بين صواريخ الحوثيين وقرارات الرياض.. مستقبل غامض لمليوني يمني في السعودية

- ‎فيعربي ودولي

بين مخاوف فقدان الوظائف وتراجع التحويلات المالية، يواجه نحو 1.8 مليون يمني يقيمون في السعودية حالة من القلق والترقب مع تصاعد التوترات العسكرية بين الرياض وجماعة الحوثي، وسط تحذيرات من أن استمرار المواجهة قد يفتح جبهة اقتصادية وإنسانية جديدة، لا تتوقف تداعياتها عند حدود المملكة، وإنما تمتد إلى ملايين اليمنيين الذين تعتمد حياتهم اليومية على تحويلات أقاربهم العاملين في الخارج.

ورغم أن المواجهة تبدو في ظاهرها عسكرية وأمنية، فإن تداعياتها المحتملة تتجاوز ميادين القتال إلى أسواق العمل والأنشطة التجارية وحركة النقل والطيران، بما يضع العمالة الوافدة أمام تحديات اقتصادية متزايدة، خصوصًا اليمنيين الذين تجمعهم بالمملكة علاقات اجتماعية واقتصادية ممتدة منذ عقود.

وتتضاعف حساسية الموقف بالنسبة إلى الجالية اليمنية، التي تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فهي تنتمي إلى بلد يخوض الحوثيون، الذين يسيطرون على أجزاء واسعة منه، مواجهة مع السعودية، بينما تعتمد في الوقت نفسه على الاقتصاد السعودي بوصفه مصدرًا رئيسيًا للعمل والدخل والاستقرار.

وفي ظل هذه المعادلة، تتزايد المخاوف من انعكاس أي اضطراب اقتصادي طويل الأمد على فرص العمل ومستويات الأجور، وصولًا إلى احتمالات تراجع التحويلات المالية التي تمثل شريان حياة لقطاعات واسعة من المجتمع اليمني.

غير أن قرار السلطات السعودية فتح باب تصحيح أوضاع فئات من المقيمين اليمنيين بصورة غير نظامية، بالتزامن مع التصعيد العسكري، أضاف بعدًا جديدًا للمشهد، وطرح تساؤلات بشأن حسابات الرياض السياسية والأمنية والاقتصادية، ومدى حرصها على الفصل بين مواجهتها مع الحوثيين وعلاقاتها بالمجتمع اليمني.

 

1.8 مليون يمني.. أكبر جالية يمنية في الخارج

تحتضن السعودية أكبر تجمع لليمنيين خارج بلادهم، إذ بلغ عدد المقيمين اليمنيين فيها أكثر من 1.8 مليون شخص، وفق بيانات التعداد السكاني السعودي لعام 2022.

وتشير البيانات إلى وجود نحو مليون و334 ألف رجل، مقابل قرابة 469 ألف امرأة، وهي أرقام تعكس حجم الوجود اليمني داخل المملكة، وإن كانت لا تحدد بدقة أعداد العاملين منهم، نظرًا إلى شمولها الأطفال والنساء غير العاملات وأفراد الأسر والفئات العمرية المختلفة.

ولا يقتصر انتشار اليمنيين على منطقة جغرافية بعينها، إذ يتمركز بعضهم في المناطق الجنوبية القريبة من الحدود اليمنية، خصوصًا عسير والمناطق المجاورة، بحكم الروابط التاريخية والاجتماعية والتداخل السكاني بين البلدين.

في المقابل، تستقطب المدن الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها الرياض وجدة ومدن المنطقة الشرقية، أعدادًا كبيرة من العمالة اليمنية التي تنشط في قطاعات البناء والتشييد والصيانة والتجارة والنقل والزراعة والخدمات والورش والمهن الحرفية.

وعلى مدار عقود، تحولت السعودية بالنسبة إلى أعداد كبيرة من اليمنيين من مجرد وجهة للعمل المؤقت إلى موطن للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، بعدما نشأت أجيال يمنية داخل مدن المملكة، وتشكلت علاقات ممتدة من المصاهرة والقرابة والصداقة والمصالح التجارية.

وزادت الحرب المستمرة في اليمن من أهمية هذا الوجود، بعدما أصبحت المملكة بالنسبة إلى شريحة من اليمنيين ملاذًا اقتصاديًا واجتماعيًا في ظل انهيار فرص العمل وتدهور الظروف المعيشية داخل بلادهم.

وتعني هذه الروابط المتشابكة أن أي اضطراب واسع يطول أوضاع اليمنيين في السعودية لن يكون مجرد أزمة عمالة وافدة، وإنما قد يتحول إلى قضية اجتماعية وإنسانية عابرة للحدود.

 

الحرب تهدد مصادر الرزق

مع تصاعد المواجهة بين السعودية والحوثيين، تتجه الأنظار إلى التداعيات الاقتصادية المحتملة لأي استمرار طويل للتصعيد، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالطاقة والطيران والنقل والتجارة والخدمات.

ورغم عدم توافر بيانات تفصيلية تثبت وقوع خسائر وظيفية واسعة بين العمالة اليمنية نتيجة التصعيد الأخير، فإن طبيعة الأنشطة التي يعملون بها تجعلهم عرضة للتأثر بأي تباطؤ اقتصادي أو اضطراب في حركة الأسواق.

فالعمالة المرتبطة بقطاعات البناء والصيانة والنقل والتجارة والخدمات تعتمد بدرجات متفاوتة على استمرار حركة الاستهلاك والمشروعات والأنشطة اليومية، وهو ما يجعلها أكثر حساسية للتغيرات الاقتصادية المفاجئة.

وفي حال امتدت المواجهة العسكرية وتسببت في اضطرابات متكررة بحركة الطيران أو النقل أو سلاسل الإمداد، فقد تجد بعض المؤسسات نفسها مضطرة إلى تقليص نفقاتها أو إعادة تنظيم ساعات العمل، الأمر الذي قد ينعكس على دخول العاملين واستقرارهم الوظيفي.

كما أن التوسع المحتمل في العمل عن بُعد أو تراجع النشاط التجاري في بعض المناطق قد يؤثر على المهن الخدمية التي تعتمد على الحضور المباشر وحركة الأفراد.

وتزداد المخاطر بالنسبة إلى العمالة منخفضة الدخل، التي لا تمتلك في الغالب مدخرات كافية لمواجهة فترات طويلة من توقف العمل أو انخفاض الأجور.

وبالنسبة إلى العامل اليمني، فإن خسارة الوظيفة أو تراجع الدخل لا تعني بالضرورة أزمة فردية، بل قد تمتد آثارها إلى أسرة كاملة في اليمن تعتمد على ما يرسله شهريًا لتغطية احتياجاتها الأساسية.

 

تحويلات المغتربين.. شريان حياة مهدد

تمثل تحويلات اليمنيين العاملين في الخارج أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة إلى الاقتصاد اليمني، الذي يعاني منذ سنوات من تداعيات الحرب والانقسام السياسي والمؤسسي وتراجع النشاط الإنتاجي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

وتعتمد أعداد كبيرة من الأسر اليمنية على الأموال التي يرسلها أقاربها من الخارج لتوفير الغذاء والسكن والعلاج والتعليم، في ظل محدودية فرص العمل وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن تحويلات المغتربين اليمنيين بلغت نحو 6.2 مليار دولار خلال عام 2024، مقارنة بنحو 3.7 مليار دولار في عام 2014.

في المقابل، ترفع تقديرات أخرى حجم هذه التحويلات إلى نحو 7.4 مليارات دولار خلال العام نفسه، بما يعادل قرابة 38% من الناتج المحلي الإجمالي وفقًا للمنهجية المستخدمة في تلك التقديرات.

ويعكس هذا التفاوت صعوبة قياس التدفقات المالية بدقة، خصوصًا مع انتشار قنوات التحويل غير الرسمية وضعف قواعد البيانات الاقتصادية في اليمن.

ورغم غياب إحصاءات حديثة تفصل إجمالي التحويلات القادمة من السعودية وحدها، فإن استضافة المملكة أكبر جالية يمنية في الخارج يجعلها واحدة من أبرز المصادر لهذه التدفقات المالية.

وتكمن خطورة أي اضطراب محتمل في سوق العمل السعودي في أن تأثيره قد ينتقل بصورة مباشرة إلى الداخل اليمني.

فالعامل الذي يفقد وظيفته أو تتراجع ساعات عمله قد يضطر إلى تقليص المبالغ التي يرسلها لأسرته، وهو ما ينعكس على قدرتها على شراء الغذاء والدواء وسداد الإيجارات وتكاليف التعليم.

ومع اتساع دائرة الأسر المعتمدة على التحويلات، يمكن أن يتحول تراجع دخول المغتربين إلى عامل إضافي يعمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية داخل اليمن.

ولا تقتصر أهمية التحويلات على الأسر المستفيدة منها بصورة مباشرة، بل تمتد إلى الأسواق المحلية، حيث تسهم الأموال القادمة من الخارج في تنشيط حركة الاستهلاك والتجارة وتوفير النقد الأجنبي.

ومن ثم، فإن أي انخفاض ملموس ومستمر في تلك التدفقات قد يفرض ضغوطًا إضافية على الاقتصاد اليمني، الذي يعاني بالفعل اختلالات نقدية ومالية حادة.

 

قرار سعودي مفاجئ وسط التصعيد

في الوقت الذي تصاعدت فيه المخاوف بشأن مستقبل العمالة اليمنية داخل السعودية، جاء إعلان السلطات السعودية، في 11 أكتوبر الحالي، عن إجراءات لتصحيح أوضاع فئات من اليمنيين الموجودين في المملكة بصورة غير نظامية، ليقدم مؤشرًا مختلفًا عن السيناريوهات التي كانت تخشاها بعض أوساط الجالية.

وبحسب الإجراءات المعلنة، مُنحت الفئات المشمولة مهلة تمتد إلى شهرين لتسوية أوضاعها وفق الضوابط المحددة.

وتشمل الإجراءات العمالة اليمنية التي انتهت صلاحية إقامتها، وكذلك من سُجلت بحقهم بلاغات تغيب عن العمل، شريطة امتلاك وثائق سفر يمنية سارية واستيفاء بقية الاشتراطات.

وتتيح هذه الخطوة للمستفيدين فرصة العودة إلى الوضع النظامي، بما يسمح لهم بتسوية أوضاع الإقامة والعمل وفق القواعد المعمول بها داخل المملكة.

ويعيد القرار إلى الأذهان الإجراءات التي اتخذتها السعودية عام 2015، حين فتحت المجال لتصحيح أوضاع أعداد كبيرة من اليمنيين، واستفاد منها آنذاك نحو نصف مليون شخص.

غير أن أهمية القرار الحالي لا ترتبط بمضمونه القانوني فقط، وإنما بتوقيته الذي يتزامن مع تصاعد التوتر العسكري مع الحوثيين.

فبينما كانت المخاوف تتجه إلى احتمالات تشديد القيود على بعض فئات العمالة اليمنية، جاء القرار ليفتح مسارًا لتسوية أوضاع المخالفين، وهو ما يطرح تساؤلات حول الدوافع السياسية والاقتصادية والأمنية التي تقف خلفه.

 

أبعاد أمنية.. لماذا تصحح الرياض أوضاع اليمنيين الآن؟

يمكن النظر إلى قرار تصحيح الأوضاع من زاوية أمنية وإدارية، تتعلق برغبة السلطات السعودية في تقليص أعداد المقيمين بصورة غير نظامية وإدماجهم في المنظومة الرسمية للإقامة والعمل.

فالعامل الذي يمتلك إقامة سارية وعقد عمل نظاميًا وصاحب عمل معلومًا يصبح أكثر وضوحًا بالنسبة إلى الجهات الإدارية والرقابية، مقارنة بمن انتهت إقامته أو فقد ارتباطه الوظيفي النظامي.

ومن هذه الزاوية، قد يساعد القرار على تحديث بيانات المقيمين وتسهيل متابعة أوضاعهم القانونية والمهنية، بما يعزز قدرة السلطات على إدارة سوق العمل.

وتكتسب هذه الاعتبارات أهمية إضافية خلال فترات التوترات الأمنية والعسكرية، عندما تصبح إدارة ملفات الإقامة والتنقل والعمل أكثر حساسية.

لكن هذه القراءة تظل تفسيرًا محتملًا لدلالات القرار، ولا تعني بالضرورة أن السلطات السعودية أعلنت ارتباطه المباشر بالتصعيد مع الحوثيين.

كما يمكن النظر إلى الخطوة باعتبارها امتدادًا لسياسات تنظيم سوق العمل، التي تستهدف الحد من المخالفات وإتاحة مسارات قانونية لتسوية أوضاع العمالة الموجودة داخل المملكة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن انتقال العمالة المخالفة إلى الوضع النظامي قد يتيح استمرار الاستفادة من خبراتها ومهاراتها داخل القطاعات التي تعمل بها، بدلًا من خسارتها نتيجة الترحيل أو استمرار المخالفات.

 

رسالة سياسية للحوثيين أم طمأنة لليمنيين؟

يحمل توقيت القرار السعودي دلالات سياسية محتملة، في ظل العلاقة المعقدة التي تربط الرياض باليمن، والتباين بين موقفها من الحوثيين وعلاقاتها بالمجتمع اليمني الأوسع.

فالسعودية، التي تخوض مواجهة مع الجماعة الحوثية، ترتبط في الوقت نفسه بعلاقات تاريخية واجتماعية واقتصادية واسعة مع اليمنيين، وتستضيف أكبر تجمع لهم خارج بلادهم.

وفي هذا السياق، يمكن تفسير فتح باب تصحيح الأوضاع باعتباره مؤشرًا على رغبة الرياض في الفصل بين خصومتها مع الحوثيين وبين تعاملها مع المواطنين اليمنيين المقيمين على أراضيها.

فبدلًا من اتخاذ إجراءات جماعية مشددة بحق اليمنيين على خلفية التصعيد، أتاحت السلطات لفئات مخالفة فرصة لتسوية أوضاعها القانونية.

وقد تحمل هذه الخطوة رسالة ضمنية مفادها أن المواجهة العسكرية والسياسية مع الحوثيين لا تستهدف اليمنيين باعتبارهم شعبًا أو جالية مقيمة في المملكة.

وتزداد أهمية هذا الفصل في ضوء دعم الرياض لقوى يمنية مناوئة للحوثيين، وحرصها على الحفاظ على علاقاتها مع قطاعات واسعة من المجتمع اليمني.

كما أن أي إجراءات واسعة لترحيل اليمنيين خلال التصعيد قد تتحول إلى ورقة سياسية وإعلامية يمكن للحوثيين استغلالها في خطابهم المناهض للسعودية.

ومن ثم، فإن تجنب ربط ملف الجالية اليمنية بالمواجهة العسكرية قد يُسهم في تقليص احتمالات تصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية بين البلدين.

ومع ذلك، لا توجد معطيات كافية للجزم بأن القرار جاء استجابة مباشرة لهذه الاعتبارات، إذ يظل تنظيم الإقامة والعمل هدفًا قائمًا بذاته ضمن السياسات الداخلية السعودية.

 

الترحيل الجماعي.. سيناريو يحمل مخاطر اقتصادية وإنسانية

تتجاوز تداعيات أي ترحيل واسع محتمل للعمالة اليمنية حدود سوق العمل السعودي، لتصل إلى الاقتصاد اليمني الذي يعاني بالفعل أزمة معيشية وإنسانية ممتدة.

فعودة أعداد كبيرة من العمال إلى اليمن خلال فترة قصيرة قد تزيد الضغوط على سوق عمل يعاني محدودية الفرص وارتفاع معدلات البطالة.

كما أن توقف التحويلات المالية التي كانت تصل إلى أسر هؤلاء العمال قد يؤدي إلى تراجع قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.

ولا تقتصر التداعيات المحتملة على الجانب الاقتصادي، إذ قد يؤدي تزايد أعداد العائدين إلى زيادة الضغط على الخدمات العامة والبنية التحتية والموارد المحدودة في المناطق اليمنية التي تستقبلهم.

وفي المقابل، فإن استمرار العمالة اليمنية بصورة نظامية داخل المملكة يساعد على الحفاظ على مصادر دخل الأسر المرتبطة بها، ويحد من احتمالات انتقال الضغوط الاقتصادية السعودية إلى الداخل اليمني.

ومن هذا المنطلق، قد يمثل تصحيح الأوضاع خيارًا أقل تكلفة اقتصاديًا وإنسانيًا من ترك المخالفات تتراكم أو اللجوء إلى إجراءات ترحيل واسعة.

غير أن الاستفادة الفعلية من القرار ستظل مرتبطة بمدى قدرة العمال المشمولين على استيفاء الاشتراطات المطلوبة، وتكاليف تسوية أوضاعهم، وتوافر أصحاب عمل مستعدين لاستكمال الإجراءات النظامية.

 

بين متطلبات الأمن وحسابات الاقتصاد

تكشف التطورات الأخيرة عن تشابك المصالح الاقتصادية والاعتبارات السياسية والأمنية في إدارة السعودية لملف العمالة اليمنية.

فمن جهة، تسعى الرياض إلى حماية أمنها واستقرارها في مواجهة التهديدات العسكرية، ومن جهة أخرى، تواجه ضرورة الحفاظ على انتظام النشاط الاقتصادي وإدارة أوضاع ملايين المقيمين الأجانب، ومن بينهم الجالية اليمنية.

وتبدو هذه المعادلة أكثر تعقيدًا بالنظر إلى أن اليمنيين ليسوا مجرد عمالة وافدة حديثة، وإنما يمثلون مجتمعًا تشكل وجوده داخل المملكة عبر عقود، وتربطه بها مصالح وعلاقات إنسانية واجتماعية واسعة.

كما أن أي تدهور كبير في أوضاعهم الاقتصادية قد ينعكس على الداخل اليمني، بما يحمله ذلك من تداعيات اجتماعية وإنسانية قد تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة قرار تصحيح الأوضاع باعتباره محاولة لتحقيق توازن بين ضبط سوق العمل، وتعزيز التنظيم القانوني للمقيمين، وتجنب تداعيات إنسانية واقتصادية غير مرغوبة.

لكن هذا التوازن يظل معرضًا للاختبار إذا استمرت المواجهة العسكرية لفترة طويلة، أو اتسعت آثارها لتشمل قطاعات اقتصادية إضافية.

 

مستقبل غامض وملايين الأسر تترقب

رغم ما يحمله قرار تصحيح أوضاع اليمنيين من مؤشرات إيجابية للفئات المستفيدة، فإن مستقبل العمالة اليمنية داخل السعودية يظل مرتبطًا بمسار التصعيد العسكري ومدى تأثيره على الاقتصاد وسوق العمل.

فاستقرار الإقامة القانونية لا يضمن وحده استمرار الوظائف أو الحفاظ على مستويات الدخل، إذا تعرضت الأنشطة الاقتصادية لضغوط ممتدة.

وفي المقابل، فإن استمرار حركة الأسواق والمشروعات والأنشطة التجارية بصورة طبيعية قد يحد من انعكاسات التصعيد على العمالة الوافدة.

أما داخل اليمن، فتظل الأسر المعتمدة على تحويلات المغتربين الطرف الأكثر هشاشة في هذه المعادلة، إذ لا تمتلك كثير منها مصادر دخل بديلة تعوض أي انخفاض مفاجئ في الأموال القادمة من الخارج.

وبينما تتواصل المواجهة بين السعودية والحوثيين، يجد اليمنيون المقيمون في المملكة أنفسهم أمام معركة مختلفة؛ عنوانها الحفاظ على الوظائف والإقامات ومصادر الرزق، في ظل مخاوف من أن تتحول تداعيات الحرب إلى أزمة معيشية عابرة للحدود.

وفي المحصلة، فإن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في احتمال تضرر العمالة اليمنية داخل السعودية، وإنما في انتقال آثار هذا الضرر إلى ملايين اليمنيين الذين يعيشون على تحويلات المغتربين، بما يجعل استمرار التصعيد تهديدًا محتملًا لشبكة الأمان الاقتصادي والاجتماعي التي يعتمد عليها جزء واسع من المجتمع اليمني.

ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح الرياض في إبقاء خلافها العسكري مع الحوثيين بعيدًا عن أرزاق اليمنيين ومصالحهم، أم أن استمرار المواجهة سيجعل العمالة اليمنية وأسرها تدفع ثمن حرب لم تكن طرفًا مباشرًا فيها؟