بعد أن تدخل العسكر في كل التفاصيل.. الفساد يضرب أربعة مشروعات بإسكان محافظة القاهرة

- ‎فيتقارير

عندما يقوم انسان بعمل ليس من اختصاصه لا بد ان تحدث كارثة، فالاعمال المدنية تحكمها قواعد واصول متعارف عليها يجب احترامها والسير وفق قوانينها، اما الحياة العسكرية فالوضع مختلف أوامر تصدر وجنود تنفذ. ومنذ تدخل العسكر في كل تفاصيل الحياة ارتفعت وتيرة الفساد الي حد لا يمكن انكاره، في واحدة من القضايا التي تكشف كيف يمكن أن تتحول مشروعات خدمية يفترض أن تخدم المواطنين إلى ساحات تبادل مصالح غير مشروعة.

كشفت تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 1711 لسنة 2026 جنايات عابدين، والمقيدة برقم 1019 لسنة 2026 جنايات أمن الدولة العليا عن وقائع فساد بأربعة مشروعات بمحافظة القاهرة، تورط فيها مسئولة المكتب الفني بمديرية الإسكان بالمحافظة.

المشروعات الأربعة هي تطوير حديقة الحرية بمنطقة الزمالك، والتي لاقت أعمال التطوير بها انتقادات من أهالي المنطقة، وحديقة العاشر من رمضان، ومركز القاهرة لتنمية الموارد البشرية، ومول المواردي بمنطقة السيدة زينب (سوق تجاري للملابس الرخيصة الُملقب بمول الغلابة)، حيث واجهت أعمال التطوير به أيضًا انتقادات من الباعة الجائلين الذين تم إخلاؤهم من السوق، بسبب تأثر مصدر رزقهم.

تكشف “#متصدقش” في التقرير التالي تفاصيل التحقيقات في القضية التي أحالتها نيابة أمن الدولة العليا للمحاكمة يوم الأحد 26 أبريل 2026

إسناد بالأمر المباشر بالمخالفة للقانون، بحسب أمر الإحالة الصادر عن المحامي العام لنيابة أمن الدولة العليا المستشار أحمد بدوي، فالمتهمة الأولى هي “فاطمة محمد صبري شافعي بكير (51 عامًا) "وتشغل منصب مدير عام المكتب الفني بمديرية الإسكان بمحافظة القاهرة، والقائمة بأعمال مدير عام المباني"، وهو موقع يمنحها سلطة واسعة على ملفات المناقصات والمقايسات واعتماد العروض الفنية والمالية.

وضمت قائمة الاتهام أيضًا كلًا من "عراقي فتحي عراقي محمد "(44 عامًا)، مالك شركة (العراقي للمقاولات)، وطلعت فوزي شكر الله (51 عامًا)، مالك شركة (ناديكو للمقاولات)

كشفت الأوراق كيف تحولت السلطة الممنوحة لفاطمة محمد، وفق ما تكشفه التحقيقات، من أداة تنظيم إلى وسيلة للتلاعب في مسار التعاقدات الحكومية.

قال الشاهد الأول في القضية، عضو هيئة الرقابة الإدارية طلعت عزت بندق، ان اكتشاف الواقعة جاء بعد ورود معلومات إليه، توضح طلب وتلقي المتهمة الأولى مبالغ مالية من المتهمين الثاني والثالث، مقابل إفشاء القيم التقديرية التي وضعتها محافظة القاهرة للمشروعات.

هذا التسريب لم يكن مجرد مخالفة إدارية، بل كان أداة حاسمة لضمان فوز شركات بعينها بالمشروعات؛ إذ يمكنها تقديم عروض أقل قليلًا من القيمة المسربة، بما يضمن ترسية الأعمال عليها دون منافسة حقيقية.

 واكدت التحقيقات أن الآلية كانت تسير على عدة مراحل متكاملة وهي تحديد القيم التقديرية داخليًا، وتسريب هذه القيم للمقاولين المتفق معهم، وتقديم عروض مالية محسوبة بدقة، واعتماد هذه العروض باعتبارها "الأفضل"، وتمرير التعاقد بالأمر المباشر بالمخالفة للقانون.

الإسناد بالأمر المباشر

وهنا تبرز نقطة بالغة الأهمية وهي الإسناد بالأمر المباشر، الذي يفترض استخدامه في حالات الضرورة القصوى وفق ما تنص عليه المادة 63 من القانون 182 لسنة 2018 (قانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة)، تحول وفق التحقيقات إلى أداة لتفصيل المشروعات على مقاس شركات محددة.

باشرت نيابة أمن الدولة العليا التحقيقات في القضية، بناءً على كتاب دوري صادر من النائب العام يحدد فيه القضايا التي تختص بها "أمن الدولة العليا"، ومن بينها "قضايا الرشوة التي تقع من موظفين عموميين تشغل درجاتهم الوظيفية مستوى معينًا" أو التي تمس مصالح قومية أو ألحقت ضررا كبيرا بالمال العام.

وتتم الإحالة وفقا للكتاب الدوري إذا كان المتهم من أصحاب المناصب العليا (كبار المسئولين، وكلاء الوزارات، رؤساء الهيئات… إلخ)، أو إذا كانت المبالغ المالية ضخمة أو كان للرشوة تأثير واسع على قطاع حيوي في الدولة، أو أن الرشاوي تقع داخل الوزارات السيادية أو الهيئات القضائية أو الرقابية.

8 آلاف جنيه مقابل ترسية مشاريع تطوير الحدائق وتربح غير مشروع بـ10 ملايين جنيه لأصحاب الشركات,جاء في التحقيقات أن المتهمة الأولى طلبت من المتهم الثاني نسبة 2% من قيمة مشروعين مقابل تسهيل إسنادها إليه, وبالفعل، حصلت على 117 ألف جنيه على دفعات عدة، مقابل تسريب القيم التقديرية لمشروع "تغيير شبكة المياه والصرف الصحي بمول المواردي"، وتسريب القيم التقديرية لمشروع "تطوير مركز القاهرة لتنمية الموارد البشرية"، وإنهاء إجراءات الترسية لصالح شركته.

واعترف المتهم الثاني تفصيليًا بهذه الوقائع في تحقيقات نيابة أمن الدولة، مؤكدا أن الاتفاق تم بشكل مباشر، وأنه نفذ المشروعين وحقق أرباحًا منهما.

 

في واقعة أخرى، تكشف التحقيقات نمطا مختلفا من الفساد، يتمثل فيما وصفته النيابة بـ "عطية على سبيل المكافأة"؛ إذ قدم المتهم الثالث مبلغ 3 آلاف جنيه بعد ترسية مشروع “حديقة الحرية بالزمالك” و5 آلاف جنيه بعد ترسية مشروع “حديقة العاشر من رمضان”؛ إذ طلب المتهمان من المسئولة ترسية هذين المشروعين أيضًا، دون الاتفاق على قيمة مالية للرشوة محددة.

ورغم عدم وجود اتفاق مسبق وفق التحقيقات على قيمة المبلغ إلا أن القانون اعتبر هذه المبالغ رشوة، لأنها جاءت مقابل عمل وظيفي غير قانوني تم بالفعل، وهو ترسية بالأمر المباشر دون حق لتربيح الغير بشكل غير مشروع.

رشاوي بالملاين

لم تتوقف القضية عند حدود الرشاوى الصغيرة نسبيًا، بل كشفت التحقيقات عن تربح ضخم وهو مبلغ 5.771 مليون جنيه أرباح غير مشروعة لصالح شركة "العراقي للمقاولات" و3.85 مليون جنيه أرباح لصالح شركة "ناديكو للمقاولات"، ما يتجاوز إجمالًا 9.6 مليون جنيه، من المشروعات التي أُسندت إليهم.

هذه الأرقام، وفق توصيف النيابة، تمثل تربيحًا للغير دون وجه حق نتيجة استغلال النفوذ الوظيفي، وتضمنت التحقيقات اعترافات واضحة من المتهم الثاني الذي أقر بدفع 117 ألف جنيه، فيما أقرت المتهمة الأولى باختصاصاتها الكاملة، والمتهم الثالث أقر بدفع مبالغ "مكافأة"

كان المتهمون قد أُلقي القبض عليهم في 9 نوفمبر 2025، وانتهت تحقيقات “النيابة” إلى ثبوت وقائع الرشوة، والتربح، وتربيح الغير، وثبوت الإخلال الجسيم بالوظيفة..

وقدم الشاهد الثاني، مدير إدارة المراجعة الداخلية والحوكمة بمديرية الإسكان بالقاهرة، محمد مصطفى عبد الغني، شهادة حاسمة تؤكد أن المتهمة الأولى كانت المسئولة عن اعتماد المقايسات والعروض، موضحًا أنها صاحبة القرار في رفع المذكرات للمحافظة، لافتًا إلى أن إفشاء القيم التقديرية يمثل إخلالًا جسيمًا بواجبات الوظيفة، كما أكد أنها هي من قامت بتحرير مذكرات الإسناد بالأمر المباشر للشركات المتهمة.

لم تعتمد القضية فقط على الشهادات، بل دعمتها النيابة بـ "تسجيلات صوتية مأذون بها" تثبت وقائع التسريب"، وتقرير خبير الأصوات" الذي أكد تطابق أصوات المتهمين، ومستندات مضبوطة” داخل مكتب المتهمة الأولى و"هواتف محمولة "تحتوي على أدلة رقمية"

وقائع ما حدث في تنفيذ المشروعات بعد الرشوة

إذا كانت وقائع الرشوة تمثل الوجه الظاهر للقضية، فإن ما تكشفه التحقيقات حول التنفيذ الفعلي خاصة في مشروعي “حديقة الحرية” و"حديقة العاشر من رمضان" يمثل الوجه الأخطر.

إذ تبين أولًا أن المواصفات غير مطابقة، فقد ثبت أن الأعمال المنفذة لا تتطابق مع “كراسة الشروط” واستخدمت “مواد أقل جودة” وخالفت المواصفات الفنية المعتمدة.

وثانيًا "تضخم الأسعار"؛ إذ أظهرت الفحوص وجود فروق كبيرة بين الأسعار التعاقدية والقيمة السوقية، وإدراج بنود بأسعار مبالغ فيها، وتحميل المشروع تكاليف غير مبررة.

وثالثًا "تلاعب في المقايسات"؛ إذ رُصد اختلاف بين المقايسات المقدمة والتنفيذ الفعلي، وإدخال بنود غير منصوص عليها، وحذف بنود أساسية دون تخفيض التكلفة.

كما أن الإسناد بالأمر المباشر اعتُبر غير تنافسي؛ إذ أدى إلى غياب المنافسة، وغياب الرقابة السعرية، وفتح الباب للتلاعب

ورُصد في حديقتي"الحرية والعاشر من رمضان" تحديدًا تراجع في جودة التنفيذ، وصيانة متكررة نتيجة رداءة الخامات، وتحميل الموازنة العامة تكاليف إضافية لاحقة نتيجة هذه الأمور، بمعنى آخر، لم يكن الضرر فقط في “اللحظة التعاقدية”، بل امتد إلى عمر المشروع بالكامل.