منذ الثالث من يوليو، يُدار الاقتصاد المصري وفق قرارات يغلب عليها الطابع الأمني أكثر من كونها تستند إلى رؤية اقتصادية واضحة، وهو ما انعكس في موجات متكررة من رفع أسعار السلع والخدمات، حتى في أوقات تشهد فيها الأسواق العالمية تراجعًا في تكاليف الطاقة والمواد الخام.
ففي فبراير الماضي، سارعت الحكومة إلى رفع الأسعار مع اندلاع الحرب في منطقة الخليج العربي، مبررة ذلك بارتفاع أسعار النفط العالمية واضطراب سلاسل الإمداد. لكن مع انتهاء الحرب وتراجع أسعار النفط، وانخفاض أسعار العملات الأجنبية، وهبوط أسعار العديد من السلع الأساسية عالميًا، كان المتوقع أن تنعكس تلك التطورات إيجابًا على السوق المصرية، إلا أن الواقع جاء على النقيض تمامًا.
ومع بداية العام المالي الجديد 2026-2027، كان المصريون يترقبون انفراجة في الأسعار، فإذا بهم يواجهون موجة جديدة من الغلاء. ففي أول أيام العام المالي، قررت الحكومة زيادة أسعار تذاكر القطارات بنسب تراوحت بين 12.5% و25%، بعدما شهدت الأسواق بالفعل ارتفاعات في أسعار العديد من السلع الأساسية والمنتجات الغذائية، مثل الفول والزيوت والألبان والجبن الأبيض، إلى جانب زيادة أسعار الكهرباء للأنشطة كثيفة الاستهلاك بنحو 20%..
وجاءت هذه الزيادات بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية في أسعار البنزين والسولار والغاز المنزلي، التي أُعلنت عقب اندلاع الحرب على إيران، فضلاً عن زيادات في أسعار الخبز واللحوم والمواصلات العامة ومواد البناء وخدمات الإنترنت والاتصالات وإيجارات المساكن، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة والمواد الخام.
ولم يكن ترقب المصريين لانخفاض الأسعار مجرد أمنيات، بل استند إلى مجموعة من المؤشرات الاقتصادية الموضوعية التي كان يفترض أن تسهم في تخفيف الضغوط التضخمية.
أولاً: تراجع أسعار النفط عالميًا
انخفضت أسعار النفط بصورة ملحوظة، إذ تدور حاليًا حول 70 دولارًا للبرميل، بعدما تجاوزت 126 دولارًا للبرميل في ذروة التوترات. وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا التراجع على فاتورة استيراد المواد البترولية ومشتقات الوقود والغاز الطبيعي المسال، التي تُقدّر الحكومة قيمتها بنحو 30 مليار دولار خلال عام 2026، بما يخفف من الضغوط على الموازنة العامة ويحد من الحاجة إلى زيادات جديدة في الأسعار.
ثانيًا: انخفاض سعر صرف الدولار
كما تراجع سعر صرف الدولار في السوق المحلية من مستوى قياسي بلغ 54.855 جنيه خلال مارس 2026 إلى نحو 49 جنيهًا حاليًا، وهو ما كان يُفترض أن ينعكس على انخفاض تكلفة الواردات والإنتاج، خاصة أن مصر تعتمد على الاستيراد لتوفير نحو 70% من احتياجاتها من السلع، بما في ذلك الغذاء والوقود والمواد الخام.
ثالثًا: هبوط أسعار السلع الأساسية عالميًا
وعلى الصعيد الدولي، بدأت العديد من الدول بالفعل في خفض أسعار البنزين والسولار والغاز نتيجة تراجع أسعار النفط، كما انخفضت أسعار عدد كبير من السلع الأساسية، مثل الذرة وفول الصويا والسكر والقطن، إضافة إلى النحاس والألومنيوم، والمعادن النفيسة والمنتجات الحيوانية، مدفوعة بانخفاض حدة التوترات الجيوسياسية وتغير اتجاهات السياسات النقدية العالمية.
كما سجل مؤشر "بلومبيرغ للسلع" تراجعًا بنحو 5% خلال شهر يونيو، بينما شهدت العملات الرقمية أيضًا انخفاضات ملحوظة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، جاءت قرارات رفع الأسعار في مصر، وفي مقدمتها زيادة أسعار تذاكر القطارات، لتزيد من حالة الإحباط لدى المواطنين، خاصة مع استمرار الحديث عن زيادات جديدة في إطار الالتزامات المرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي، عقب صرف شريحة جديدة من القرض بقيمة 1.6 مليار دولار.
وتبقى التساؤلات مطروحة: لماذا لا تنعكس المتغيرات الإيجابية في الأسواق العالمية على الأسعار داخل مصر؟ ولماذا تستمر موجات الغلاء رغم انخفاض أسعار النفط والدولار والعديد من السلع الأساسية عالميًا؟
ويرى منتقدو السياسات الاقتصادية أن استمرار الضغوط المعيشية يعود إلى مزيج من العوامل، تشمل ضعف الإدارة الاقتصادية، واتساع نفوذ الاحتكارات، وضعف الرقابة على الأسواق، إلى جانب التزامات الحكومة تجاه برامج الإصلاح الاقتصادي المرتبطة بصندوق النقد الدولي، التي يرون أنها تقود إلى مزيد من رفع الأسعار، وتقليص الدعم، وتراجع القوة الشرائية للمواطن، واستمرار الضغوط التضخمية على الاقتصاد المصري.