بعد الضرائب والتضخم لجمع الأموال .. إحياء “سداد ديون مصر” للجباية بعد تخطي الديون 20 تريليون جنيه

- ‎فيتقارير

 

بعد وصول الدين العام المصري إلى مستويات تُقدَّر بنحو 20 تريليون جنيه، عاد الحديث مجددًا في بعض المنصات الإعلامية والبرلمانية حول مبادرات تُطرح تحت عنوان «سداد ديون مصر». وجاء ذلك بعد الجدل الذي أثاره "النائب" محمد سمير بلتاجي عندما تحدث عن خطة تعتمد على مساهمات من المواطنين القادرين، قبل أن يوضح لاحقًا أن ما طرحه كان مجرد تصور غير مُلزِم. وتشير تقديرات برلمانية إلى أن الدين الداخلي يقترب من 12 تريليون جنيه، بينما يبلغ الدين الخارجي نحو 165 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة 8 تريليونات جنيه، ليصل الإجمالي إلى نحو 20 تريليون جنيه.

وأعادت هذه الأرقام فتح النقاش حول جدوى المبادرات الشعبية في التعامل مع ملف بهذا الحجم، خصوصًا مع طرح أفكار تدعو إلى فتح حسابات للتبرع من قبل المواطنين القادرين للمساهمة في تخفيف عبء الدين. وفي هذا السياق، دعا الذراع الإعلامية مصطفى بكري وعدد من زملائه "نواب" السيسي إلى دعم فكرة إنشاء حساب مخصص للتبرعات، باعتبارها مبادرة مجتمعية يمكن أن تساعد –وفق ما يراه مؤيدوها– في تعزيز موارد الدولة.

على مستوى خدمة الدين الخارجي، تشير تقارير المراجعة الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري الصادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أن مصر ملتزمة بسداد نحو 12 مليار دولار لخدمة الدين الخارجي (أقساط وفوائد) خلال العام المالي 2025/2026، مع اعتبار هذا العام «ذروة السداد» لالتزامات الصندوق نفسه، حيث يُنتظر سداد حوالي 3.61 مليار دولار له وحده. التقرير يؤكد أن قدرة مصر على السداد ما زالت «كافية»، مدعومة بتحسن الموقف الخارجي وزيادة التدفقات النقدية الأجنبية.

التقارير نفسها تشير إلى أن الدين العام المصري يسير في مسار نزولي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، حيث تراجعت النسبة من نحو 96% في يونيو 2023 إلى حوالي 84% في يونيو 2025، مع استهداف النزول إلى أقل من 80% بحلول يونيو 2027، مستندة إلى استراتيجية تشمل تعزيز الاحتياطيات الدولية، وتوجيه جزء من حصيلة صفقات الأصول والاستثمارات لسداد الديون قصيرة الأجل، وربط جزء من برنامج الخصخصة بخفض المديونية.

التضخم جزء من سداد الديون

ورغم أن عوائد التضخم تذهب بنسبة كبيرة لصالح الجيش والسلطة المتنفذة، إلا أن التضخم اعتبره الأكاديمي د.مخلص الناظر @Dr MokhlesNazer جزءًا من سداد مديونيات الحكومات تفلس بتُفريغ ديونها بهدوء عبر التضخم.

وقال إنه على مدار 300 عام… النمط يتكرر بشكل يكاد يكون ميكانيكيًا. وأثبت ذلك دراسة حديثة صادرة عن Centre for Economic Policy Research حلّلت أداء أسواق السندات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة خلال الحروب والأوبئة الكبرى.

وأشار إلى أن النتيجة برأيه أنه عندما تواجه الحكومات صدمات إنفاق ضخمة (حروب، أزمات، أوبئة) فلا يمكنها رفع الضرائب بسرعة كافية ولا يمكنها التوقف عن الإنفاق فتختار “الحل الصامت”: التضخم، وذلك لأنه ببساطة: يتم سداد الدين بالكامل… لكن بقيمة شرائية أقل بكثير. والنتيجة أنت كحامل سندات لا تخسر اسميًا… لكنك تخسر فعليًا.

وأشار إلى أنه خلال أول 4 سنوات من الأزمات الكبرى خسر حاملو السندات حوالي 14% من قيمتهم الحقيقية وتفوقت الأسهم والعقارات على السندات بأكثر من 20%

متوسط التضخم التراكمي بلغ حوالي 20% 

وعن نموذج شبيه بما يحدث في مصر أشار إلى أن الإنفاق العسكري عندما يرتفع ونسب الدين إلى الناتج في مستويات تاريخية والبنوك المركزية بدأت تلمّح إلى “مرونة” تجاه التضخم فإن الفرص الحقيقية تكون عبر عوائد لم نشهدها منذ سنوات… وتشوهات تسعيرية جذابة.. لكن كل نقاش مع العملاء يبدأ من نقطة واحدة: التضخم أولًا… ثم العائد.

وأشاار إلى أن أمان السندات الحكومية ليس حقيقة مطلقة بل افتراض يعمل فقط في أوقات السلم ومع هشاشة الوضع العالمي اليوم… قد يكون هذا الافتراض قيد الاختبار.
 

https://x.com/Dr MokhlesNazer/status/2036805070457884919

وعبر حساب حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats وحساب @MahmoudNYC يقدّم د. محمود وهبة، الأكاديمي المصري المقيم في الولايات المتحدة، قراءة نقدية حادة للوضع المالي المصري، معتبرًا أن أرقام الموازنة الجديدة تكشف –من وجهة نظره– عن اختلالات عميقة تستدعي القلق. ويشير إلى أن مشروع موازنة 2026–2027 يخصص نحو 5.1 تريليون جنيه للمصروفات مقابل 4 تريليونات جنيه فقط من الإيرادات، وهي إيرادات يقول إنها تُستهلك بالكامل في خدمة الدين دون أن يتبقى منها جنيه واحد لبقية بنود الإنفاق العام. ويصف هذا الوضع بأنه “موازنة البند الواحد”، حيث تذهب الإيرادات كلها للفوائد دون سداد أصل الدين، ما يخلق فجوة تمويلية تبلغ 1.1 تريليون جنيه لا تجد الحكومة أمامها سوى الاقتراض لسدّها.

الضرائب بعد التضخم لجمع الأموال

ويرى وهبة أن اعتماد الدولة على الضرائب –التي تمثل وفق تقديراته نحو 93% من الإيرادات– يعني أن الضغط الضريبي سيتزايد في ظل صعوبة الاقتراض الخارجي، وهو ما يفسّره بالحديث المتكرر عن “رفع كفاءة التحصيل” و“ترشيد الإنفاق”. ويعتبر أن هذه اللغة تخفي توجهًا لزيادة الجباية من المواطنين، خاصة مع استهداف الحكومة رفع الإيرادات بنسبة 27.6% في عام واحد.

وفي سياق آخر، يحذّر وهبة مما يسميه “إخصاب الودائع والمعاشات”، مستعيدًا محاولة سابقة –بحسب روايته– لاستخدام الدين الداخلي، بما فيه ودائع البنوك والمعاشات، كضمان للاقتراض عبر منصة يوروكلير. ويقول إن هذا الإجراء كان سيعرّض أموال المودعين للخطر في حال تعثر الدولة، قبل أن تتراجع يوروكلير عن التنفيذ قبل أيام من الموعد المحدد. ويضيف أن مقترحات لاحقة لتصفير ديون الحكومة وتحويلها إلى البنك المركزي تعيد إنتاج السيناريو نفسه، لأن ما يضمن ديون البنك المركزي هو ودائع البنوك والمعاشات والتأمينات، ما يعني –وفق رأيه– نقل المخاطرة من الخارج إلى الداخل.

ويخلص وهبة إلى أن حماية أموال المودعين تتطلب رقابة قانونية ومجتمعية، داعيًا إلى تحرك قانوني رمزي “لرفع اليد عن أموال الناس داخل النظام المصرفي”، على حد تعبيره.

ويشير إلى محاولة السيسي وحكومته من عده سنوات استخدام الدين الداخلي بما فيه الودائع  البنكيه والمعاشات والتأمينات كضمان للاقتراض من اليوروكلير هذا مثل من لا يملك يمنح من لا يستحق.

https://x.com/MahmoudNYC/status/2017040229090111861

والخديو إسماعيل بن إبراهيم باشا انتهى به الأمر معزولا ومنفيا خارج البلاد حيث تولى إسماعيل حكم مصر في 18 يناير 1863، واتسمت فترة حكمه التي استمرت 16 عاما بالبذخ في الإنفاق ومحاولة تقليد النمط الأوروبي، فاضطر إلى التوسع في الاقتراض لتغرق مصر في الديون وتعجز عن السداد، مما أدى إلى فرض الوصاية الأوروبية عليها.

وفي عام 1879 رأت الدول الأوروبية أن اللحظة قد حانت للتخلص من الخديو، وأصدر الباب العالي -بإيعاز من فرنسا وبريطانيا- فرمانا بعزل إسماعيل في برقية مهينة وتعيين نجله توفيق باشا حاكما لمصر.

الساخر أحمد لطفي @AHMADLO13219562 كتب في مايو 2021 أن "تحيا مصر" يُخصِص حسابًا لجمع التبرعات لصالح إعمار غزة! مضيفا "أنا من جيل قضى أربعين سنة من عمره يتبرع لـ "سداد ديون مصر" وأخيرًا فوجئت أن الديون "زي ماهي" بل زادت وتفاقمت حتى طالت عنان السماء.".

والحقيقة بحسب باحثين ففي عام 1940، أصدرت الدولة قانونًا تعيد فيه هيكلة ديونها تحت ثلاثة أنواع من السندات أطلقت عليها وصف "الدين العام"، وهي سندات الدين المضمون والموحد والممتاز.

كانت هذه الديون بالأساس ديونًا خارجية مقومة بالجنيه الإسترليني، يعود جانب منها إلى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، التي ارتبطت في أذهان المصريين بسنوات التدخل الدولي في الاقتصاد المصري بسبب العجز عن سداد الديون الخارجية، ووصل هذا التدخل لذروته مع التحرك العسكري ضد جيش أحمد عرابي ثم الاحتلال البريطاني.

مع تفاقم الديون الخارجية في الثمانينيات، تجسدت الإرهاصة الأخيرة لفكرة القرض الوطني في حملة "تبرعوا لسداد ديون مصر"، لكنها قوبلت هذه المرة بانتقادات واسعة بسبب اتساع الهوة بين الجنيه والعملات الصعبة، كما أن التبرع ليس له عائد على المواطن مثل الاستثمار في السند(8).

أمام تعقد أزمة الديون لجأت الدولة لصندوق النقد والبنك الدولي في بداية التسعينيات. كانت المؤسستان في هذا الوقت تقدمان الدعم في مقابل عملية تغيير شاملة لنمط الاقتصاد المحلي، ما يعرف ببرامج الإصلاح الهيكلي، واحدة من ملامح هذا التغيير كانت تحرير أسعار الفائدة على ديون الدولة من خلال نظام المزايدة على أذون الخزانة الذي بدأ في 1991، بحسب الباحث محمد جاد.

ويضيف جاد، "سباق سعر الفائدة صار مرهقًا للغاية. لقد دخلنا إلى حلبة هذا السباق في 1991، وازدادت حميته بقوة منذ 2016، بسبب اعتماد البنك المركزي المصري على جذب الدولارات من الخارج من خلال التسابق مع الأسواق الناشئة في رفع الفائدة على الديون الحكومية المصرية".

 

لكن بمجرد أن تسارعت وتيرة زيادة الفائدة في أمريكا، خاصة خلال 2022، انسحب البساط من تحت أقدام كل المتنافسين، وأصبح جذب الدولارات من الخارج بهذه الطريقة أكثر صعوبة.