د. صلاح عز
لا بد فى البداية من توجيه التحية والتقدير لجميع ضيوف (الجزيرة) الذين يقاتلون ضد الانقلاب من خلال هذه الفضائية الوطنية الأكثر مصرية من الانقلابيين، ويقاومون التعتيم الإعلامى الذى فرضه الاحتلال السيسى على مصر.
تحية للسيدة الفاضلة نيفين ملك، وللدكاترة: محمد الجوادى، وجمال نصار، ومحمد شرف، والأساتذة: وائل قنديل، ومحمد القدوسى، وسليم عزوز، وحاتم عزام، ومحمد عباس، وأحمد حسن الشرقاوى، ومنتصر الزيات، وإبراهيم الديب؛ على ما يبذلونه من جهد وهم يعلمون ما قد يؤدى إليه فور عودتهم لمصر. فالانقلابيون لا يتركون ثأرا لهم ولا يتوقفون عن تصفية حساباتهم مع كل من يزعجهم ويقلق راحتهم.
بعد التحية، أود أن ألفت نظر الإخوة الأفاضل والضيوف الكرام إلى خرافات الانقلاب التى قصروا فى الحديث عنها باستفاضة. هناك خرافات عديدة وأكاذيب لا تنتهى، يأتى على رأسها أربع خرافات أساسية جرى الترويج لها فى وسائط الإعلام المصرية المسمومة، وتكرارها بإلحاح حتى تستقر فى عقول المصريين كحقائق.
الخرافة الأولى، والتى تناولها ضيوف الجزيرة، هى أن ما جرى من 30 يونيو إلى 3 يوليو كان ثورة شعبية. وهذه أضعف الخرافات؛ لأن لا أحد فى العالم يصدقها، بما فى ذلك الانقلابيون، ومع ذلك يكررونها لأنها الذريعة الوحيدة التى تبرر لهم اغتصاب مصر.
هذه الخرافة أشبه ما تكون بخرافة "أرض الميعاد" أو "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" التى بررت لليهود اغتصاب فلسطين.
أما الخرافات الثلاث الأخرى، فلم أسمع أيا من ضيوف الجزيرة يتعرض لها، وهى كالتالى:
أن ما جرى فى 3 يوليو 2013 هو نسخة مما جرى فى 11 فبراير 2011، وأن 33 مليون مصرى خرجوا يوم 30 يونيو، وأن ما جرى فى 30 يونيو يمثل هزيمة سياسية قاسية للإخوان.
أولا- هناك سبعة فروق جوهرية بين 3/7 و11/2، تناولتها بالتفصيل فى مقال نشرته "الحرية والعدالة" بعدد 2 أغسطس الماضى. هذه الفروق تدلل على البون الشاسع بين حالة الثورة فى يناير 2011 وحالة النزهة فى يونيو 2013. وقد بحثت عن هذا المقال فى موقع "الحرية والعدالة" فلم أجده. ولذا سأعيد صياغته ثم نشره بالموقع.
ثانيا- قام مهندس الاتصالات والإلكترونيات أمجد المنذر بإنزال إسقاط لميدان التحرير والشوارع المتفرعة منه حتى كوبرى قصر النيل، وذلك عن طريق التطبيق المعروف بـ"جوجل إيرث"، ثم قام بقياس مساحة الميدان وجميع الشوارع التى ظهرت مليئة بالبشر يوم 30/6 فى فيلم مخرج السينما إياه، والذى صوره بمساعدة إحدى طائرات القوات المسلحة (ولا نعرف من تكفل بنفقات هذه الطائرة). وقد وجد المهندس أمجد أن مساحة دائرة الميدان نحو خمسين ألف متر مربع، وهى تقريبا مجموع مساحات الشوارع المتفرعة حتى كوبرى قصر النيل، بمعنى أن المساحة الكلية التى تم تصويرها مليئة بالبشر هى تقريبا مائة ألف متر مربع. وإذا افترضنا أنه لا يمكن أن يجتمع أكثر من أربعة أشخاص فى المتر المربع الواحد، وإذا افترضنا أن هذه الكثافة العالية كانت متحققة فى جميع الأماكن (وهذا غير صحيح؛ حيث أظهر الفيلم فجوات كبيرة خالية من البشر)، فهذا يعنى أن مجموع المتظاهرين فى الميدان يوم 30/6 لا يتجاوز الأربعمائة ألف. ثم إذا فرضنا أن مجموع من خرج متظاهرا فى المحافظات الأخرى يساوى هذا الرقم أو يزيد قليلا، نصل إلى استنتاج واضح يسقط الذريعة الوحيدة التى استند إليها الانقلاب العسكرى، وهى أن عدد من تظاهروا مطالبين بإسقاط الرئيس والديمقراطية يوم 30/6 لا يتجاوز المليون بأى حال من الأحوال.
يشير هذا الاستنتاج إلى حجم التدليس الذى مورس على المصريين عندما يجرى تكرار رقم الـ33 مليونا، وهو ما يذكرنى بتكرار رقم الهولوكوست الشهير (ستة ملايين). كما يفسر سبب الرفض القاطع للاحتكام للصندوق قبل وضع كل المرشحين الإسلاميين المحتملين رهن الاعتقال.
وقد أصبحت هذه الجزئية علامة فارقة على من يتحرون الكذب.. فكل من يتحدث عن "ملايين" أو "عشرات الملايين" يوم 30/6، يكشف حقيقته المخزية وهويته المشوهة للمستمع.
ثالثا- عندما يتقاتل ملاكمان داخل حلبة الملاكمة، فإن سلاحهما الوحيد هو قفاز الملاكمة. وفقط باستخدام هذا السلاح وفقط داخل الحلبة يمكن الحديث عن انتصار أحدهما وهزيمة الآخر.
ما جرى فى مصر منذ مارس 2011 هو أشبه بملاكمين إسلامى وعلمانى، تنافسا المرة تلو المرة داخل الحلبة، وكانت المباراة تنتهى كل مرة بانتصار الملاكم الإسلامى، على الرغم من أن العلمانى لم يتوقف طوال هذه المباريات عن الضرب تحت الحزام. انتهت المباريات الأولى والثانية والثالثة بالضربة القاضية فى الجولة الثانية.. وفى الرابعة والخامسة كان الفوز بالنقاط.. وفى السادسة كان فوزا بالضربة القاضية فى الجولة الخامسة. ستة هزائم متوالية للعلمانى، قرر بعدها ألا يدخل الحلبة مجددا، وألا يتعامل مع الإسلامى بالقفاز. وإزاء مشاعر الحقد والكراهية المتأججة فى صدره، قرر العلمانى أن يحرض كبير البلطجية فى المنطقة على اختطاف خصمه وتخريب منزل الخصم وإرهاب وقتل كل من يناصره.
نحن هنا لسنا بصدد هزيمة سياسية وإنما جريمة سياسية. ويتبدى غباء الانقلابيين فى أنهم لم يتحملوا الانتظار حتى الانتخابات البرلمانية التى كان يمكن أن يلحقوا فيها هزيمة سياسية بالإخوان بسلاح الصوت الانتخابى وداخل الصندوق الانتخابى. ولكنهم التزموا بخطة الانقلاب الموضوعة لكى يستبدلوا الهزيمة بجريمة، ستقودهم جميعا -طال الزمن أو قصر- إلى حبل المشنقة.