14.7% ارتفاع جديد للتضخم.. تآكل المداخيل دوامة تخنق المصريين

- ‎فيتقارير

أعلن البنك المركزي المصري في بيان رسمي صدر أمس، الإثنين 10 أغسطس 2026، أن معدل التضخم الأساسي في البلاد قد سجل ارتفاعاً ملحوظاً ليصل إلى 14.7% على أساس سنوي في شهر يوليو، مقارنة بنحو 14.3% في شهر يونيو السابق، وهو ما يعكس استمرار الضغوط السعرية المتزايدة في الأسواق المحلية.

 

ويأتي هذا الارتفاع بعد استبعاد السلع ذات التذبذب العالي والسلع المُسعرة إدارياً مثل الوقود، الكهرباء، المياه، والغاز، ويعكس هذا المؤشر استمرار الضغوط السعرية التي تثقل كاهل الأسر، حيث تشير التقارير الاقتصادية الصادرة عن وكالة رويترز إلى أن توقعات 13 محللاً اقتصادياً كانت تترقب ارتفاع التضخم السنوي في المدن ليصل إلى نحو 15.6%، متراوحة بين 14.6% و16.3%، مما يؤكد أن الأسواق كانت تتأهب بالفعل لاستمرار مسار الصعود التضخمي وتداعياته الواسعة على مختلف القطاعات الحيوية في الدولة.

الغذاء والكهرباء

وفي مقدمة الضغوط التضخمية وتأثيرها المباشر، يتصدر الغذاء والكهرباء، فعند تعدد محركات التضخم في السوق المصري، تتصدرها أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية التي تمثل الجزء الأكبر من إنفاق الأسر المحدودة والمتوسطة الدخل، مما يجعل أي تغير طفيف في أسعارها سبباً مباشراً لحدوث هزات مالية واسعة النطاق في ميزانيات الأسر المصرية باختلاف شرائحها.

وأكد خبراء اقتصاديون، من بينهم جيمس سوانستون من بنك باركليز، أن تسارع تضخم أسعار الغذاء إلى جانب الارتفاع المحدود في أسعار السلع غير الغذائية، يدفع التضخم السنوي في المدن نحو مستويات أعلى قد تقارب 16.1%. وأشار محمد أبو باشا، رئيس البحوث في مجموعة إي إف جي القابضة، إلى توقعات بزيادة التضخم الشهري بنحو 0.5%، مع استمرار تأثير سنة الأساس المواتية لتدفع المعدل السنوي نحو الصعود خلال صيف 2026 قبل أن يبدأ في التراجع التدريجي مع حلول الربع الأخير من العام، وهو ما يتطلب خطط حماية اجتماعية أكثر مرونة واستباقية لامتصاص الصدمات السعرية.

قطاع الطاقة وباب جديد للغلاء

وامتد تداعيات التضخم، لتشمل آثار الزيادة الأخيرة في أسعار الكهرباء، والتي بلغت في المتوسط نحو 12% لمعظم شرائح الاستهلاك، وأوضح دانيال ريتشاردز، الخبير الاقتصادي في بنك الإمارات دبي الوطني، أن هذه الزيادة انعكست بوضوح على بيانات التضخم خلال أغسطس. ولا يتوقف الأثر عند فاتورة الاستهلاك المباشر للمواطن، بل يمتد بطريقة غير مباشرة ليرفع تكاليف التشغيل والإنتاج والنقل للمصانع والشركات، مما يضاعف من أسعار المنتجات النهائية في الأسواق ويوسع دائرة التأثير لتشمل كل مناحي الحياة الاقتصادية اليومية.

قفزة أسعار السكن والمياه والكهرباء بنسبة 31.1%

ومن جانب آخر، كشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن أرقام لفتت الأنظار بشدة ضمن التقرير الشهري، حيث سجل قسم السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود ارتفاعاً هائلاً بلغ 31.1% خلال شهر يوليو 2026 مقارنة بالشهر ذاته من عام 2025، مما يعكس حجم التحولات الكبيرة في تكاليف الخدمات الأساسية.

وفي حساب "الجهاز المركزي" للإيجار الفعلي؛ ارتفعت أسعار مجموعة الإيجار الفعلي للمسكن بنسبة 28.1% نتيجة لزيادة الطلب وضغوط السوق العقاري.

وفي  حساب الإيجار المحتسب؛ سجلت مجموعة الإيجار المحتسب للمسكن قفزة كبيرة بلغت 50.9% على أساس سنوي، مما يعكس تقييمات جديدة لتكلفة السكن الفعلي.

وارتفع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين ليصل إلى 289.9 نقطة، مسجلاً زيادة شهرية طفيفة قدرها 0.1%، في حين صعد التضخم العام في المدن إلى 13.0% خلال يوليو مقابل 12.2% في يونيو، مؤكداً استمرار الضغوط التصاعدية.

الزيادات مؤقتة أم مسار دائم؟

وأثارت التصريحات المثيرة للجدل للخبير الاقتصادي حسن الصادي (على قنوات محلية) نقاشاً واسعاً في الشارع المصري، بعدما حذر بلهجة حادة من أن زيادة أسعار الوقود والخدمات لن تكون إجراءً مؤقتاً كما تروج الجهات الحكومية، مؤكداً أن نتيجتها الحتمية هي تفاقم التضخم وارتفاع الأسعار بشكل جماعي.

وأوضح الصادي أن آليات التسعير في السوق المصري تتحرك في اتجاه واحد فقط؛ فالأسعار ترتفع سريعاً مع أي قرار برفع الدعم أو تكاليف الطاقة، لكنها نادراً ما تنخفض بنفس الوتيرة حتى وإن تراجعت التكاليف العالمية. وأشار إلى أن العبء الأكبر يقع دائماً على عاتق الفئات محدودة الدخل، مما يؤدي إلى تآكل خطير في القدرة الشرائية وتوسيع دائرة الضغوط الاجتماعية والفقر، وهو ما يستدعي مراجعة دورية لآليات الحماية الاجتماعية الموجهة للأسر الأكثر احتياجاً لضمان عدم تعرضها لمزيد من التهميش المعيشي.

التعبئة الصحفية

وفي صحيفة "الوطن" المحلية الموالية للانقلاب نشر مقال بعنوان "تدليس الأرقام.. كيف توظف منصات الإخوان بيانات التضخم لصناعة صورة كارثية عن مصر؟" ويتناول قراءة نقدية للخطاب الإعلامي المعارض وكيفية استغلاله للأرقام الاقتصادية الرسمية الصادرة عن البنك المركزي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مسلطاً الضوء على ضرورة التفريق بين النقد الاقتصادي البناء والتوظيف السياسي الهادف إلى التأثير على الاستقرار المجتمعي.

إلا أن المقال يخلط متعمدا بين "النقد الاقتصادي الموضوعي" و"التوظيف السياسي"، محاولا وصم أي قراءة نقدية لمؤشرات التضخم والأسعار بأنها "تدليس" و"أدلجة" إخوانية، وتصوير المؤشرات الاقتصادية السلبية على أنها مجرد "شائعات" أو "استهداف سياسي" للجبهة الداخلية.

ولا يغيب عن الصحيفة الانقلابية أن التضخم "مؤشر كمي معياري يصدر عن جهات رسمية (مثل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء في مصر، أو البنك المركزي).

وأن تقييم هذا المؤشر وقراءته صعوداً أو هبوطاً هو علم اقتصادي بحت، وربط الأرقام بالواقع المعيشي للناس (مثل تراجع القوة الشرائية، وتآكل المدخرات، وارتفاع تكلفة المعيشة) هو تحليل موضوعي يعتمد عليه الخبراء والمؤسسات الدولية (مثل صندوق النقد والبنك الدوليين)، ولا يمكن اختزاله في كونه مؤامرة سياسية.

وثانيا؛ يتهم المقال المنصات المعارضة بأنها تقوم "باقتطاع الرقم من سياقه" أو "التركيز على الارتفاعات دون الإشارة إلى معدلات التراجع".

وفي الاقتصاد، عندما تسجل معدلات التضخم مستويات قياسية تاريخية لفترات طويلة (حتى وإن حدث تباطؤ طفيف شهرياً في معدل الارتفاع)، فإن العبرة الحقيقية هي التراكم التضخمي، حيث الأسعار لا تعود إلى الوراء عندما يتراجع معدل التضخم، بل يتباطأ فقط معدل الزيادة؛ بمعنى أن السلعة التي ارتفعت بنسبة 30% أو 40% في عام لا تنخفض أسعارها إذا سجل التضخم الشهر التالي 20%، بل تزيد بنسبة 20% فوق السعر المرتفع أصلاً. بالتالي، تسليط الضوء على هذه الزيادات ليس "تدليساً"، بل هو توصيف دقيق للأثر الواقعي على القدرة المالية للمواطن.

ويعتمد المقال على آراء باحثين في شؤون الجماعات المتطرفة (مثل طارق البشبيشي) للرد على قضايا تخص "التضخم وبيانات الأسعار"، وتصنيف نقد السياسات الاقتصادية تحت مظلة "الطابور الخامس" و"استهداف ثقة المواطن في دولته".

وبحسب مراقبين فإن تنميط الخصم، تهرب من النقاش الاقتصادي العلمي عبر نقله إلى حلبة التخوين والأمن القومي، ويعد تقييم كفاءة السياسات المالية والنقدية، أو حجم الدين الخارجي، أو معدلات التضخم، عبر دراسات الجدوى، وأرقام الموازنة العامة، ومعدلات الفقر، وليس عبر استنطاق البعد الأمني والسياسي لمن يطرح الأرقام.

والخطأ والصواب في السياسات الاقتصادية يُحاكم بالأرقام والنتائج على الأرض، بغض النظر عن هوية من ينشرها أو يحللها.

ولو كانت "الوطن" أو غيرها من المنصات المحلية المنحازة للانقلاب، تتيح بيئة إعلامية وبحثية تتسع للنقاش الحر والمستقل القائم على بيانات دقيقة ومحدثة، لما وجدت المنصات البديلة أو المعارضة مساحة لملء الفراغ التحليلي.

بل تحاول "الوطن" والمنصات المحلية احتكار السردية الاقتصادية وتخوين كل من يناقش الأرقام السلبية يمنع صانع القرار من الاستفادة من النقد الموضوعي، ويؤدي بالضرورة إلى اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الإعلامي والواقع المعيشي المعاش للمواطنين.