى أكثر من 80 مليار جنيه .
واستدرك "من الغريب أن مد خط مواصلات بين مدينتين تقعان فى منطقة صحراوية لا يستلزم أبدا أن يكون القطار معلقا ، ولكن لأن مال مصر سايب فقد فضلت الحكومة المصرية القطار المعلق . على أن ضرره لن يقتصر على التكلفة المرتفعة ، بل يمتد لمخاطر حدوث حوادث أو حرائق ستكون خطيرة على المواطنين ، وتلك حوادث حدثت فى اماكن متعددة من العالم فى مثل تلك الحالات ، وتابعها الراحل المحترم المهندس عمرو رءوف Amro Raouf بدأب ولكن لا حياة لمن تنادى .
واعتبر أنه من المؤسف أنه قد تمت اضافة سوءة جديدة للهدر والمخاطرة ، الا وهى الإسفاف و انحطاط القيم ، مشيرا إلى أن حكومة تنفق المليارات والتريليونات بالاقتراض وبالعملة الصعبة التى نواجه فيها عجزا خطيرا ، تحاول تعويض جزء بسيط من هذا الانفاق باللجوء لبعض رجال الأعمال الذين لن تغطى مساعدتهم فى جميع الأحوال سوى نذر يسير من الثمانين مليار جنيه.
وأوضح أنه "لن تحول دون أن تكون التذكرة فى المستقبل القريب فوق القدرة المالية للمواطنين ، ولن تقل للذهاب فقط عن عشرين جنيها ، على أن تكافئهم بوضع أسمائهم على المحطات الرئيسية . وهكذا سنشهد لأول مرة فى مصر والعالم أسماء رجال أعمال احياء على محطات السويدى وياسين منصور وصبور وخلافه، بدلا من أسماء الأعلام التاريخيين للبلاد كسعد زغلول وجمال عبد الناصر والسادات وغيرهم ".
أرقام تكشف حجم الإنفاق الحقيقي
عند النظر إلى تكلفة مشروع المونوريل في مصر، يتضح أن المشكلة ليست في النظام نفسه، بل في حجم الإنفاق الذي تجاوز المعدلات العالمية بكثير. فقد بلغت تكلفة المشروع نحو 4.5 مليار دولار لمسافة تقارب 98 كيلومترًا، أي ما يعادل 46 مليون دولار للكيلومتر الواحد. هذا الرقم يضع مصر في شريحة المشاريع الأعلى تكلفة عالميًا، رغم أن دولًا مثل ماليزيا وكندا نفذت أنظمة مونوريل بتكلفة تتراوح بين 30 و36 مليون دولار للكيلومتر فقط. وحتى في البرازيل، التي شهدت تعثرًا في مشروع المونوريل، لم تتجاوز التكلفة 63 مليون دولار للكيلومتر. هذه المقارنات تكشف أن مصر دفعت تكلفة تقترب من المشاريع السياحية الفاخرة مثل مونوريل دبي، رغم أن المشروع المصري يُفترض أن يكون للنقل الجماهيري وليس للعرض السياحي.
محطات ضخمة وأعمدة عميقة
وتتضح الفجوة بين التخطيط والتنفيذ عند النظر إلى تفاصيل المحطات والأعمدة التي يعتمد عليها المونوريل. فالمهندسون العاملون في مواقع التنفيذ يؤكدون أن المحطة الواحدة تستهلك ما يقارب 100 طن من الأسمنت، وتُبنى على أكثر من 70 عمودًا يصل عمق الواحد منها إلى 47 مترًا. هذه الأرقام تعني أن تكلفة محطة واحدة قد تتراوح بين 300 و500 مليون جنيه، وهو رقم يفوق بثلاثة إلى خمسة أضعاف تكلفة محطة مترو فوق الأرض في دول أخرى. هذا الحجم من الإنفاق يفسر لماذا يرى العاملون في التنفيذ أن المشروع اتجه نحو الشكل المعماري الضخم بدلًا من الكفاءة الاقتصادية، وأن التكلفة الفعلية للمشروع تضخمت بسبب التصميمات الثقيلة والسرعة في التنفيذ.
عبء مستمر بعد البناء
وبحسب مراقبين، لا تتوقف التكلفة عند مرحلة البناء فقط، بل تمتد إلى التشغيل والصيانة التي تُعد أعلى بكثير من أنظمة النقل التقليدية. فالمونوريل يعتمد على تكنولوجيا مملوكة بالكامل للشركة المصنعة، ما يعني أن قطع الغيار والصيانة لا يمكن الحصول عليها إلا من مصدر واحد وبأسعار مرتفعة. وتشير المقارنات العالمية إلى أن تكلفة تشغيل المونوريل تزيد بنسبة تتراوح بين 30 و50 % عن تكلفة تشغيل المترو، بينما تتجاوز تكلفة صيانته تكلفة صيانة أنظمة النقل الأخرى بسبب تعقيد التكنولوجيا المستخدمة. هذا يجعل المشروع عبئًا ماليًا طويل الأمد، وليس مجرد تكلفة إنشائية ضخمة.
بدائل لم تُدرس
تكشف المقارنات الرقمية أن بدائل مثل الـBRT، وهو نظام الأوتوبيس السريع، كانت ستوفر نفس القدرة الاستيعابية تقريبًا بتكلفة تتراوح بين 3 و15 مليون دولار للكيلومتر، أي أقل من ثلث تكلفة المونوريل. كما أن المترو فوق الأرض كان يمكن تنفيذه بتكلفة تتراوح بين 40 و70 مليون دولار للكيلومتر، مع قدرة استيعابية أعلى بكثير وربط أفضل مع الشبكات القائمة. هذه البدائل كانت ستوفر حلولًا عملية للنقل الجماهيري دون تحميل الدولة والمواطن تكلفة مشروع ضخم لا يقدم قيمة موازية لحجمه المالي. غياب هذه المقارنات في النقاش العام يعكس أن المشروع لم يُبنَ على دراسة جدوى شاملة، بل جاء كاختيار سياسي واقتصادي أكثر منه اختيارًا هندسيًا.
مشروع معزول عن شبكة النقل
رغم التكلفة الهائلة، يعاني المونوريل من ضعف التكامل مع باقي منظومة النقل في القاهرة، فالمحطات لا ترتبط بشكل فعّال مع المترو أو الأتوبيسات أو القطار الكهربائي، ما يجعل الراكب مضطرًا لاستخدام مواصلات إضافية قبل وبعد الرحلة. هذا العيب يقلل من جدوى المشروع ويجعل استخدامه محدودًا، رغم التكلفة الضخمة التي دُفعت فيه. فالمونوريل في صورته الحالية يبدو مشروعًا قائمًا بذاته، وليس جزءًا من شبكة نقل متكاملة، وهو ما يقلل من فائدته ويزيد من شعور المواطنين بأنه مشروع “للشكل” أكثر منه مشروعًا لحل أزمة النقل.