أثارت قرارات عدد من البنوك برفع أسعار الفائدة على الشهادات الادخارية انتقادات بين خبراء الاقتصاد خاصة أن هذه القرارات تستبق اجتماع لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزى المقرر يوم 21 مايو المقبل للنظر فى أسعار الفائدة .
وقال الخبراء إن هذه القرارات تستهدف امتصاص السيولة ومنح صانع السياسة النقدية هامشًا زمنيًا إضافيًا قبل اتخاذ قرارات أكثر كلفة، خصوصًا فى ظل مشهد إقليمى وجيوسياسى غير مستقر وحالة عدم يقين عالمية ممتدة .
وأكدوا أن الدافع الأعمق لرفع العائد هو تفادى ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام، موضحين أن مستوى الفائدة الحالى عند 19% يعنى أن أى تشديد إضافى سينعكس سريعًا على أعباء الموازنة ومع وصول الدين العام إلى ما بين 76% و78% من الناتج المحلى، تصبح أى زيادة فى العوائد عبئًا إضافيًا على العجز المستهدف عند 5.2% .
وحذر الخبراء من أن امتصاص السيولة عبر البنوك يرفع تكلفة الأموال داخل الجهاز المصرفى ، وهو ما قد يظهر لاحقًا فى صورة قروض أكثر تكلفة بما ينعكس سلبًا على الاستثمار والإنتاج.
كان البنك الأهلى المصرى، قد أعلن أن لجنة الأصول والخصوم (الألكو) قررت تعديل العائد على الشهادات البلاتينية الثلاثية ذات العائد الشهرى ليصبح 17.25% بدلًا من 16%، فيما قرر بنك مصر، تعديل العائد السنوى على شهادة “القمة” الثلاثية ذات العائد الثابت ليصبح 17.25% بدورية صرف شهرية بدلًا من 16%.
وطرح بنك ميدبنك، شهادة ادخارية بعائد سنوى 17.25% يُصرف شهريًا، لمدة 3 سنوات، مع بدء احتساب العائد من يوم العمل التالى للشراء.
تكلفة خدمة الدين
من جانبه قال الخبير المصرفى هانى أبو الفتوح إننا لا نقف هنا أمام منافسة تقليدية بين شهادات الادخار ولا أمام تحركات عادية فى عوائد البنوك، بل أمام صياغة مالية أكثر تعقيدًا، هدفها الجوهرى حماية الاقتصاد الكلى من صدمات السياسة النقدية فى لحظة بالغة الحساسية.
وأوضح أبو الفتوح فى تصريحات صحفية أن البنك الأهلى المصرى وبنك مصر لا يتحركان فقط من منطق الربحية، فهما بنكان حكوميان لهما دور أوسع يرتبط بامتصاص السيولة ومنح صانع السياسة النقدية هامشًا زمنيًا إضافيًا قبل اتخاذ قرارات أكثر كلفة، خصوصًا فى ظل مشهد إقليمى وجيوسياسى غير مستقر وحالة عدم يقين عالمية ممتدة.
وأشار إلى أن الدافع الأعمق لهذه المعادلة يرتبط بتفادى ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام، فمستوى الفائدة الحالى عند 19% يعنى أن أى تشديد إضافى سينعكس سريعًا على أعباء الموازنة. ومع وصول الدين العام إلى ما بين 76% و78% من الناتج المحلى، تصبح أى زيادة فى العوائد عبئًا إضافيًا على العجز المستهدف عند 5.2%. ومن هنا تأتى أهمية إدارة الأدوات الادخارية كحل مؤقت لتخفيف الضغط دون التأثير المباشر على سوق الدين الحكومى.
وأضاف أبو الفتوح أن النقطة الجوهرية التى لا يمكن إغفالها هى أن التكلفة لم تُلغَ، لكنها تغيّر موقعها داخل المنظومة المالية، موضحا أن البنوك الحكومية التى تمتلك قاعدة رأسمالية متينة وخبرة فى امتصاص الصدمات تتحول فعليًا إلى خط دفاع أول، إلا أن ما يتم امتصاصه فى الأعلى يعود لاحقًا إلى الاقتصاد فى صورة تكلفة تمويل أعلى تدريجيًا.
تناقض داخلي
وأوضح أن رفع العوائد على الشهادات يسحب السيولة من السوق سواء من الاستهلاك أو من الدولرة، وهو ما يمنح قدرًا من الاستقرار النسبى لسعر الصرف والتضخم، كما يتيح للبنك المركزى مساحة انتظار دون اللجوء إلى رفع رسمى لأسعار الفائدة، بما يحمى الموازنة من أعباء إضافية قد تُقدّر بمليارات الجنيهات سنويًا.
وأشار أبو الفتوح إلى أن هذه السياسة تسهم فى تهدئة حركة رءوس الأموال الساخنة، إذ يظل المستثمر الأجنبى يراقب قدرة دولة العسكر على إدارة السيولة دون اهتزازات حادة. وبدلًا من الدخول فى تشديد نقدى طويل، يتم الاعتماد على أدوات ادخارية مؤقتة لحين تحسن الظروف الخارجية وهدوء الضغوط الجيوسياسية.
وشدد على أن هذا الاستقرار الظاهرى يخفى تناقضًا داخليًا، فامتصاص السيولة عبر البنوك يرفع تكلفة الأموال داخل الجهاز المصرفى نفسه، وهو ما قد يظهر لاحقًا فى صورة قروض أكثر تكلفة أو أقل توافرًا، بما ينعكس سلبًا على الاستثمار والإنتاج.
وقال أبو الفتوح إننا أمام إدارة للوقت بقدر ما هى إدارة للاقتصاد، حيث لا تُلغى التكلفة بل يعاد توزيعها بين أطراف النظام المالى وتؤجل لحين لاحق، مع بقاء التساؤل مفتوحًا حول مدى قدرة هذا النهج على الاستمرار قبل أن ينتقل العبء بالكامل إلى الاقتصاد الحقيقى.
أولويات المستثمرين
فى المقابل اعتبر الخبير المصرفى، محمد عبد العال، قرار البنك الأهلى المصرى وبنك مصر برفع العائد على الشهادات الثلاثية إلى 17.25% يعكس تفاعلًا مرنًا من الجهاز المصرفى مع التطورات الاقتصادية الحالية، فى إطار يجمع بين تلبية احتياجات العملاء ومواكبة المتغيرات النقدية.
وقال عبد العال فى تصريحات صحفية إن القرار يأتى فى توقيت تتسم فيه السياسة النقدية بالحذر، حيث تواصل لجنة السياسة النقدية تقييم المشهد الاقتصادى دون حسم اتجاه واضح، وهو ما يعزز من دور البنوك فى استخدام أدواتها السوقية لإدارة السيولة.
وأكد أن هذا التحرك لا يتعارض مع التوجه العام، بل يكمله ويضيف إليه أبعادًا نقدية واقتصادية أعمق، خاصة فى ظل ما وصفه بـ”التعليق التكتيكي” للسياسة النقدية من جانب اللجنة.
وأضاف عبد العال أن القرار يجمع بين البعد الاجتماعى والبعد النقدى، إذ يخدم شريحة واسعة من المدخرين فى ظل الضغوط التضخمية، من خلال توفير أداة لحماية القوة الشرائية. وفى الوقت نفسه، يعكس قراءة استباقية لاحتمالات استمرار التضخم، ويعمل كأداة لامتصاص السيولة دون انتظار قرار رسمى من البنك المركزى.
وفيما يتعلق بتوقيت القرار، أوضح أن هناك عدة عوامل مؤثرة، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم مؤخرًا، وتوقع استمرار الضغوط نتيجة أسعار الطاقة وسعر الصرف، إلى جانب الارتفاع النسبى فى عوائد أدوات الدين العام، وهو ما يهيئ بيئة مناسبة لإعادة تسعير بعض الأوعية الادخارية، بما يحقق إدارة متوازنة للسيولة دون الإخلال بالاستقرار المالى.
وأشار عبد العال إلى أن هذه الخطوة لا تتعارض مع سياسة التيسير النقدى، موضحًا أن ما يشهده السوق حاليًا هو تيسير نقدى مُقيد أو انتقائى، يتمثل فى تعليق خفض الفائدة رسميًا، مع الاعتماد على أدوات سوقية لضبط السيولة والتوقعات التضخمية، مع إمكانية عقد لجنة السياسة النقدية اجتماعًا استثنائيًا فى أى وقت وفقًا لتطورات الأوضاع.
ولفت إلى أن القرار قد يدفع البنوك الأخرى إلى اتخاذ تحركات مماثلة، بما يشمل إعادة تسعير تدريجية للأوعية الادخارية، وارتفاعًا محسوبًا فى تكلفة الأموال، مع استمرار قدرة البنوك على التوازن، مدعومة بارتفاع عوائد أدوات الدين الحكومى وزيادة الطلب على التمويل فى ظل مستويات الإقراض الحالية.
وأكد عبد العال أن رفع العائد على الشهادات يعيد ترتيب أولويات المستثمرين، حيث تصبح الودائع البنكية أكثر جاذبية، مع احتمالات تراجع نسبى فى الطلب الاستثمارى على العقار، وإعادة توازن فى سوق الذهب، وضغوط على صناديق الاستثمار قصيرة الأجل.