القرار الذي أعلنته وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتيل، يوم الجمعة، 19 نوفمبر 2021م، بحظر حركة المقاومة الفلسطينية "حماس"، يحمل دلالات بالغة الخطورة أبرزها أن القرار البريطاني ينسجم مع موقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من الحركة.

ومارست وزيرة الداخلية البريطانية كل أشكال الكذب والتدليس؛ إذا زعمت في بيان لها أوردته وكالة رويترز أن "حماس" تملك قدرات إرهابية واضحة تشمل امتلاك أسلحة كثيرة ومتطورة، فضلاً عن منشآت لتدريب إرهابيين"، مضيفة: "لهذا اتخذت اليوم إجراءات لحظر حركة "حماس" كلية". ويستهدف القرار الحد من الداعم الكبير الذي يتسع كل يوم داخل المجتمع البريطانية مع القضية الفلسطينية وحق شعبها في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وفقا لكل القوانين الدولية والشرائع السماوية التي  تكفل حق المحتل بلاده في مقاومة الغزاة والمحتلين بشتى الطرق والوسائل حتى تحرير بلاده.

وكانت صحيفة "الجارديان" قد نشرت تقريرا قالت فيه إن قرار الحظر يعني أنّ "أي شخص يعبر عن دعمه لحركة حماس أو يرفع علمها أو يرتب لقاءات لها يكون مخالفاً للقانون، وقد يواجه ما يصل إلى 10 سنوات سجناً، بحسب خطط باتيل".

وترى الحكومة البريطانية التي تنتمي إلى اليمين المحافظ القريب من اليمين المتطرف وغلاة النصرانية الذين يشنون حربا صليبية متواصلة ضد المسلمين منذ عدة قرون بوسائل مختلفة اقتصادية وسياسية وإعلامية وحتى عسكرية. حيث ترى وزيرة الداخلية البريطانية أنّ خطوتها هذه "من شأنها أن تساعد في مكافحة معاداة السامية، وحماية الجالية اليهودية". وأضافت الوزيرة، للصحافيين في واشنطن: "لقد اتخذنا وجهة نظر مفادها أنه لم يعد بإمكاننا الفصل بين الجناحين العسكري والسياسي للحركة"، مضيفة أنّ القرار "يستند إلى معلومات استخبارية تؤكد ارتباطها بالإرهاب".

القرار البريطاني يعتبر نصراً سياسياً كبيراً للاحتلال الإسرائيلي، وتحديداً للحكومة الإسرائيلية الجديدة التي لا تزال تتلقى ضربات من المعارضة اليمينية بقيادة رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو، واتهامه للحكومة الحالية بأنها ليست من اليمين بشيء. كما أنه يعتبر هدية لا تُقدّر بثمن لرئيس الحكومة نفتالي بينت، المعروف بتطرفه اليميني الديني في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ورؤياه للصراع المأخوذة من الوعود التوراتية الدينية ووجوب "استيطان الأرض وتعميرها"، لكنه يؤكد أيضاً في الوقت نفسه حجم تغلغل الصهيونية في المؤسسة البريطانية السياسية ممثلة ليس فقط بحزب المحافظين الحاكم بقيادة بوريس جونسون، وإنما أيضاً بما يحدث في حزب العمال البريطاني، وفي قدرة الصهيونية على وصم كل من يؤيد حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، بالعداء للسامية.

وكانت صحيفة "يسرائيل هيوم" الإسرائيلية قد كشفت، قبل أسبوعين، أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينت، طلب من رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في لقاء جمعه به على هامش مؤتمر المناخ في غلاسكو، إعلان حركة "حماس" منظمة "إرهابية"، بعد امتعاض حكومة الاحتلال من المظاهرات المنددة التي شهدتها لندن خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.

وبمجر إعلان القرار المثير للجدل والذي يبرهن على حجم العداء البريطاني للعرب والمسلمين بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص، رحّب كل من رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينت، ووزير الخارجية يئير لبيد، بنيّة الحكومة البريطانية إعلان حركة "حماس" "منظمة إرهابية". وقال بينت مدّعيا، في تغريدة له عبر "تويتر": ""حماس" هي ببساطة منظمة إرهابية ببدلات رسمية. شكري وتقديري لصديقي بوريس جونسون على قيادته في هذا الموضوع".

إلى ذلك، دعت حركة "حماس"، بريطانيا إلى "التوقف عن الارتهان للرواية والمشروع الصهيوني"، مشيرة إلى أن مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة، بما فيها المقاومة المسلحة، حق مكفول في القانون الدولي للشعوب الواقعة تحت الاحتلال. وجاء تصريح الحركة في بيان ردًا على إعلان الخارجية البريطانية تصنيف حماس منظمة "إرهابية"، حيث دعت الحركة بريطانيا إلى "التكفير عن خطيئتها بحق الشعب الفلسطيني عن وعد بلفور"، وذلك من خلال دعم نضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال والعودة.

وبحسب  الكاتب والباحث الفلسطيني نضال محمد وتد، في مقال له بعنوان « بريطانيا في خدمة الاحتلال»، والمنشور بصحيفة "العربي الجديد" اللندنية،  فإن القرار  البريطاني هو تأكيد للعداء البريطاني الرسمي للشعب الفلسطيني، منذ إطلاق وعد بلفور وحتى يومنا، لكن لا يمكن أيضاً الاستسلام للإعلان البريطاني خصوصاً أن إسرائيل ركزت في السنوات الأخيرة في نشاطها ضد حركة المقاطعة الدولية على نشاط المنظمة في بريطانيا، ومارست ضغوطاً هائلة على حزب العمال للتخلص من زعيمه جيريمي كوربين بفعل مواقفه المناصرة للشعب الفلسطيني، حتى بات الحزب يخشى من أي انتقاد مهما كان طفيفاً للسياسة الإسرائيلية كي لا يُرمى بالعداء للسامية.

وبحسب "وتد" فإن القرار البريطاني يبقى  في حال أقره مجلس النواب البريطاني، تصعيداً خطيراً ضد الشعب الفلسطيني، لا يوازيه إلا التصعيد الذي كان إبان ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. ومثلما كانت خطة ترامب لتصفية القضية الفلسطينية سياسياً وفعلياً عبر ما سماه بـ"صفقة القرن"، من وحي وصياغة نتنياهو، فإن أوجه الشبه بارزة أيضاً في القرار البريطاني، مع إعلان الصحف الإسرائيلية، الجمعة، أن الخطوة البريطانية كانت استجابة لطلب من إسرائيل الرسمية ممثلة ببينت، لنظيره البريطاني بوريس جونسون خلال قمة غلاسكو للمناخ، وهو أيضاً يصفي عملياً حق مقاومة الاحتلال المنصوص عليه في القانون الدولي، ليكمل مخطط تصفية القضية الذي كان بدأه ترامب.

من جانبه، أعلن رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" الفلسطينية إسماعيل هنية أنّ حركته بدأت التحرك لمواجهة قرار وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتيل اعتبار "حماس" منظمة "إرهابية". وقال هنية، في تصريح، إنّ حركته تعمل على عزل وإدانة القرار البريطاني عبر مكاتب العمل في قيادة الحركة وعلاقاتها الوطنية والعربية والإسلامية والدولية، وتتواصل الجهود من أجل قطع الطريق على الاحتلال للاستفادة منه. واعتبر أنّ القرار "اعتداء جديد على شعبنا وحقوقه، وخطوة مدانة ومستنكرة تعبّر عن الانحياز للاحتلال الصهيوني، وتتماهى مع محاولاته تجريم نضال الشعب الفلسطيني، وأن حجة القلق على الجالية اليهودية في بريطانيا كدافع للقرار كاذبة".وشدّد هنية على أنّ "حماس" تعتبر القرار "عديم الجدوى أو التأثير على حركتنا ونضالنا وشعبنا، ولن يثنينا عن المضي في الدفاع عن شعبنا وحقوقه بكل الوسائل المشروعة عبر المقاومة الشاملة".

ولفت إلى أنّ "صمود الفلسطينيين والتفافهم حول قواهم الوطنية المناضلة كفيل بإضعاف وإجهاض كل القرارات التي تمسّ حقوقه الثابتة، بما فيها الحق في مقاومة الاحتلال"، موضحاً أنّ "شرعية حركة حماس تستمدها من هذا الشعب ومن أمتنا ومن أحرار العالم ومن نضالنا الوطني". وشدّد على أنّ "هذه القرارات ذات الصبغة السياسية والانتخابية والمنحازة للاحتلال لن تجد أي تأثير أو مكان أمام الشعوب والأحرار والنخب والفعاليات الداعمة للحق الفلسطيني". كذلك أكّد هنية أنّ "هذا القرار لن يتمكن من وقف التعاطف الشعبي المتنامي مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع البريطاني والغربي بشكل عام".

Facebook Comments