تجاهل التجاوزات في تداول المواد الإشعاعية.. لماذا يريد برلمان العسكر من التصالح في الجرائم المرتبطة بالتلوث النووي والإشعاعي؟

- ‎فيتقارير

 وافق مجلس نواب نظام المنقلب  السيسي يوم 29 مارس 2026، على مشروع قانون مقدم من الحكومة لتعديل بعض أحكام قانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية رقم 7 لسنة 2010 ، مع تأجيل أخذ الرأي النهائي إلى جلسة لاحقة، من المحتمل أن تكون يوم الثلاثاء 21 أبريل 2026.

وكان المشروع قد واجه اعتراضات من بعض النواب أثناء جلسات النقاش حيث طالبوا بحذف مادة تتيح التصالح في تلك الجرائم، فيما اعتبر نواب مؤيدون أن مشروع القانون يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الرقابة الفعالة على نشاط المواد المشعة والبعد الاستثماري، وتعود أهمية المواد التي تطرق إليها مشروع القانون إلى ارتباط ذلك النوع من التلوث في أنشطة التعدين والصناعة بمخاطر بيئية وصحية.

وفي سبتمبر 2025، وافق مجلس الوزراء على مشروع القانون الذي أحاله إلى مجلس النواب، باعتباره يعزز "من دور هيئة الرقابة النووية والإشعاعية التنظيمي والرقابي لمختلف المنشآت والأنشطة النووية والإشعاعية" للاستفادة من الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية في مختلف المجالات على نحو يضمن أمان وسلامة الإنسان والبيئة والممتلكات من أخطار التعرض للإشعاعات المؤينة "إشعاعات تملك طاقة ضخمة"، وضم مشروع القانون 10 تعديلات، أهمها المتعلق بتنظيم وترخيص حيازة المعدات والمواد المتعلقة بالمنشآت النووية، بالإضافة إلى التعديلات التي تسمح بالجرائم المنصوص عليها في المواد: 105 و106 و107 و108 من القانون رقم 7 لسنة 2010 .

المادة 105 تنص بالمعاقبة بالسجن المشدد وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تجاوز خمسة ملايين جنيه كل من قام بالعبور الجوي أو البحري أو البري، بالمخالفة لأحكام المادة 57 من القانون نفسه، مع إلزام المخالف بدفع تكاليف إزالة آثار المخالفة والتعويضات المناسبة.

أما المادة 57 فهي المُنظمة في القانون للسماح بالعبور للمواد والنفايات المشعة، وتكمن أهميتها في وضعها إطارًا صارمًا لتنظيم عمل هذا النشاط بوضعها رقابة صارمة من هيئة الرقابة النووية والإشعاعية، نظرًا لما تمثله هذه المواد من خطر مباشر على البيئة والصحة العامة والأمن القومي.

وبقية المواد 106 و107 و108 تفرض أيضًا عقوبات بالسجن وغرامات مالية لجرائم مثل حيازة وتداول مواد نووية وإشعاعية دون ترخيص، أو استيراد أو جلب أو تصدير مواد غذائية للاستعمال الآدمي أو غير الآدمي، يتجاوز مستواها الإشعاعي الحد المسموح به.

وما غيّره التعديل الجديد، هو أنه أصبح من المتاح لرئيس هيئة الرقابة النووية والإشعاعية قبول التصالح مع المخالف، بشرط إزالة أسباب المخالفة على نفقته.

ويجوز التصالح في أي مرحلة من مراحل الدعوى، بعد سداد المخالف الحد الأدنى للغرامة قبل الإحالة "إلى المحاكمة"، ومثليها بعد الإحالة، وقد يصل المقابل إلى الحد الأقصى للغرامة أو ضعفه بعد صدور حكم بات، مع انقضاء الدعوى الجنائية في جميع الأحوال بالتصالح.

في حال صدور موافقة مجلس النواب النهائية على مشروع القانون، سيُحال إلى رئيس الجمهورية، ويُعمل بالقانون حال تصديق الرئيس عليه.

"هذا هو المطلوب بالضبط"، هكذا رد أحد أعضاء لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، إحدى اللجان التي ناقشت مشروع القانون، واعتبر عضو مجلس النواب، الذي نتحفظ على ذِكر اسمه، أن القانون الصادر في عام 2010، كان بحاجة إلى تحديث، خاصةً فيما يتعلق بإحكام الرقابة ومنع التجاوزات في تداول المواد الإشعاعية.

وبسؤال عضو "الطاقة والبيئة" عن بعض تفاصيل المناقشات التي جرت حول مشروع القانون، أوضح أنه لا يملك التفاصيل كافة، وأن المطلع عليها رئيس اللجنة طارق الملا، وزير البترول الأسبق.

ورفض "المجلس" اقتراحات النائبين أحمد بلال البرلسي، ومحمد فريد، بحذف المادة المتعلقة بالتصالح، معتبرا أن التعديل "حوّل الجرائم إلى مجرد مخالفات يجوز التصالح عليها، كما حوّل الهيئة من جهة رقابية تتطلب طبيعة عملها الردع ومنع التكرار، إلى جهة يُسمح لها بالتصالح في جرائم نووية حتى في حال صدور حكم قضائي بات، مضيفًا، نتعامل مع جرائم نووية وكأنها نزاع عادي يمكن حله بشكل ودي.

 

الخطر ليس بعيدًا

امتداد التعديلات إلى التصالح في الجرائم المرتبطة بالتلوث الإشعاعي أيضًا، يثير مخاوف تتعلق بتخفيف العقوبات في جرائم أكثر شيوعًا وارتباطًا بأنشطة اقتصادية مختلفة، مثل التعدين والاستخراج والصناعة والتجارة.

وتشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن بعض الخامات والمعادن المتداولة تجاريًا قد تحتوي على مستويات إشعاعية أعلى من الطبيعي، ما قد يسبب أضرارًا صحية عند التعرض لها لفترات طويلة أو بكميات كبيرة، وقد وثقت الوكالة العديد من الحالات والحوادث في بلدان مختلفة.

وتشهد مصر كغيرها من الدول أنشطة في مجالات الاستكشاف والاستخراج والتصنيع والتجارة المرتبطة بهذه الخامات، ومن أبرز هذه المعادن: الزركون، والمونازيت، والإلمينيت، والزينوتيم، إضافة إلى الرمال المعدنية الثقيلة، حيث قد تحتوي على نسب مرتفعة نسبيًا من عناصر مثل اليورانيوم والثوريوم والراديوم.

كما تُعد صخور الفوسفات ومنتجاتها ومخلفاتها هي من المواد المعروفة بارتباطها بالنشاط الإشعاعي الطبيعي، وهو ما يجعل صناعات الفوسفات والتيتانيوم ضمن القطاعات التي تخضع لرقابة خاصة في العديد من الدول.

وتوجد في مختلف الموانئ بوابات رصد إشعاعي قادرة على اكتشاف هذه المواد أثناء مرورها، حيث تُطلق إنذارات عند تسجيل مستويات مرتفعة، وهو ما يحدث أحيانًا مع منتجات مثل السيراميك والبورسلان والبلاط والفخار والمواد الحرارية والكاشطة، وكذلك ألواح الجرانيت والحجر الطبيعي وبعض مواد البناء.

وتؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن هذه المواد تندرج ضمن ما يُعرف بالمواد الطبيعية المشعة، والتي تتطلب نظمًا رقابية دقيقة لضمان التعامل الآمن معها وحماية الصحة العامة والبيئة.

توضح بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن احتمال مرور شحنات تحتوي على مستويات إشعاعية مرتفعة ليس مستبعدًا، في ظل تنوع الواردات التي تشمل مواد وخامات قد تُرصد إشعاعيًا، وهو ما يعني أن خطر دخول شحنات معادن أو منتجات ذات نشاط إشعاعي أعلى من الطبيعي يظل احتمالًا قائمًا.

وتُظهر البيانات أن مصر استوردت خلال عام 2025 كميات من مواد مرتبطة بعناصر مثل اليورانيوم والثوريوم—التي تشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أنها قد تُظهر مستويات إشعاعية أعلى من الطبيعي—بإجمالي يقدر بنحو 205 أطنان، بقيمة تقارب 15.9 مليار جنيه، أي ما يعادل نحو 319 مليون دولار.

يُستخدم اليورانيوم بشكل أساسي كوقود في المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء، كما تدخل مركباته في بعض الاستخدامات العسكرية والصناعية والطبية، بينما يُستخدم الثوريوم في الصناعات الحرارية.

وعَلّق النائب أحمد بلال معترضًا على التعديل بقوله: "يعني الشركة التي ترتكب جريمة قد تدفع غرامة، وتعبر سفينة تحمل نفايات مشعة، ثم عند ضبطها تكتفي بالسداد فقط، مضيفا لا يمكن أن أوافق على مادة قد تهدد حياة المواطن المصري".

 

أضرار إشعاعية محتملة

يمتد الخطر المحتمل إلى الأنشطة الاستخراجية والتشغيلية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تُعد شركة فوسفات مصر من أبرز منتجي الفوسفات، بطاقة إنتاجية تقترب من 5 ملايين طن سنويًا في عدة مناطق، بالتوازي مع توجه الدولة في السنوات الأخيرة لتعظيم القيمة المضافة من خلال إنتاج الأسمدة الفوسفاتية وحمض الفوسفوريك.

تُصنّف الوكالة الدولية للطاقة الذرية صناعة الفوسفات ضمن أنشطة NORM/TENORM، أي المواد الطبيعية المشعة أو التي قد ترتفع فيها مستويات النشاط الإشعاعي نتيجة المعالجة الصناعية، وهو ما يستدعي رقابة وتنظيمًا إشعاعيًا لحماية العمال والبيئة، وبالمثل، يُعد الزركون ومركباته من الخامات المسببة لذلك الخطر.

ويظهر الزركون ضمن المعادن المتداولة في التجارة الخارجية لمصر؛ إذ صدّرت مصر خلال عام 2025 نحو 6.8 طن بقيمة تقارب نصف مليار جنيه " نحو 10.2 مليون دولار"، بينما بلغت الواردات نحو 34 طنًا فقط، بقيمة تقارب 3.4 مليار جنيه و نحو 68 مليون دولار.

وتوضح الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن هذه الأنشطة لا تمثل بالضرورة كارثة أو خطرًا نوويًا مباشرًا، إذ يعتمد مستوى المخاطر على عدة عوامل، منها تركيز النشاط الإشعاعي في الخام، وطبيعة التشغيل، وكفاءة التهوية، والسيطرة على الغبار، وإدارة المخلفات، إضافة إلى نظم الرصد الجرعي للعاملين، ما يستلزم تقييمًا مستمرًا ورقابة تنظيمية فعالة.

ولا يقتصر الخطر الصحي والبيئي على النفايات النووية الخاضعة لقيود دولية صارمة، بل يمتد أيضًا إلى التلوث الإشعاعي المرتبط ببعض أنواع النفايات، مثل النفايات الإلكترونية والخردة المعدنية، ففي حالة الخردة المعدنية، يبرز خطر ما يُعرف بـ"المصادر المشعة اليتيمة"، وهي مواد إشعاعية فقدت الرقابة التنظيمية ودخلت سلاسل إعادة التدوير دون اكتشاف، ما قد يُعرّض العمال والبيئة لمخاطر صحية جسيمة، خاصة إذا وصلت إلى أفران الصهر وتسببت في تلوث واسع النطاق.

أما النفايات الإلكترونية، فيرتبط خطرها الأساسي بالمواد السامة والمعادن الثقيلة، مع احتمال وجود مكونات تحتوي على مصادر إشعاعية في بعض الحالات، خصوصًا عند تفكيك معدات صناعية أو طبية قديمة.

وتزداد الخطورة لأن بعض هذه المصادر تكون صغيرة الحجم وسهلة الإخفاء، لكنها عالية التأثير، كما قد تحمل بعض الخردة نشاطًا إشعاعيًا طبيعيًا مرتفعًا نتيجة عمليات صناعية سابقة.

وكان قانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية رقم 7 لسنة 2010 قد وضع إطارًا صارمًا للتعامل مع النفايات المشعة، يقوم على منع أي تداول أو نقل أو عبور دون رقابة مسبقة من هيئة الرقابة النووية والإشعاعية، مع تجريم المخالفات بعقوبات تصل إلى السجن المشدد وغرامات كبيرة، خاصة في الحالات المرتبطة بعبور أو نقل النفايات المشعة، قبل إتاحة التصالح في التعديل المقترح الأخير.

ومن جانبه استنكر النائب محمد فريد طلب التصالح في مثل هذه الجرائم، مشيرًا إلى أن "القيم المالية للتصالح تبدو منخفضة مقارنة بحجم المخاطر، مُضيفًا أن "التصالح المالي لا يمحو آثار هذه الجرائم، التي تمثل في جوهرها اعتداءً بيئيًا ومساسًا بالسيادة".