"يقول الدكتور إيلان بابيه، أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا، إنّ الاستراتيجية الأميركية السياسية في المنطقة، والقائمة على تحالف قوي مع إسرائيل من ناحية، وعلى نظم حكم عربية متعاونة من ناحية ثانية، دفعت مهندسي السياسة الأميركية في الشرق الأوسط إلى اختراع ما سمّوه (العملية السلمية) كمفهوم غير محدّد للتسوية من أجل التخفيف من حدّة العنف، لكن العملية في جوهرها، بحسب رأي بابيه، هي (عملية لا تنتهي، وتحتوي على أوراق سياسية ومفاوضات ودبلوماسية مكوكية تقود إلى لا مكان، وهي غير معنية بإنهاء الصراعات بل باحتوائها). وهذا يعني أنّ ثمة تواطؤاً استراتيجياً مدروساً ومبرمجاً بين الإدارتين الأميركية والإسرائيلية لتضليل الفلسطينيين والعرب من أجل سوقهم إلى حتفهم على صعيدي انتزاع أرضهم وأمنهم على حدّ سواء"
الاقتباس أعلاه منقولٌ حرفياً من الصفحة الرسمية للجيش اللبناني، الذي نشر دراسةً إضافيةً حذّرت من أفخاخ السلام الصهيوني الكاذب، وذلك في إبريل/ نيسان 2002، وجاءت تحت عنوان "مشروع الانسحاب من غزّة من المنظور الاستراتيجي الإسرائيلي"، للباحث في الشؤون الإسرائيلية إحسان مرتضى، الذي أنهى الدراسة بخاتمة تضمّنت اقتباساً من ليدل هارت (كبير الخبراء العسكريين البريطانيين والعالميين في القرن العشرين) يقول: "هدف الحرب ليس أجساد جنود العدو، وإنّما عقول ونفسيات قادته وزعمائه"، وفي رأيه أنّ خلاصة الاستراتيجيات "نفسية وتنحصر في دفع العدوّ إلى تجرّع الهزيمة المعنوية".
مرّت 24 سنة على هذه الرؤية الاستراتيجية الواعية بطبيعة العدو وجوهر الصراع معه، وتبنّاها الموقع الرسمي للجيش اللبناني، ووصلنا إلى هذه اللحظة البائسة من إبريل/ نيسان 2026، التي يتبنّى فيها الجنرال جوزاف عون، القادم من رئاسة الجيش اللبناني إلى رئاسة الدولة، استراتيجيةً مضادّةً تماماً، تندفع بحماسة شديدة نحو الوصل مع العدو والقطيعة مع المقاومة، من دون أن يحصل على أيّ مقابل لهذا التعلّق بخيوط وهم السلام. حتى الوعد بالتفكير في انسحاب العدو من الأراضي اللبنانية المحتلّة لم يحصل، بل وجدنا عكسه تماماً، إذ يُعلن رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني، بنيامين نتنياهو، أنّ لديه رخصة لبنانية رسمية بتوسيع عملياته في أراضي الجنوب المحتلّ، لتشمل إخلاء أكثر من مائة قرية وتهجير سكّانها، في إطار تأمين المنطقة العازلة التي تضمن الأمن للكيان الصهيوني، حين قال أمس (الأحد) في اجتماع المجلس الوزاري الصهيوني المصغر (الكابينيت): "نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتَّفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان، ما يعني حرية العمل، ليس فقط للردّ على الخروقات، بل لمنعها أيضاً".
يستوجب هذا التصريح ردّاً واضحاً وقاطعاً من أهل السلطة اللبنانية والملتّفين حولها، الذين يعيشون نشوة السلام الأميركي، ويحسبون أنّهم سيحصلون من نتنياهو، فوق مائدة الكلام، على أفضل ممّا حصل عليه لبنان من التصدّي بقوة السلاح للغزو الصهيوني لأراضيه، ويلوكون كلاماً معيباً بادّعاء أنّ "سلاح المقاومة لم يجلب إلا الاحتلال، وليس الاحتلال هو الذي أوجد المقاومة". المقاومة؛ تلك الحتمية الأخلاقية والوجودية كما في تاريخ كلّ الأمم والشعوب التي تعرّضت لغزو من عدو خارجي.
سؤال "ماذا أخذ لبنان من المقاومة غير مزيد من الاحتلال؟"، علاوةً على أنّه سؤال غير أخلاقي، فإنّه كذلك يحمل قدراً هائلاً من التضليل والإسقاط لحقائق تاريخية وثوابت وطنية لبنانية. ذلك أنّ الكلّ يعلم أنّ سلاح المقاومة الوطنية وحده هو ما أجبر العدو على الانسحاب في العام 2000، حين رُفع العلم اللبناني فوق أبعد نقطة في جنوبه المحرّر. غير أنّ الأكثر بعداً عن الأخلاقية أن يجري تناول "معركة إسناد فلسطين" في تصدّيها للتغول الصهيوني على قطاع غزّة باعتبارها خطيئةً من حزب الله بحقّ لبنان، جلبت له الدمار، وكأنّ "فلسطين" حُذفت من قاموس السياسة اللبنانية الرسمية، أو كأنّ قضيتها تخصّ شعباً آخر يعيش في قارّة أخرى بعيدة، وليس شعباً شقيقاً، فلم نسمع من مسؤول لبناني رسمي واحد، في غمرة الإقبال إلى تطبيع منتظر مع العدو، كلمةً واحدةً عن القضية الفلسطينية، حتى من باب تبرير المشي في هذا الطريق المظلم، على نحو ما فعل السابقون من متعاطي أوهام السلام العادل، منذ كامب ديفيد – أنور السادات، وحتى كامب ديفيد – الإمارات والبحرين، حين كانوا يعلّقون لافتة "الحلّ العادل للقضية المركزية".
مؤسفٌ هذا الإصرار على الاستقالة من التاريخ والجغرافيا وصلة القربى، أو الاستقالة من قضية فلسطين.
نقلا عن العربى الجديد