“عظيمة” يا أرض ترسية المناقصات.. 28 مليون جنيه فارق توريدات كشافات بعهدة اللواء محافظ أسيوط

- ‎فيتقارير

شهد ديوان عام محافظة أسيوط ترسية مناقصة عامة لتوريد كشافات إضاءة "ليد" (LED) ومستلزماتها على إحدى الشركات بتكلفة إجمالية بلغت 66 مليون جنيه، بمعرفة اللواء المحافظ محمد سيد حسن علوان. وجاءت الصدمة عند مقارنة هذا العرض بالعروض الأخرى المقدمة من شركات منافسة (بعضها شركات حكومية أو كبرى الشركات المتخصصة)، حيث تبين وجود فارق سعري يصل إلى 28 مليون جنيه بين العرض الفائز وأقل العروض الأخرى سعراً.

ويبدو أن العطاء بحسب الصحف المحلية تجاهل الأقل سعراً والقاعدة العامة في قانون التعاقدات الحكومية أن تكون الترسية على العرض "الأفضل فنياً والأقل سعراً"، وهو ما لم يتحقق هنا بوجود فارق ضخم يمثل إهداراً للمال العام.

وتُثار تساؤلات حول كراسة الشروط وما إذا كانت قد وضعت بنوداً فنية محددة بدقة لتناسب شركة بعينها (ما يُعرف في العرف الإداري بتفصيل المناقصة)، مما أدى لاستبعاد شركات أخرى أو جعل عروضها تبدو غير مطابقة فنياً رغم جودتها وقلة سعرها.

وغالباً ما يتم التذرع بأن الشركة الفائزة قدمت "مواصفات فنية أعلى"، لكن الفارق السعري (حوالي 42% من قيمة المناقصة) يعد غير منطقي في سوق كشافات الإنارة التي تخضع لمواصفات قياسية موحدة تقريباً.

وبصفته السلطة المختصة، تقع على عاتق المحافظ المسئولية السياسية والإدارية عن اعتماد محاضر لجنة البت (الفنية والمالية)، فقبول فارق سعري بهذا الحجم يتطلب مبررات فنية "قاطعة" لا يمكن دحضها، وإلا اعتُبر ذلك تقصيراً في حماية أموال المحافظة.

وعادة ما تتحرك أجهزة مثل "الرقابة الإدارية" و"ديوان المحاسبات" في مثل هذه الحالات لمراجعة إجراءات الطرح، والتأكد من عدم وجود صلات قرابة أو مصالح بين أعضاء لجنة الترسية والشركة الفائزة، بالإضافة إلى فحص عينات الكشافات الموردة للتأكد من مطابقتها للمواصفات المزعومة.

 

زميل السيسي في الاسكندرية
واللواء حاتم زين العابدين ضابط سابق وزميل لعبد الفتاح السيسي في الجيش، وتولى عدة مناصب محلية والتعيين الأخير في أكتوبر 2025 تم تدويره من وزارة الحكم المحلي ليصبح رئيس حي شرق الإسكندرية.

وبعد أقل من 24 ساعة من توليه المنصب، ألقت هيئة الرقابة الإدارية القبض عليه متلبسًا في قضية رشوة مالية، بعد أن كان محكومًا عليه غيابيًا بالسجن المؤبد في قضية فساد سابقة.

ورغم صدور حكم غيابي ضده في أبريل 2025، تم تعيينه مجددًا في منصب محلي، ما أثار تساؤلات حول آليات اختيار القيادات في المحليات.

عسكرة المحليات

وبلغ عدد اللواءات في حركة المحافظين الأخيرة؛ 14 لواءً، من أصل 27 محافظ، ومع هيمنة القيادات العسكرية على مواقع المحافظين ورؤساء الأجهزة التنفيذية، في مقابل تراجع واضح لدور المحافظين المدنيين ضمن توجّه عام نحو عسكرة الإدارة المحلية، وإدارة المحافظات بعقلية أمنية.

وبعد استقبال المحافظين الجدد (أغلبهم ضباط متقاعدين) قال السيسي "إن ".. الوضوح والشفافية في إدارة الملفات داخل المحافظات، مع ضرورة التواصل الدائم مع الحكومة ونواب مجلسي النواب والشيوخ، إضافة إلى التواصل معه شخصيًا عند الحاجة"!

وزعم أنه دعا المحافظين للاهتمام بملفات تقنين المخالفات، ومتابعة مشروعات الصرف الصحي ومياه الشرب والكهرباء والمدارس، مع التأكيد على انتظام العملية التعليمية ونشر ثقافة الرياضة.

وتشير دراسات صادرة عن مركز "كارنيجي للشرق الأوسط" ومعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط  إلى أن التعيينات في المحافظات المصرية خلال العقد الأخير اتجهت بوضوح نحو تعزيز حضور القيادات العسكرية على حساب الكوادر المدنية. وتوضح هذه الدراسات أن هذا التحول لا يقتصر على منصب المحافظ وحده، بل يمتد إلى نواب المحافظين ورؤساء المدن والأحياء، ما يعكس نمطًا متصاعدًا من “العسكرة الإدارية”.

وتُظهر مراجعة التشكيلات الأخيرة للمحافظين، وفق تحليل معهد التحرير وتقارير “مبادرة الإصلاح العربي”، أن التعيينات تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية:

محافظون من خلفية عسكرية (جيش أو شرطة)، ومحافظون مدنيون من خلفيات أكاديمية أو إدارية، وفئة ثالثة من مهندسين وخبراء مرافق. وتشير هذه الدراسات إلى أن الفئة العسكرية أصبحت الأكثر حضورًا، بينما تراجع تمثيل المدنيين مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 2011.

وتقدّر دراسة كارنيجي أن نسبة المحافظين ذوي الخلفية العسكرية ارتفعت من نحو 40% قبل 2011 إلى ما بين 70% و80% في بعض التشكيلات بعد 2013. وتؤكد تقارير “معهد التحرير” أن هذا الاتجاه مستمر، وأن التعديلات الأخيرة عززت حضور الضباط المتقاعدين في مواقع الإدارة المحلية، مقابل انحسار واضح للكوادر المدنية.

وتُبرز دراسات مركز الأهرام للدراسات السياسية ومعهد التحرير عدة مظاهر لهذا التحول، من بينها:
تغليب المنطق الأمني والانضباطي في اتخاذ القرارات على حساب المشاركة المجتمعية.
توسع الجهات العسكرية في تنفيذ مشروعات البنية التحتية، ما يقلل من دور الأجهزة المدنية.
تعيين ضباط سابقين في مواقع تنفيذية مثل رؤساء المدن والأحياء.
غياب المجالس المحلية المنتخبة منذ 2008، ما جعل السلطة التنفيذية ذات طابع مركزي وأمني.
تراجع دور الخبرات المدنية في التخطيط والتنمية لصالح نمط إداري قائم على “الأوامر والتنفيذ”.

وتؤكد تقارير “مبادرة الإصلاح العربي” و“كارنيجي” أن توسع الدور العسكري في الإدارة المحلية ضمن “العسكرة الشاملة” ليست مجرد توصيف سياسي، بل واقع إداري يتشكل تدريجيًا عبر التعيينات والاختصاصات وطبيعة إدارة المحافظات.

وتظهر في قائمة “المحافظين المستمرين” أن 3 من 4 يحملون رتبة “لواء”، مقابل محافظ واحد فقط يحمل لقبًا أكاديميًا “دكتور”. استمرار هذا التوازن في مواقع سيادية مثل القاهرة والدقهلية والمنيا وشمال سيناء يوحي بأن معيار “الخبرة النظامية” لا يزال مفضلًا عند تثبيت المناصب، حتى حين يُقال إن الهدف هو “تنمية محلية” وخدمات يومية تحتاج أدوات إدارة مدنية تفصيلية.

وتضم قائمة “المحافظين الراحلين” خليطًا من ألقاب؛ “مهندس” و“لواء” و“فريق” و“دكتور”. لكنها تكشف أيضًا أن الحركة تدور داخل الدائرة نفسها أكثر مما تفتحها. وجود عدد كبير من المحافظين الراحلين من أصحاب الرتب العسكرية لا يعني تراجع العسكرة، لأن جزءًا معتبرًا من الحركة قائم على النقل أو الإحلال بقيادات من النوع نفسه، بما يضمن استمرار النمط لا تغييره.