حين يصبح الثبات على المبدأ أغلى من كرسي الحكم.. سنوات على رحيل الرئيس الشهيد محمد مرسي وتجربة تثير نقاشًا واسعًا

- ‎فيتقارير

لم يكن الرئيس الشهيد محمد مرسي مجرد رئيس عابر في تاريخ مصر، بل كان محورًا لتجربة سياسية قصيرة ومثيرة للجدل، وصل خلالها إلى رئاسة الجمهورية عبر انتخابات عام 2012، شهد لها العالم بالنزاهة والشفافية والحيادية المطلقة، قبل أن ينتهي حكمه في يوليو 2013، إثر انقلاب عسكري مكتمل الاركان في الثالث من يوليو 2013، ثم يُحتجز ويقضي سنوات في السجن إلى أن توفي أثناء جلسة محاكمة في يونيو 2019.

وبعد سنوات من رحيله، لا تزال تجربة مرسي تثير نقاشًا واسعًا حول الديمقراطية والشرعية السياسية وطبيعة الصراع على السلطة في مصر، كما تطرح أسئلة تتجاوز شخص الرئيس الشهيد الراحل إلى مستقبل التجربة الديمقراطية نفسها.

 

بصندوق الانتخابات جاء إلى قصر الرئاسة

جاء الرئيس الشهيد محمد مرسي إلى الرئاسة في أعقاب مرحلة سياسية مضطربة أعقبت ثورة يناير 2011، وبعد انتخابات رئاسية تنافس فيها مع أحمد شفيق في الجولة الثانية. مثّل وصوله إلى الحكم لحظة فارقة في تاريخ مصر الحديث، باعتباره أول رئيس مدني منتخب في انتخابات تعددية بعد عقود من حكم رؤساء ينتمون إلى المؤسسة العسكرية.

لكن وصوله إلى السلطة لم يضع حدًا للأزمة السياسية؛ فقد واجه منذ الأشهر الأولى تحديات اقتصادية وأمنية ومؤسسية، إلى جانب صراع متصاعد مع قوى سياسية ومدنية وأجزاء من مؤسسات الدولة، ما يطلق عليها الدولة والعميقة واصحاب المصالح والنفوذ بمساعدة دول إقليمية ودولية تمكنت من الانقلاب على التجربة الديمقراطية الوليدة.

كما تعرضت سياساته لانتقادات حادة، بعضها تعلّق بأداء حكومته وإدارته للملفات الاقتصادية والخدمية، وبعضها ارتبط بعلاقته بجماعة الإخوان المسلمين والقوى السياسية المؤيدة لها، وبطريقة إدارة المرحلة الانتقالية.

 

عام واحد من الحكم وصراع متصاعد

خلال عام حكمه، اتسعت حالة الاستقطاب السياسي في البلاد، وخرجت احتجاجات تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة، اتخذها العسكر غطاء سياسي لتنفيذ عملية الانقلاب على شرعية الرئيس الدستورية.

وفي 3 يوليو 2013 أعلن وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي عزل الرئيس محمد مرسي وتعطيل العمل بالدستور وتشكيل إدارة انتقالية للبلاد.

ومنذ ذلك التاريخ، انقسم المصريون بشدة حول توصيف ما حدث؛ فبينما اعتبره مؤيدو مرسي انقلابًا عسكريًا على رئيس منتخب، رأى معارضوه أنه استجابة لموجة احتجاج شعبي ضد إدارة الرئيس محمد مرسي.

وبغض النظر عن الموقف السياسي من الرجل أو تجربته، فإن هذه اللحظة أصبحت واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في التاريخ السياسي المصري المعاصر.

 

الشرعية.. القضية التي رافقت مرسي حتى النهاية

تحولت مسألة الشرعية إلى محور أساسي في خطاب مرسي وأنصاره بعد عزله. فمن أشهر العبارات المنسوبة إليه خلال تلك المرحلة قوله: "الشرعية ثمنها حياتي.. حياتي أنا"، وهي عبارة اختزلت بالنسبة إلى مؤيديه موقفه الرافض للتنازل عن موقعه الرئاسي بالقوة.

وبعد الانقلاب عليه، خضع الرئيس محمد مرسي لعدة محاكمات وقضايا، وظل محتجزًا لسنوات. وفي 17 يونيو 2019 توفي أثناء جلسة محاكمة في هزلية "التخابر مع حما"، وفق ما أعلنته سلطات الانقلاب آنذاك. وأثارت وفاته ردود فعل دولية وحقوقية واسعة، خصوصًا بشأن ظروف احتجازه والرعاية الصحية التي تلقاها خلال سنوات السجن.

 

بين الأخطاء السياسية ومبدأ المحاسبة

لا تقتضي قراءة تجربة الرئيس محمد مرسي تقديمه باعتباره شخصية سياسية معصومة من الخطأ، لكن الاعتراف بوجود أخطاء سياسية لا يحسم وحده السؤال المتعلق بطريقة التعامل معها.

ففي الأنظمة الديمقراطية، تُفترض معالجة أخطاء الحكومات والرؤساء من خلال المؤسسات الدستورية والانتخابات وآليات المساءلة السياسية والقانونية، لا من خلال إلغاء العملية الانتخابية نفسها.

ومن هنا بقيت تجربة الرئيس محمد مرسي مرتبطة بسؤال أكبر: هل كان إسقاط الرئيس المنتخب تصحيحًا لمسار سياسي مضطرب، أم تدميرا لتجربة ديمقراطية كانت لا تزال في بدايتها؟

 

"عايزين نمتلك إرادتنا".. سؤال الاستقلال الوطني

إلى جانب قضية الشرعية، ارتبط خطاب مرسي بفكرة استقلال القرار الوطني. وكان من بين الشعارات التي ترددت في خطابه الدعوة إلى امتلاك مصر إرادتها السياسية والاقتصادية، وبناء قدرات إنتاجية في الغذاء والدواء وغيرها من المجالات الإستراتيجية.

وهذه الفكرة تتجاوز الخلاف حول شخص الرئيس محمد مرسي؛ إذ تظل مسألة استقلال القرار الوطني وقدرة الدولة على إنتاج احتياجاتها الأساسية وحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية من القضايا الجوهرية في أي مشروع وطني.

فالاستقلال السياسي لا يكتمل، في نهاية المطاف، من دون قدر من الاستقلال الاقتصادي والإنتاجي، ومن دون مؤسسات قادرة على اتخاذ قراراتها وفق مصالح المجتمع والدولة.

 

ما الذي بقي من تجربة مرسي؟

بعد سنوات من رحيله، لم يعد النقاش حول الرئيس الشهيد محمد مرسي مقتصرًا على تقييم عام واحد من الحكم، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع حول طبيعة التحول السياسي الذي شهدته مصر منذ عام 2011.

فمؤيدوه يرون فيه رئيسًا منتخبًا أُطيح به قبل استكمال تجربته، بينما يرى خصومه أن سياساته ساهمت في تعميق الانقسام السياسي والاجتماعي، فعملوا على الانقلاب عليه والقضاء على التجربة الديمقراطية بمساعدة الدول الخليجية خوفا من انتقال التجربة الديمقراطية الي دولهم الغنية المحكومة من خلال اسر  حاكمة وراثية مسيطرة على السلطة والثروة بعيدا عن أي اطر ديمقراطية.

وبين الروايتين تبقى الحاجة إلى قراءة أكثر هدوءًا للتجربة، بعيدًا عن التقديس السياسي أو التشويه المطلق. فالإنصاف لا يعني تجاهل الأخطاء، كما أن نقد الأخطاء لا يعني إنكار الحقائق أو مصادرة حق الرجل في أن يُقيَّم ضمن سياقه التاريخي.

 

رحل وبقيت الأسئلة

انتهت حياة الرئيس الشهيد محمد مرسي في السجن، بعد سنوات من العزل والاهمال الطبي المتعمد والاحتجاز والمحاكمات، لكن الأسئلة التي أثارتها تجربته السياسية لم تنتهِ برحيله.

هل كان يمكن معالجة أزمات المرحلة عبر الانتخابات والمؤسسات بدل إسقاط الرئيس المنتخب؟ وهل كان بالإمكان إنقاذ التجربة الديمقراطية الناشئة من خلال إصلاح أخطائها بدل إنهائها؟ وهل كان الصراع في تلك المرحلة صراعًا على أداء الرئيس الشهيد، أم صراعًا أعمق حول طبيعة الدولة والسلطة والهوية السياسية لمصر؟

أسئلة كهذه، تحتاج إلى قراءة تاريخية هادئة تستند إلى الوقائع وتفصل بين تقييم الأداء السياسي والحكم على الأشخاص والنوايا.

 

الرحيل وبقاء السيرة

رحل الرئيس الشهيد محمد مرسي عن المشهد السياسي والدنيا معًا، ولم يبقَ له من القصور أو المناصب شيء. وبقيت سيرته، وبقي الجدل حول تجربته، وبقيت كذلك مساحة واسعة للاختلاف حول ما أنجزه وما أخفق فيه.

لكن الموت يضع الخصومة السياسية أمام امتحان أخلاقي مختلف؛ فالرجل الذي كان رئيسًا لمصر، ثم أصبح سجينًا ، انتهت حياته داخل محبسه بعيدًا عن السلطة التي وصل إليها عبر الانتخابات.

ولهذا فإن قراءة تجربته بعد رحيله ينبغي أن تقوم على الإنصاف: لا عصمة في السياسة، ولا قداسة للحكام، ولا يجوز في المقابل أن تتحول الخصومة السياسية إلى محو كامل للإنسان أو لتجربته من التاريخ.

وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ الحج: 38. وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ الرعد: 17.

وفي النهاية، قد يختلف المصريون حول الرئيس الشهيد محمد مرسي سياسيًا، وقد يختلفون جذريًا في تقييم فترة حكمه، لكن التاريخ لا يُكتب بمنطق المحبة والكراهية وحدهما.

فالرجل مضى الي ربه، بينما بقيت التجربة مفتوحة على التقييم والمراجعة، وبقي السؤال الأكبر: هل كانت نهاية محمد مرسي نهاية رجل وحكم، أم نهاية فرصة سياسية كان يمكن أن تتطور بصورة مختلفة لو تُرك للصندوق والمؤسسات أن يحكما مسارها؟   التاريخ وحده قادر على تقديم الإجابة الأكثر إنصافًا.