جاء النظام الرأسمالي بمظالمه ليحكم العالم، ويتحاكم إليه – للأسف الشديد – المسلمون، ويتمارى بعضهم في تبرير آلياته ناسين أو متناسين أن المسلمين حكموا العالم ما يزيد على 1400 عام بنظام اقتصادي فريد لا يعرف للأزمات مستقرا، ولا للربا مكانا، ولا للاحتكار سبيلا، ولا للغرر طريقا.

إننا ما زلنا نسمع أصواتا من الاقتصاديين المسلمين تؤمن بأنه من المسلّمات علاج التضخم برفع سعر الفائدة، وأمثال هؤلاء نظروا للعرض لا المرض، واتبعوا مدارس وضعية بالية عفا عليها الزمن دون أن يكلفوا أنفسهم البحث ولو للحظات في تراثهم الإسلامي، ودون أن يأخذوا بعين الاعتبار واقع الظروف والبيئة في بلاد الغرب عنها في بلادنا، لا سيما وأن سعر الفائدة عندهم يقترب من الصفرية، بل ما دون ذلك.

بل إن التضخم لا يمكن التسليم بأنه سوف يقود دائما إلى سياسة رفع سعر الفائدة، فقد يظل هذا السعر ثابتا بينما يسعى البنك المركزي إلى الحد من التدفقات النقدية بطرق مباشرة، كوضع سقوف ائتمانية تلزم البنوك بعدم منح قروض جديدة إلا في حالات استثنائية أو في حدود معينة، وربما بقي سعر الفائدة ثابتا مع وجود التضخم لأسباب تخص ميزان المدفوعات، أو لأن السلطات الرسمية قررت الاعتماد على زيادة الضرائب أو تقليل الإنفاق العام لمعالجة التضخم.

إن النظر لرفع سعر الفائدة بأنه يقلل من عرض النقود ويقيد الائتمان ومن ثم خفض التضخم هي نظرة جزئية مؤقتة لا تغني عن حل ولا تحقق استقرارا، بل تنذر بالعيش في مصيدة التبعية وعدم الخروج منها بسبب علاج بسياسة نقدية وقتية يندرج عليها من جانب آخر رفع تكلفة التمويل، وهو ما يسهم في تضخم النفقات، ومن ثم ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتغذية التضخم، وهو ما يعني بكل وضوح في ضوء النظرة الكلية أن سعر الفائدة هو الداء الأساسي المسبب لداء آخر هو التضخم، ومعالجة التضخم من خلال سعر الفائدة هو معالجة للداء بداء أكبر منه مما يضاعف من البلاء.

وقد ربط المؤرخ الاقتصادي جون ل. كنج بين التضخم والفائدة المدفوعة بقوله: "قد كتبت كثيرا عن أن الفائدة هي السبب الوحيد لارتفاع الأسعار، حيث تدخل في عمق سعر كل شيء يشترى، وأنا أعتقد دائما أن الفائدة المركبة أداة تدمير خفية".

كما يرى جوهان فيليب أن "الفائدة تدمر قيمة النقود وتنسف أي نظام نقدي طالما أنها تزيد كل يوم، وتتوقف سرعة التدمير وحجمه على مقدار الفائدة ومدتها.. والمقياس هو إنتاجية الاقتصاد القومي، أي القيمة المضافة، أو الزيادة في الإنتاج، أو قيمة الأصول الموجودة في المجتمع، والناشئة عن تشغيل رأس المال النقدي في هذا المجتمع، أي الربح الناشئ عن استخدام النقود في نشاط منتج.. والفائدة المرتفعة معناها ببساطة زيادة تضخمية في النقود، وارتفاع مبالغ في للأسعار دون أن يقابل هذا الارتفاع في الأسعار إنتاج أو جهد إنتاجي، بعبارة أخرى زيادة في المديونيات دون زيادة مماثلة في الإنتاج".

إن دور سياسة سعر الفائدة في مقاومة التضخم وتحقيق الاستقرار محل مناقشات طائلة بين رجال الاقتصاد الغربيين، فالبعض يعلق أهمية كبيرة على هذه السياسة وهم النقديون (Monetarists)، والبعض الآخر يرى أن استخدامها يجب أن يكون محدودا لأن من الأفضل الاعتماد على السياسة المالية متمثلة في الضرائب والإنفاق العام، وهم الكينزيون الجدد (New Keynesians)، هذا بينما أن هناك فئة أخرى من رجال الاقتصاد وهم الهيكليون (Structuralists)، ترى أن مقاومة التضخم لا تتم بسياسة نقدية أو مالية أساسا، وإنما بسياسات هيكلية، من خلال إزالة العقبات المؤسسية (Institutional) أمام الاستخدام الكامل والأكفأ لعناصر الإنتاج المتاحة والتي تؤتي ثمارها في شكل زيادة كميات السلع المنتجة. وهذا ما تحتاجه فعلا دولنا الإسلامية لعلاج التضخم في الأجل الطويل، وهي الأولى بالعناية والاهتمام وإن كانت ثمارها المرجوة لا تتحقق إلا تدريجيا أو بمشقة في البداية.

ومن هنا فإن السياسة النقدية في دولنا الإسلامية يجب أن تبتعد عن كارثة اتقليد الأعمى لنظيرتها في النظام الرأسمالي في عقر داره، وأن تسعى بفعالية لتكون خادمة للسياسة الهيكلية بخفض سعر الفائدة – وصولا إلى إلغاء العمل بها والاحتكام لمعيار الربحية – لتشجيع الاستثمار، وزيادة الإنتاج، وتعزيز الصادرات، ورفع معدلات النمو، والخروج من نفق التبعية، مع استخدام العديد من السياسات النقدية الأخرى في هذا الاتجاه، وذلك بمنع التسيب في عرض النقود واستخدامها كمصدر للإيراد الحكومي، واستخدام سياسة السقوف الائتمانية لتوجيه مزيدا من الموارد التمويلية المتاحة بشروط معتدلة وملائمة للأنشطة القابلة للنمو السريع، وفي الوقت نفسه منع هذه الموارد كلية عن الأنشطة منخفضة الكفاءة أو الفاسدة التي تعرقل النمو.. ولنضع نصب أعيننا دائما أن السياسة النقدية بأدواتها التقليدية المبنية على سعر الفائدة هي في حقيقتها ثياب بالية لا تستحق منا إلا أن ننبذها ونرميها وراء ظهورنا.

………………

نقلا عن "عربي 21"

Facebook Comments